تفسير الايات من الروايات
في
صحيح مسلم وغيره، واللّفظ لمسلم عن ابن عباس قال:
انطلقَ النبيّ (ص) في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل
بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب؛ فرجعت الشياطين
إلى قومهم فقالوا: مالكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأُرسلت
علينا الشهب فقالوا: ما حالَ بينكم وبين خبر السماء إلاّ شيء حدث،
فاضربوا مشارق الارض ومغاربها فانظروا ما الذي حالَ بينكم وبين خبر
السماء، فانصرف أُولئك الذين ذهبوا نحو تهامة إلى النبي (ص) وهو
بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلّي بأصحابه صلاة الفجر، فلمّا
سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا: هذا واللّه الذي حالَ بينكم وبين
خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا إنّا سمعنا
قرآنا عجبا يهدي إلى الرُّشد فآمنّا به، ولن نشرك بربّنا أحدا، فأنزل
اللّه على نبيّه: (قُلْ أُوحِيَ إِليَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفرٌ مِنَ
الجِنِّ)، وإنَّما أُوحي إليه قول الجنّ(47).
وفي
البحار عن تفسير علي بن إبراهيم القمّي في تفسير (يَاقَوْمَنا إِنّا
سَمِعْنا) من سورة الاحقاف قال:
وكان
سبب نزول هذه الاية، أنَّ رسول اللّه (ص) خرج من مكّة إلى سوق عكاظ
ومعه زيد بن حارثة، يدعو الناس إلى الاسلام، فلم يجبه أحد ولم يجد من
يقبله، ثّم رجع إلى مكّة، فلمّا بلغ موضعا يقال له: وادي مجنّة تهجّد
بالقرآن في جوف اللّيل، فمرّ به نفر من الجنّ، فلمّا سمعوا قراءة
رسول اللّه استمعوا له، فلمّا سمعموا قراءته قال بعضهم لبعض:
((أَنِصْتوا)) يعني اسكتوا.
((فلمّا قضى)) أي فرغ رسول اللّه (ص) من القراءة (وَلَّوْا إلى
قَومِهم مُنذِرينَ قالُوا ياقَومَنا إنّا سَمِعنا كِتابا اُنْزِلَ
مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدّقا لِما بين يَدَيهِ يَهديَ إلى الحَقِ وإلى
طَريقٍ مُستقيم، ياقومَنا أجيبوا داعِيَ اللّهِ وَآمِنوا بِه) إلى
قوله: (اُولِئك في ضَلالٍ مُبين) فجاءوا إلى رسول اللّه (ص) يطلبون
شرايع الاسلام فأسلموا وآمنوا، وعلّمهم رسول اللّه (ص) شرائع
الاسلام.
فأنزل اللّه على نبيّه: (قُل اُوحِيَ إليَّ أَنَّهُ استَمَعَ نَفَرٌ
مِنَ الجِنّ) السورة كلّها، فحكى اللّه قولهم وولّى رسول اللّه (ص)
عليهم منهم، الحديث(48).
نتيجة
البحث
إنّ
الجنّ كالانس في وصول كتب اللّه إليهم مثل التوراة والقرآن، وإن في
الجنّ ـ كما في الانس ـ من بلغ درجة المنذرين لاقوامهم، وإنّ هؤلاء
المنذرين أخبروا قومهم عن القرآن أنّه مصدِّقٌ لكتب اللّه السابقة ـ
بكل ما في كلمة المصدّق من معنىً يدلّ على صدق القرآن ـ وإنّ في
الجنّ مشركون باللّه الربّ كما في الانس، ويفهم من سياق الايات أنّ
الجنّ كانوا يعتقدون أنّ للّه ولدا كما يعتقد بعض الانس أنّ المسيح
هو ابن اللّه. وإنّ أفرادا من الجنّ كرجال من الانس يظنّون أن لن
يبعث اللّه أحدا، وليس بعد هذه الحياة حياة وحشر.
وخلاصة القول: إنّ الجنّ كالانس فيهم المسلمون المؤمنون بربّهم،
وفيهم الكافرون. أمّا المؤمنون بربّهم وبكلّ ما ذكرناه فإنهم هم
الفائزون يوم القيامة، وأمّا الكافرون فإنّهم سيعذّبون بنار جهنم
ويكونون لها حطبا.
وهكذا نجد أنّ الجنّ والانس يشتركان في العقائد ومنهما المشرك القائل
بأنّ للّه ولدا، ومنهما أعداء الانبياء، ومنهما الموسوس لغيره
لاغوائه، ومنهما المسلم المؤمن باللّه ورسله وكتبه، وأنّهما جميعا
يحشران ويحاسبان ويعذّبان. إن الصنفين يشتركان في كلّ ذلك، أمّا
كيفية عمل صنف الجنّ بالاحكام فلا بدَّ أن يكون بالنسبة لهم بما
يتناسب وفطرتهم التي فطرهم اللّه عليها.
إذا
فالاسلام هو دين اللّه وشريعته للانس والجنّ والذي بلغهما بواسطة
الرسل أصحاب الشرايع ومن جاء بعدهم من أوصيائهم، كما سنبيّنه في
البحث الاتي بحوله تعالى.
47 صحيح مسلم، كتاب الصّلاة، باب الجهر بالقراءة، ح
149، ص 331. وصحيح البخاري، كتاب التفسير، تفسير سورة الجنّ، 3 /
139.
48 البحار، 63 / 82، نقلا عن تفسير القمّي، ص 623 ـ
624.