ـ 4 ـ‍ روايات مكذوبة على نبيّ اللّه داود في زواجه بأرملة أوريا، وعلى خاتم الانبياء في زواجه بزينب مُطَلَّلقَةَ مَنْ تَبَنّاهُ بروايات زائفة، والحكمة في الامْرَين

 ندرس من هذا النوع الروايات التي وردت في خبر زواج داود بأرملة اوريا، وزواج خاتم الانبياء (ص) بمطلّقة زيد كالاتي:

أ ـ زواج داود (ع) في القرآن الكريم:

قال اللّه سبحانه في سورة ص:

(اصْبر عَلى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُر عَبدَنَا دَاوُدَ ذا الاَيدِ إنَّهُ أَوَّاب* إِنَّا سَخَّرنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحنَ بِالعَشِيّ وَالاِشْرَاق* وَالطَّيرَ مَحشُورَةً كُلُّ لَهُ أَوَّاب* وَشَدَدنا مُلكَهُ وآتَيْنَاهُ الحِكمَةَ وَفَصلَ الخِطَاب* وَهَل أَتَاكَ نَبَأُ الخَصمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحرَاب* إذ دَخَلُوا عَلى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنهُم قَالُوا لاَتَخَفْ خَصمَانِ بَغى بَعضُنَا عَلَى بَعضٍ فاحكُم بَينَنا بِالحَقِّ وَلاَ تُشطِط وَاهدِنَا إِلى سَواء الصِّراط* إِنَّ هذَا أَخِي لَهُ تِسعُ وَتِسعُونَ نَعجَةً وَليَ نَعجَةٌ وَاحِدةٌ فَقَالَ أَكفِلنِيهَا وَعَزَّنِي في الخِطَابِ* قَالَ لَقد ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعجتِكَ إلى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثيرا مِن الخُلَطاء لَيَبغِي بَعضُهُم عَلَى بَعضٍ إلاّ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلوا الصَّالِحَاتِ وَقَليلٌ مَاهُم وَظَنَّ داوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَأستَغفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعا وَأَنَاب* فَغَفَرنَا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلفَى وَحُسنَ مَآب* يَا دَاودُ إِنَّا جَعَلناكَ خَليفَةً فيِ الارض فَأحكُم بَينَ النّاسِ بِالحَقّ...) (الايات 17 ـ 26). 

تأويل الايات في روايات مدرسة الخلفاء

الروايات بمدرسة الخلفاء في تأويل آيات خبر حكم داود (ع) كثيرة، ونَحْنُ نكتفي في ما يأتي بإيراد ثلاثة نماذج منها بإذنه تعالى: 

أـ رواية وهب بن منبَّه:

روى الطبري في تأويل الاية عن وهب أنّه قال:

((لمّا اجتمعت بنو إسرائيل على داود، أنزل اللّه عليه الزَّبور، وعلَّمه صنعة الحديد، فألانه له ، وأمر الجبال والطير أن يسبِّحن معه إذا سبّح، ولم يعط اللّه ـ فيما يذكرون ـ أحدا من خلقه مثل صوته، كان إذا قرأ الزبور ـ فيما يذكرون ـ تدنو له الوحوش حتى يأخذ بأعناقها، وإنها لمصيخة تسمع لصوته، وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج إلاّ على أصناف صوته، وكان شديد الاجتهاد، دائب العبادة، فأقام في بني إسرائيل، يحكم فيهم بأمر اللّه نبيا مستخلفا، وكان شديد الاجتهاد من الانبياء، كثير البكاء، ثمّ عرض من فتنة تلك المرأة ما عرض له، وكان له محراب يتوحَّد فيه لتلاوة الزَّبور ولصلاته إذا صلى، وكان أسفَل مِنه جُنَينة لرجل من بني إسرائيل، كان عند ذلك الرجل المرأة التي أصاب داود فيها ما أصابه.

وأنّه حين دخل محرابه ذلك اليوم، قال: لا يدخلنّ عليّ محرابي اليوم أحد حتى الليل، ولا يشغلني شي‌ء عمّا خلوت له حتى أُمْسِي، ودخل محرابه ونشر زَبوره يقرؤه، وفي المحراب كُوَّة تطلعه على تلك الجنينة، فبينا هو جالس يقرأ زَبوره، إذ أقبلت حمامة من ذهب حتى وقعت في الكوّة، فرفع رأسه فرآها فأعجبته، ثمّ ذكر ما كان قال: لا يشغله شي‌ء عما دخل له، فنكَّس رأسه، وأقبل على زَبوره، فتصوّبت الحمامة للبلاء والاختبار من الكوّة، فوقعت بين يديه، فتناولها بيده، فأستأخرتْ غير بعيد، فأتبعها، فنهضت إلى الكوّة، فتناولها في الكوّة، فتصوّبت إلى الجُنينه، فأتبعها بصره أين تَقَع، فإذا المرأة جالسة تغتسل، بهيئة اللّه أعلم بها في الجمال والحُسن والخلق. فيزعمون أنها لما رأته نقضت رأسها فوارت به جسدها منه، واختطفت قلبه، ورجع إلى زَبوره ومجلسه، وهي من شأنه، لا يفارق قلبه ذكرها، وتمادى به البلاء، حتى أغزى زوجها، ثمّ أمر صاحب جيشه ـ فيما يزعم أهل الكتاب ـ أن يقدّم زوجها للمهالك، حتى أصابه بعض ما أراد به من الهلاك، ولداود تسع وتسعون امرأة، فلمّا أصيب زوجُها خطبها داود، فنكحها، فبعث اللّه إليه وهو في محرابه ملَكين يختصمان إليه، مثلا يضرب له ولصاحبه، فلم يُرَعْ داود إلاّبهما واقفين على رأسه في محرابه، فقال: ماأدخلكما عليّ؟ لا تخف، لم ندخل لبأس ولا لريبة (خَصمانِ بَغَى بَعضَنا عَلى

بَعض) فجئناك لتقضىٍَّ بيننا (فَاحكُم بَيننا بالحَقِّ وَلا تُشْطِطْ، وَاهدِنا إلى سَواء الصِّراط): أي احملنا على الحقّ، ولا تخالف بنا إلى غيره، قال الملك الذي يتكلّم عن أوريا بن حنَانيا زوج المرأة: (إَنَّ هذا أخي): أي على ديني (لَهُ تِسعٌ وَتِسعونَ نَعجَةً وَليَ نَعجَةٌ وَاحدةٌ، فَقالَ أكْفِلْنِيها): أي احملني عليها، ثمّ عزّني في الخطاب: أي قهرني في الخطاب، وكان أقوى منّي هو وأعزّ، فحاز نعجتي إلى نعاجه، وتركني لا شي‌ء لي. فغضب داود، فنظر إلى خصمه الذي لم يتكلم، فقال: لئن كان صدقني ما يقول، لاضربنَّ بين عينيك بالفأسِ، ثمّ ارعوى داود، فعرف أنّه هو الذي يُراد بما صنع في امرأة ((أوريا))، فوقع ساجدا تائبا منيبا باكيا، فسجد أربعين صباحا صائما لا يأكل فيها ولا يشرب، حتى انبت دمعه الخُضَرَ تحت وجهه وحتى أندَب السجود في لحم وجهه، فتاب اللّه عليه وقبل منه.

ويزعمون أنّه قال: أي ربّ هذا غفرت ما جنيت في شأن المرأة، فكيف بدم القتيل المظلوم؟ قيل له: يا داود ـ فيما زعم أهل الكتاب ـ أما انّ ربّك لم يظلمه بدمه ولكنّه سيسأله إيّاك فيعطيه، فيضعه عنك، فلمّا فرّج عن داود ما كان فيه رسم خطيئته في كفه اليمنى: بطن راحته، فما رفع إلى فيه طعاما ولا شرابا قط إلاّ  بكى اذا رآها، وما قام خطيبا في الناس قط إلاّ نشر راحته فاستقبل بها الناس ليروا رسم خطيئته(17).


17 تفسير الطبري (23 / 95 ـ 96) ط. دار المعرفة بيروت.