ـ 2 و3 ـ
اثر العمل
وخلوده وانتشار البركة والشّؤم
من بعض الاعمال على الزمان والمكان
وعصمة خلفاء اللّه عن المعصية
لرؤيتهم ذلك
لمعرفة معنى عصمة الانبياء ينبغي أن ندرس كيفية انتشار البركة
والشُّؤم على الزّمان والمكان وآثار أعمال الانسان في الدّنيا
والاخرة، فنَستعين اللّه ونقول:
قال
اللّه سبحانه وتعالى:
(شَهرُ رَمضانَ الّذي أُنْزِلَ فيهِ القُرآنُ هُدىً للنّاسِ
وَبَيِّناتً مِنَ الهدى وَالفُرقانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهرَ
فَليَصُمه) (الاية 185).
ب ـ
في سورة القدر:
(إنّا أَنزَلناهُ في لَيلةِ القَدْر* وَما أَدراكَ ما لَيلَةُ
القَدْرِ* لَيلَةُ القَدرِ خَيرٌ مِن ألفِ شَهْرٍ* تَنَزَّلُ
المَلائِكةُ وَالرّوحُ فيها بِأذِنِ رَبِّهِم من كُلِّ أَمْر* سَلامٌ
هيَ حَتّى مَطلَعِ الفَجْر).
أنزل
اللّه القرآن على خاتم أنبيائه في ليلة من ليالي شهر رمضان، فأصبحت
تلك الليلة ليلة القدر تتنزل الملائكة والروح فيها كل سنة بأمر ربّهم
أبد الدَّهر، وانتشرت البركة من تلك اللّيلة إلى كلّ شهر رمضان كذلك
أبد الدَّهر.
وسندرس في بحث النَّسْخِ إن شاء اللّه تعالى أنَّ الجمعة أصبحت
مباركة منذ عهد آدم (ع) لما أنزل اللّه سبحانه وتعالى فيها من
البركات على آدم (ع)، وأنّ عصر التاسع من ذي الحجّة أصبح مباركا يغفر
اللّه ذنوب عباده فيه بمنى لنزول المغفرة على آدم (ع) فيه، وأصبحت
أراضي عرفات والمشعر ومنى أراضي مباركةً في التاسع والعاشر من ذي
الحجّة على كلّ بني آدم (ع) بعد ذلك، وبقي أثرها كذلك أَبَدَ الدّهر.
وكذلك أصبح أَثر قدَمَي إبراهيم (ع) في البيت على تلك الكتلة من
الطين التي رقى عليها إبراهيم (ع) لبناء جدار البيت مباركا، فأمّرنا
اللّه باتخاذها مصلّىً بعد ذلك أَبَدَ الدَّهر وقال: (واتّخِذوا مِن
مَقامِ إبراهيمَ مُصَلى).
وكذلك الشأن في انتشار الشّؤم كما كان من أمر بيوت عاد في الحِجْرِ
بعد نزول العذاب عليهم، كما أخبرنا رسول اللّه (ص) عنها عند مروره
عليها في غزوة تبوك، وجاء خبره في كتب الحديث والسيرة، وقالوا ما
موجزه:
لمّا
سار رسول اللّه (ص) إلى غزوة تبوك في سنة تسع من الهجرة مرَّ
بالحِجْرِ ـ ديار ثمود بوادي القرى في طريق الشام من المدينة ـ
فَنَزَلَ قبل أن يمر بها، فاستقى الجيش من بئرها، فنادى منادي النبي
أن ((لا تشربوا من ماء بئرهم، ولا تتوضّأوا منه للصلاة)) فجعل الناس
يهريقون ما في أسقيتهم وقالوا: ((يا رسول اللّه قد عَجَنّا، قال:
أعلفوها الابل خوف أن يصيبَكم مثل ما أصابهم)).
ولما
ارتحل ومرّ بالحِجْرِ، سجّى(12) ثوبه على وجهه
واستحثّ راحِلته وفعل الجيش كذلك، وقال رسول اللّه (ص):
((لا
تَدْخُلُوا بُيُوت الّذينَ ظَلَمُوا إلاّ وَأنْتُم باكونَ)).
وجاءه رجل بخاتم وجده في الحجر في بيوت المعذّبين، فأعرض عنه واستتر
بيده أن ينظر إليه، وقال: ((أَلْقِهِ!)) فَألقَاهُ(13).
ووقع
نظير ذلك للامام علي (ع) كما رواه نصر بن مزاحم وغيره، واللفظ لنصر
في كتابه (وقعة صفين) بسنده، وقال:
كان
مخنف بن سليم يساير عليّا ببابل(14) فقال الامام
علي (ع): ((إِنَّ بِبابِلَ أَرْضا خُسِفَ بها فَحَرِّكْ دابَّتَكَ
لَعَلَّنا نُصلِّي العَصْرَ خارجا مِنْها)).
قال:
فَحَرَّكَ دابَّتَهُ وحرَّك الناسُ دُوابَّهم في أَثَرِهِ، فَلَمّا
جَشر الصَّراةِ نَزَلَ فَصَلَّى بالناسِ العَصْرَ(15).
وفي
رواية راوٍ آخر:
قطعنا مع أمير المؤمنين جسر الصِّراةِ في وقت العصر، فقال: ((إنّ هذه
أرض معذَّبةٌ لا ينبغي لنبّي ولا وصّي نبي أن يصلّيَ فيها))(16).
هكذا
كان للبركة انتشار من االزمان الذي بارك اللّه فيه لعبدٍ من عباده
المخلصين، وللشؤم انتشار من الزمان الّذي غضب فيه على عبيده
الاشقياء.
وسوف
نرى في بحث آثار العمل الاتي أنّ لاعمال النّاس آثارا خالدة في
الدنيا وفي الاخرة تتجسَّد لتخلد نارا وقودها الناس والحجارة، أو
نعيما في جنّات عدن. وكلّ ذلكم الانتشار وتلكم الاثار يراها عباد
اللّه المخلَصون ويدركونها، فتدفعهم إلى الاجتهاد في أداء الاعمال
الصالحة واجتناب الاعمال السيّئة من الفحشاء والسوء والمنكر.
وتلكم الرؤية هي برهان اللّه الذي يؤتي اللّه من عباده من تزكّى وآثر
رضى اللّه على هوى النفس الامّارة بالسوء، ومن ثمّ لا تصدر من عباده
المخلَصين معصية موبقة، ومَثَلُهُمْ في ذلك مثل إنسان بصير وآخر ضرير
يسيران معا في طريق واحد كثيرة العثرات والمهاوي المردية، يتجنبها
البصير وينبِّه صاحبه الضرير ليتجنّبها.
أو
كمثل أناس عطاشى أمامهم ماء تتوق أنفسهم إلى شربه ليبرّدوا به حرارة
عطشهم، وفيهم طبيب معه مجهر نظر من خلاله إلى ذلك الماء وأبصر فيه
أنواعا من الجراثيم المهلكة، وأخبر صحبه بلزوم تصفية الماء قبل
الاستفادة منه.
هكذا
مثل عباد اللّه المخلَصين في رؤيتهم البرهان وتَبصُّرهم بحقائق
الاعمال وآثارها السيّئة أو الحسنة، فهم مع تلك الرؤية لقبح فعل
المعصية وشناعتها في الدنيا وتجسّده نارا محرقة خالدة في الاخرة، لا
يمكن أن يُقدموا على العمل بها مختارين وغير مجبورين على تركها، أو
ممنوعين من قبل اللّه من إتيانها.
وما
يوردون من شبهات حول عصمة الانبياء مستشهدين بآيات متشابهة، أخطأوا
في تأويل بعضها وفسرّوا بعضها الاخر بروايات زائفة. ولكي لا يطول
البحث نكتفي بإيراد أمثلة من النوعين في ما يأتي:
12 سجّى ثوبه على وجهه: غَطّاه، واستحثّ راحلته:
استعجلها.
13 الخبر في مادة الحجر في معجم البلدان، وخبر غزوة
تبوك في سيرة ابن هشام (4 / 164 ـ 165)، ومغازي الواقدي (1006 ـ
1008)، وإمتاع الاسماع (454 ـ 456)، ومسند أحمد (2 / 9 و58 و66 و72
و74 و91 و96 و113 و137 و3 / 296)، وصحيح البخاري (3 / 61 و99) ذكر
غزوة تبوك، وتفسير سورة الحِجْرِ، وصحيح مسلم كتاب الزهد، الحديثان:
39 و40.
14 بابل في العراق بين الكوفة وبغداد، وجسر الصراة
كان على نهر الصراة بالقرب من بغداد.راجع مادتي (بابل) و(الصَّراة)
بمعجم البلدان.
15 صفّين، ص 135.
16 في البحار (41 / 168) عن علل الشرائع ص 124،
وبصائر الدرجات (58)