ب ـ متنهما:

محور الخبر أنّ الرسول (ص) أعجبه جمال زينب عندما رآها بغتة بلا حجاب، ورغب في طلاق زيد إيّاها وأخفى ذلك في نفسه.

وبيان زَيف ذلك: أن زينب كانت ابنة عمّة النبي (ص)، وقد نزل حكم الحجاب بعد زواج الرسول (ص) بزينب، وكان قد رآها قبل أن يزوّجها من زيد مرارا وتكرارا، وقد افترى على الرسول (ص) من قال ذلك، والصحيح في الخبر ما ننقله عن كتب السيرة في ما يأتي بإذنه تعالى:

 خبر زواج زينب بزيد أوّلا ثمّ بالنبي (ص) بعد طلاق زيد إياهّا:

كان من خبر زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي أنّه أصابه سباء في الجاهلية وبيع في بعض أسواق العرب، فاشتُري لخديجة، ثمّ وهبته خديجة للنبيّ (ص) قبل أن يُبعث وهم ابن ثماني سنين، فنشأ عند النبي (ص)، وبلغ الخبر أهله فقدم أبوه وعمُّه مكة لفدائه، فدخلا على النبيّ (ص) وقالا: يا ابن عبد المطلب! يا ابن هاشم! يا ابن سيّد قومه! جئناك في ابننا عندك فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه! فقال: من هو؟ قالا: زيد بن حارثة، فقال رسول اللّه (ص): فهلاّ غير ذلك؟ قالا: ما هو؟ اُدعُوه وخيّروه فإن اختاركم فهو لكم، وإن اختارني فوَاللّه ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدا، قالا: قد زدتنا على النصف وأحسنت، فدعاه رسول اللّه (ص) فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم! هذا أبي، وهذا عمّي! قال: فأنا من عرفت ورأيت صحبتي لك فاخترني أو اخترهما. قال: ما أريدهما وما أنا بالّذي أختار عليك أحدا، أنت منّي مكان الاب والعمّ! فقالا: ويحك يا زيد! أتختار العبوديّة على الحريّة وعلى أبيك وأهل بيتك؟ قال: نعم، ورأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالّذي أختار عليه أحدا أبدا، فلمّا رأى رسول اللّه (ص) ذلك أخرجه إلى الحجر ـ في بيت اللّه ـ فقال: يا من حضر! اشهدوا أنّ زيدا ابني يرثني وأرثه، فلمّا رأى ذلك أبوه وعمّه طابت نفوسهما وانصرفا(31).

ونُسِبَ زيد بعد ذلك إلى رسول اللّه (ص) وقيل له: زيد بن محمّد (ص)، وزوّجه الرسول (ص) من أمته وحاضنته برّة السوداء الحبشية، وكانت قد تزوّجت قبله من عبيد الحبشي، وولدت له أيمن فكُنِّيَتْ بـ (أمّ أيمن)، فولدت في مكّة أُسامة من زيد(32).

كان ذلكم خبر تبنّي الرسول (ص) لزيد، ثمّ تزوج النبي (ص) زينب كالاتي خبره: 

خبر زواج زيد من زينب ابنة عمّة الرسول (ص):

بعد الهجرة إلى المدينة خطب زينب ابنة أميمة ابنة عبد المطلب عدّة من أصحاب النبيّ (ص)، فأرسلت أخاها إلى النبيّ (ص) تستشيره في أمرها، فقال: فأين هي ممّن يعلّمها كتاب ربّها وسنّة نبيّها؟ فسألت: من هو؟ فقال: زيد! فغضبت وقالت: تزوّج ابنة عمتك مولاك! لست بناكحته!

أنا خير منه حسبا! أنا أيِّم قومي(33)، فأنزل اللّه تعالى: (وَما كانَ لمؤمنٍ وَلا مُؤمنةٍ إذا قَضى اللّهُ وَرسولُهُ أمرا أن يكونَ لهُم الخِيَرَةُ مِن أمرِهِم وِمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسولَهُ فقد ضَلَّ ضَلالا مُبِينا) (الاحزاب 36)، فرضيت فزوَّجها الرسول (ص) من زيد بعد أمّ أيمن السوداء الحبشية، ولها أُسامة بن زيد، فكانت تعلو على زيد وتشتد وتأخذه بلسانها، فكان يشكوها إلى الرسول (ص) ويحاول تطليقها، واقتضت مشيئة اللّه وحكمته أن يتزوّجها الرسول (ص) بعد زيد ليُلغى بذلك التبنّي بين المسلمين، وأشعره الوحي بذلك، فخشي الرسول (ص) أن يقول الناس تزوّج حليلة ابنه، فكتم الوحي في نفسه وقال لزيد: إتّق اللّه وأمسك عليك زوجك، ولّما ضاق زيد ذرعا بزوجته زينب طلقها وانقضت عدتّها، فنزلت الايات على الرسول (ص) مرّة واحدة تخبر عمّا وقع وتبيّن حكم المتبنّي في شريعة الاسلام:

(فَلَمّا قَضى زَيدٌ مِنها وَطَرَا زَوَّجناكَها لِكَي لا يكونَ على المؤمنينَ حَرَجٌ في أَزواجِ أَدعيائهم*.... مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِن رِجالِكُم وَلكنْ رَسُولَ اللّهِ وَخاتَمَ النَّبيِّين...) (الاحزاب 37 ـ 64).

وقال عزّ اسمه لِسائر المؤمنين: (وَما جَعَلَ أَدعياءكُم أَبناءكُم ذلِكُم قَولُكُم بِأفواهِكُم وَاللّهُ يَقولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهدي السَّبيل * أُدعوهُم لابائهم هُوَ أَقسَطُ عِندَ اللّه فَإنْ لَمْ تَعلَموا آباءهُم فَإِخوانُكُم في الدِّينِ وَمَواليكُم) (الاحزاب 4 ـ 5).

***

أوردنا في ما سبق مثالين من آيات أخطأ العلماء في تأويلها بسبب ما ورد في رواياتٍ مُفْتَراةٍ على الانبياء، ونورد في ما يأتي

أمثلة من آيات أخطأ البعض في تأويلها دونما استناد إلى رواية:


31 اسد الغابة (2 / 224 ـ 227).

32 ترجمة اُم أيمن في اسد الغابة (7 / 303)، والاستيعاب ص 765 رقم الترجمة 2، والاصابة (4 / 415 ـ 417) الترجمة رقم 1145.

33 ألاَّيم وجمعه الايامى: المرأة لا زوج لها والرجل لا زوجة له.