الوصيّ والوصيّة:
الوصيّ في الكتاب والسنّة: هو الانسان الذي أوصى إليه غيره أن يقوم
بعد وفاته بأمر يهمّه، سواء في ذلك أن يقول الموصي لوصيّهِ:
أُوصيك أن تفعل كذا وكذا من بعدي، أو يقول: أعهد إليك أن تفعل كذا
وكذا من بعدي، وكذلك الشأن في إخباره الاخرين الوصيّة، فإنّه سواء
في ذلك أن يقول: فلان وصيِّي من بعدي، أو يقول: فلان يقوم بعدي بعمل
كذا وكذا، وما شابهها من الالفاظ الدالّة على الوصيّة.
ووصّي النبيّ: هو الانسان الذي يعهد إليه النبيّ بأمر شريعته وأُمته
من بعده(2).
وممّا بلغنا من أخبار الاوصياء من الانبياء ما رواه الطبري عن ابن
عباسَ وقال ما موجزه:
ولدت
حوّاء لادم هبة اللّه واسمه بالعبرانية: شيث، وإليه أوصى آدم.
وولد
لشيث أنوش، ولمّا مرض أوصى لابنه أنوش ومات.
ثمّ
ولد لانوش ابنه قينان ونفر كثير، وإليه الوصيّة.
وولد
قينان مهلائيل اليرد ونفرا معه، وإليه الوصيّة.
فولد
يرد أخنوخ، وهو أدريس ونفرا معه، وإليه الوصيّة.
فولد
أخنوخ متوشَلخ ونفرا معه، وإليه الوصيّة.
وروى
ابن سعد في ذكر ادريس النبيّ (ع) بسنده عن ابن عبّاس، وقال:
أوّل
نبّي بعث بعد آدم إدريس وهو خنوخ بن يرد... فولد خنوخ متوشلخ ونفرا
معه، وإليه الوصيَّة. فولد متوشلخ لملك ونفرا معه، وإليه الوصيَّة،
فولد لمك نوحا(3).
وروى
المسعودي في أخبار الزمان وقال ما موجزه:
ولمّا أراد اللّه سبحانه وتعالى أن يتوفى في آدم أمره أن يسند وصيته
إلى ابنه شيث ويعلِّمه جميع العلوم التي عُلِّم بها ففعل.
وقال:
وأوصى (شيث) إلى ابنه قينان، وقد كان علَّمه الصحف وبيَّن له قسمة
الارض، وما يكون فيها، وأمره بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والحج،
وبجهاد ولد قابيل. ففعل ما أمره به أبوه، ومات قينان وله سبعمائة سنة
وعشرون سنة.
وأوصى إلى ابنه مهلايل ووصّاه بما أوصاه به، وكان عمر مهلايل
ثمانمائة سنة وخمسة وسبعين سنة.
وأوصى إلى ابنه بوارد وعلَّمه الصحف وعلّمه قسمة الارض، وما يحدث في
العالم، ودفع إليه كتاب سرِّ الملكوت الذي علَّمه مهلاييل(4)
الملك لادم 8، وكانوا يتوارثونه مختوما لا ينظرون فيه.
وولد
لبوارد ابنه خنوخ، وهو ادريس النبي (ع) ونبّأه اللّه تعالى وسمي
إدريس لكثرة درسه لكتاب اللّه عزّ وجلّ، وسنن الدين، وأنزل اللّه
سبحانه وتعالى عليه ثلاثين صحيفة فكملت الصحف المنزّلة يومئذ ثلاثين
صحيفة، وعهد بوارد إلى خنوخ ورفع إليه وصيّة أبيه وعلّمه العلوم التي
كانت عنده ودفع اليه مصحف السرِّ فلم يدفعه بعد شيث غير ادريس 8.
أمّا
اليعقوبي فقد أورد أخبار الاوصياء بالتسلسل نفسه وبتفصيل أكثر من
الطبري وابن الاثير، وأورد أخبارا اُخَرَ عن أمر الوصيّة، وقال مثلا:
ولما
حضرت آدمَ الوفاةُ جاءه شيث ابنه وولده وولد ولده فصلّى عليهم ودعا
لهم بالبركة وجعل وصيّته إلى شيث.
وقال:
وقام
بعد موت آدم ابنه شيث وكان يأمر قومه بتقوى اللّه سبحانه والعمل
الصالح... إلى قوله: فلمّا حضرت وفاة شيث أتاه بنوه وبنو بنيه وهم
يومئذ أنوش وقينان ومهلائيل، ويرد، وأخنوخ، ونساؤهم وأبناؤهم، فصلَّى
عليهم ودعا لهم بالبركة، وتقدّم إليهم وحلَّفهم... ولا يختلطوا
بأولاد قابيل الملعون، وأوصى إلى أنوش أبنه.
وهكذا سلسل أخبار الوصيّة مع ذكر ما وقع في أيّامهم إلى قوله في خبر
وصيّة نوح:
ولمّا حضرت وفاة نوح إجتمع إليه بنوه الثلاثة: سام وحام ويافث وبنوهم
فأوصاهم، ثمّ ذكر تفصيل وصيّة نوح لسام، وكذلك ذكر تسلسل أخبار
الاوصياء وصيّا بعد نبي إلى آخر أنبياء بني إسرائيل وأوصيائهم، وقد
اكتفينا منها بما أوردناه موجزا إلى هنا(5).
وانتشر على عهد نوح عبادة الاصنام في ولد قابيل.
وأوصى إدريس إلى ابنه متوشلخ، لانّ اللّه أوحى إليه أن اجعل الوصيّة
في ابنك متوشلخ فاني سأخرج من ظهره نبيا يرتضي فعله. ورفع اللّه
إدريس (ع) إليه وانقطع الوحي بعده.
فكثر
الاختلاف بعده والتنازع وأشاع عليه ابليس أنّه هلك، وأنّه كان كاهنا
أراد الصعود إلى الفلك فأُحرق، وحزن عليه ولد آدم المتمسّكون بدينه
حزنا شديدا، وأظهر أنّ صنمهم الاكبر أهلكه فزادوا في عبادة الاصنام
وتحليتها والذبائح لها، وعملوا عيدا لم يبق أحد إلاّ حضره، وكانت لهم
يومئذ من الاصنام يغوث ويعوق ونسر(6) وود وسواع.
ولمّا حضرت متوشلخ الوفاة أوصى إلى ابنه لمك ومعنى لمك الجامع، وعهد
إليه أبوه ودفع إليه الصحف والكتب المختومة التي كانت لادريس (ع)،
وكان عمر متوشلخ تسعمائة سنة.
وانتقلت الوصيّة إلى لمك (وهو أبو نوح 8)، وقد كان رأى أنّ نارا خرجت
من فيه، فأحرقت العالم، ورأى وقتا آخر كأنّه على شجرة في وسط بحر لا
غير.
وكبر
نوح (ع) فنبّأه اللّه عزّ وجلّ وهو ابن خمسين سنة وأرسله إلى قومه
الذين كانوا يعبدون الاصنام، وهو من أهل العزم من الرسل.
وفي
بعض الاخبار أن عمره ألف ومائتان وخمسون سنة، وأنّه لبث في قومه
يدعوهم إلى الايمان ألف سنة إلاّ خمسين عاما كما قال اللّه تعالى،
وكانت شريعته التوحيد والصلاة والصيام والحج ومجاهدة أعداء اللّه من
ولد قابيل، وأمر بالحلال ونهى عن الحرام، وأُمر أن يدعو الناس إلى
اللّه تعالى، ويحذّرهم عذابه، ويذكِّرهم آلاءه.
وقال
المسعودي:
إنّ
اللّه جعل لسام بن نوح الرئاسة والكتب المنزلة من الانبياء، ووصيّة
نوح في ولده خاصّة دون إخوته(7).
إلى
هنا ينتهي الموجود بأيدينا اليوم من كتاب ((أخبار الزمان)) للمسعودي،
وكذلك سلسل المسعودي في كتاب ((اثبات الوصية))(8)
ذكر الاوصياء من آدم (ع) إلى النبي الخاتم (ص). هذا ما كان في مصادر
الدراسات الاسلامية عن الرسل وأوصيائهم.
ونرجع بعد ذلك إلى أخبار الرسل وأوصيائهم في كتب العهدين في ما يأتي:
2 راجع شرحه في ((معالم المدرستين)) الجزء الاول /
بحث مصطلح (الوصي).
3 راجع أخبار ما أوردنا في تاريخ الطبري، ط، أوروبا
1 / 153 ـ 165 و 166، وتاريخ ابن الاثير 1 / 19 ـ 20، في ذكر شيث بن
آدم، وطبقات ابن سعد، ط، 1 / 16، وذكر ابن كثير في تاريخه 1 / 98 خبر
وصية آدم لابنه شيث.
4 في نسخة: وابيل.
5 راجع تاريخ الانبياء في الجزء الاول من تاريخ
اليعقوبي.
6 في نسخة: ونسرا وودا وسواعا.
7 أخبار الزمان، للمسعودي، ط، بيروت 1386 هـ، ص: 75
ـ 102.
8 فصّلنا القول في نسبة الكتاب في الجزء الثاني من
هذا الكتاب، فصل: عصر الفترة، باب: أبوا النبي (ص).