ثالثا ـ رواية يزيد الرقّاشي:
إنّ
يزيد بن أبان قال: إنّه سمعها من الصحابي أنس الذي سمعها من رسول
اللّه (ص)، وبذلك كذب على أنس وعلى رسول اللّه (ص)، وهو الزاهد
العابد، البكّاء، وكم يكون أثر رواية يرويها أمثال يزيد من العبّاد
في وعظهم وقصصهم!؟ وهل يعرف غير المتخصِّصين بعلم دراية الحديث أنّ
يزيد الرقّاشي أسند ما سمعه من الحسن البصري إلى الصحابي أنس إلى
رسول اللّه (ص)، ويأتي بعدهم المفسّرون أمثال الطبري (ت: 310 هـ)
إلى
السيوطي (ت: 911 هـ) ويوردون تلك الاساطير في تفاسيرهم. والامر لا
يقتصر على من ذكرناهم هنا من رواة الروايات الاسرائيلية، بل
يتعدَّاهم إلى غيرهم من صحابة وتابعين، كما ذكرنا بعضهم في الجزء
الخامس والثاني عشر من قيام الائمة بإحياء السنّة(28)
مثل:
1 ـ
الصحابي عبد اللّه بن عمرو بن العاص: الذي أصاب راحلتين من كتب أهل
الكتاب في بعض الغزوات، وكان يروي عنهما دونما ذكر لمصدر رواياته.
2 ـ
الصحابي تميم الداري: الذي أسلم بعد أن كان راهب النصارى، وكان يقصّ
في مسجد الرسول (ص) يوم الجمعة قبل خطبة الخليفة الثاني عمر بن
الخطّاب، ويقصّ يومين في الاسبوع على عهد الخليفة عثمان.
3 ـ
التابعي كعب الاخبار:
كان
قد اسلم على عهد الخليفة عمر، وأصبح من علماء المسلمين على عهد
الخليفتين عمر وعثمان.
ثمّ
من أخذ من هؤلاء وألَّف تفسير القرآن مثل:
4 ـ
مقاتل بن سليمان المروزي الازدي بالولاء (ت: 150 هـ).
كان
مشهورا بتفسير كتاب اللّه. وقال الشافعي:
(الناس كلّهم عيال على ثلاثة: على مقاتل بن سليمان في التفسير، وعلى
زهير بن أبي سلمى في الشعر، وعلى أبي حنيفة في الكلام):
كم
يا تُرى دَسَّ مقاتل من الاسرائيليات في رواياته التي اعتمدوها وكم
اختلق مما روى وأسند؟!(29)
نتيجة
الدراسة
نقل
وهب الرواية المفتراة على نبي اللّه داود (ع) من كتب أهل الكتاب
وصرّحَ بمصدرها، ورواها إمام الائمة الحسن وأرسلها دون الاشارة إلى
مصدرها، ودلَّس المحدّث القاصّ الزاهد العابد البكّاء يزيد بن أبان
وقال: سمعها أنس من رسول اللّه (ص).
ولا
يقتصر هذا النوع من التدليس وإسناد الروايات الاسرائيلية إلى الصحابة
بهذا المورد وحده، وإلى هذا الصحابي وحده، فقد أكثروا في إسناد
أمثالها إلى الصحابي ابن عم النبي (ص) عبد اللّه بن عباس، ونحتاج
لدراستها إلى بحوث مقارنة مبسوطة، وبمراجعة الصفحة الاخيرة من تفسير
السيوطي ((الدرّ المنثور)) ينكشف لنا بعض الامر.
***
وهكذا نجد منشأ الخبر المفترى على داود (ص) قصص التوراة، وكذلك
تسرَّبت الاخبار الاسرائيلية إلى تفسير القرآن، فكونّت للمسلمين رؤية
غير صحيحة عن سيرة الانبياء، وكان ذلكم خبر زواج داود (ع) بأرملة
أوريا وما افتروا عليه في ذلك، ومنشأه، والصحيح من خبره، وفي ما يأتي
الصحيح من خبر زواجي زينب بنت جحش بزيد ثمّ برسول اللّه (ص):
28 لقد طبعا بالفارسية باسم ((نقش أئمّه در إحياء
دين)).
29 راجع ترجمة تاريخ بغداد (12 / 160 ـ 169) رقم
الترجمة 7142، وفيات الاعيان (4 / 240 ـ 242) رقم الترجمة 4 ـ 7،
وتهذيب التهذيب (10 / 279 ـ 285)، وميزان الاعتدال (4 / 172) رقم
الترجمة 7841).