ـ 1 ـ
إبليس لا سلطان له على خلفاء اللّه
في الارض
أخبر اللّه سبحانه في سورة الحجر أنَّ إبليس لاسلطان له على عباده
المخلصين، في ذكره مادار بينه وبين إبليس من محاورة وذلك في قوله
تعالى:
(ربِّ بِما أغوَيتَني لاُزَيِّنَنَّ لَهُم في الارضِ وَلاغوِيَنَّهمُ
أَجمَعينَ إلاّ عِبادَكَ مِنهمُ المُخْلَصِين* قالَ... إنَّ عبادي
لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطانٌ إلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوين)
(الايات 39 ـ 42).
وأخبر تعالى عمّا جرى بين يوسف وزليخا، وكيف يعصم اللّه المخلَصين من
إغواء الشيطان، حيث قال تعالى في سورة يوسف: (وَلَقَد هَمَّت بِهِ
وَهَمَّ بِها لَولا أَن رَأى بُرهَانَ رَبِّه كَذلِكَ لِنَصرِفَ
عَنهُ السُّوء وَالفَحشاء إِنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِين) (الاية
24).
وعرفنا انّ الوصف المذكور من شروط الامامة في ما أخبر اللّه عمّا دار
بينه وبين خليله إبراهيم (ع) في سورة البقرة، وقال:
(وَإذِ ابتلى إبراهيمَ رَبُّهُ بِكَلماتٍ فَاَتَّمَّهُنَّ قالَ إِنّي
جاعِلُكَ لِلنّاسِ إماما قالَ وَمِن ذُرِّيَّتي قالَ لا يَنالُ
عَهْدي الظالمين) (الاية 124).
وذكر
في سورة الانبياء أنّ الذين جعلهم أئمة، يهدون بأمره. وقال تعالى:
(وَجَعَلناهُم أَئمَّةٌ يَهدونَ بأَمرِنا..) (الاية 73).
وذكر
منهم في تلك السورة نوحا وابراهيمَ ولُوطا وإسماعيلَ وَأَيّوبَ وَذا
الكِفْل وَيوُنُسَ وَموسى وَهارونَ وَداودَ وَسُلَيمانَ وَزَكريّا
وَيحيى وَعيسى (ع).
وكان
في من وصفهم بالامامة في هذه السورة: النبيُّ والرسول والوزير
والوصيُّ. إذا فقد بان لنا أنّ اللّه تبارك وتعالى اشترط لمن جعله
إماما أنْ يكون غير ظالم.
وقد
وصف اللّه الامام بأنّه خليفته في الارض كما ورد في خطابه لداود (ع)
في سورة ص:
(يا
داوُدُ إِنّا جَعَلناكَ خَليفةٌ في الارض) (الاية 26).
وورد
في وصفه لادم (ع) في خطابه للملائكة في سورة البقرة:
(وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلمَلائكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الارضِ
خَليفَة...) (الاية 30).
كما
سنشرحه بعد تفسير كلمات الايات إن شاء اللّه تعالى.
شرح
الكلمات:
أ ـ
أَغوَيْتَني، وَلاُغْوِيَنَّهُم، والغاوين.
غوى
فهو غاوٍ: انهمك في الغيّ.
وأغواه: أضلّه وأغراه. وقصد اللعين بقوله أغويتني: أنّه تعالى بلعنه
وقوله له قبل هذه الاية (وَإنَّ عَلَيْكَ اللّعْنَةَ إلى يومِ
الدِّين) أبعده عن رحمته جزاء تمرُّده وامتناعه عن السجود لادم كما
قال تعالى في سورة البقرة: (يُضِلُّ بِهِ كَثيرا وَيَهدي بِهِ كَثيرا
وَما يُضِلُّ بِهِ إلاّ
الفاسِقين) (الاية 26).
ب ـ
لاُزَيِّنَنَّ لهم:
أي:
أُحِّسنُ لهم سوء أعمالهم كما قال سبحانه وتعالى: (زَيَّنَ لهمُ
الشيطانُ أعمالَهم) (الانفال 48 والنحل 24 والعنكبوت 37) و(زُيِّنَ
لَهمُ سُوء أَعمالِهِم) (التوبة 37).
ج ـ
المخلَصِين.
المُخلَصُون: هم الذين أخلصهم اللّه لنفسه بعدما أخلصوا أنفسهم للّه،
فليس في قلوبهم محلُّ لغيره.
د ـ
إبتلى:
بلاه
بلاء وابتلاه ابتلاء: امتحنه واختبره بالخير والشرّ والنعمة والنقمة.
هـ ـ
بكلمات:
المقصود من الكلمات هنا قضايا امتحن اللّه بها إبراهيم (ع)؛ مثل
ابتلائه بعبّاد الكواكب والاصنام، وإحراقه بالنار، وتضحيته بابنه،
وأمثالها.
و ـ
فأتَّمهنَّ:
أي
أكمل أداءهنَّ.
ز ـ
جاعِلُكَ:
وردت
((جعل)) بمعنى: خلق وأوجد وحكم وشرّع وقرّر وصيّر، والاخير هو
المقصود هنا.
خ ـ
إماما:
الامام: هو المقتدى للناس في الاقوال والافعال.
ط ـ
الظّالمين:
الظّلم: وضع الشيء في غير موضعه. والظّلم ـ أيضا ـ تجاوز الحقّ.
والظّلم ثلاثة أنواع:
أوَّلاـ ظلم بين الانسان وربّه، وأعظمه الشِّرك والكفر، كما قال
سبحانه في سورة لقمان:
(إنّ
الشِّركَ لَظلمٌ عَظيم) (الاية 13).
وفي
سورة الانعام:
(فَمَن أظلمُ مِمّن كَذَّب بآياتِ اللّه...) (الاية 157).
ثانيا ـ ظلم بين الانسان وغيره، كما قال سبحانه وتعالى في سورة
الشورى:
(إنَّما السبيلُ على الّذينَ يَظلمون النّاس) (الاية 42).
ثالثا ـ ظلم الانسان نفسه، كما قال سبحانه وتعالى في سورة البقرة:
(...
وَمَن يَفعلْ ذلكَ فَقَد ظَلَمَ نَفسَه) (الاية 231).
وفي
سورة الطلاق:
(وَمَن يَتَعَدَّ حُدودَاللّهِ فَقَد ظَلَمَ نَفسَه) (الاية 1).
وكلّ
نوع من الظّلم ظلم للنّفس.
يقال
لمن اتّصف بالظُّلم في أي زمانٍ من عمره المتقدّم منه أو المتأخِّرِ:
ظالم.
ى ـ
همّت به وهمّ بها.
همّ
بالامر: عَزَمَ على القيام به ولم يفعله.
ك ـ
رَأى:
رأى
بالعين: نظر، وبالقلب: أبصر، وأدرك.
ل ـ
برهان:
البرهان: أَوكدُ الادِلِّةِ، والحجِّةُوالبَيِّنَةُ الفاصلة، وما
رآه يوسف أكثر من هذا.
تأويل الايات واللّه أعلم:
قال
إبليس لربّ العالمين: رَبَّ بِما لَعَنْتَني وأَبْعدْتَني عن رحمتك
لاُزَيِّيَنَّ لِلناس في دار الدنيا الاعمال السيّئة، كما قال
سبحانه:
أ ـ
في سورة النحل:
(لَقَد أرسَلنا إلى أُممٍ مِن قَبلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطانُ
أَعمالَهُم) (الاية 63).
ب ـ
في سورة الانفال:
(وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشّيطانُ أَعمالَهُم وقالَ لا غالِبَ لَكُمُ
اليَوم...) (الاية 48).
ج ـ
في سورة النمل:
(...
يَسجُدونَ لِلشَّمسِ مِن دونِ اللّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطانُ
أَعمالَهُم فَصَدَّهُم عَنِ السَّبيل...) (الاية 24).
وقال
الشيطان: لاُزَيِّنَنَّ للناس أعمالهم ولاُغوِيَنَّهم أجمعين إلاّ
عبادَك الّذين اصطفيتهم لنفسك.
وقال
اللّه في جوابه: إنّك لا سلطةَ لك إلاّ على من اتّبعك من المنهمكين
في الغيِّ والضّلالة، وأخبر تعالى عن شأن عباده المخلَصين في ما حكاه
عن خبر يوسف (ع) وزليخا، حيث قال: (وَلَقَدْ هَمَّت بِهِ وَهَمَّ
بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرهَانَ رَبِّهِ) في بيت خلا عن كلّ انسان
ما عدا يوسف (ع).
وزليخا عزيزة مصر ومالكة يوسف همّت أن تنال مأربها من يوسف، ولولا
أنّ يوسف رأى برهان ربّه لهمَّ بقتلها وهو السوء، أوْ همَّ بالفَحشاء
كما هو مقتضى طبيعة الحال التي كان عليها الفتى مكتمل الرجولة غير
المُتَزَوِّج مع مالكته الفتاة مكتملة الانوثة المترفة في بيت خلا من
كلّ أحد، ولكنّه رأى برهان رَبِّه واستعصم، فقد كان مّمن أخلصه اللّه
لنفسه. فما هو البرهان الذي رآه يوسف (ع)؟ وكيف رآه؟
إنّ
يوسف (ع) رأى آثار العملين على نفسه كالاتي بيانه: