ـ ز ـ‍ الانسان والنفس الامّارة بالسوء

 عرفنا ممّا سبق أنَّ في غير صنف أصحاب الهداية التسخيرية من ذوات الارواح من الخلق ما تخالف هداية الربّ الغريزية لها مثل الدجاجة التي تتناول غائط الانسان النجس بدل التقاط ما طاب من الحبّ والخضار فتُستبرأ بإطعامها ثلاثة أيّام ممّا طاب وطهر من الطعام.

والنحل التي تجرس من نَوْرِ الازهار ما يضرُّ عمل التعسيل في خلية النحل فتمزقها الحرس في مدخل الخلية حفظا لبقاء نوعها وإدامةً لحياتهم.

وكذلك شأن البشر فإنَّ فيهم من يخالف النظام الملائم لفطرة الانسان والذي هداه الربُّ إليه بواسطة الانبياء اتباعا لهوى نفسه. وبيان ذلك أنَّ اللّه تعالى فضّل الانسان على ذوات الارواح بمنحه النفس الانسانية التي لا يعرف أبعاد وجودها غير خالقها، وممّا امتازت بِه تلكم النفس؛ العقل الذي به يسخِّر الانسان جميع ما يراه من الخلق من الذرة إلى ما لا نعرف اليوم نهايته.

وقال سبحانه في وصف النفس في سورة الشمس:

(وَنَفسٍ وَما سَوّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَها وَتقْواها) (الايتان 7 ـ 8).

 شرح الكلمات

نَفْس:

جاءت النفس في اللّغة العربية لعدّة معانٍ منها:

أ ـ الروح التي بها الحياة، وإذا زايلت الجسم نزل به الموت، ويقال: خرجت نفس المحتضر.

ب ـ الشي‌ء ذاته وحقيقته ونفس الانسان والجن من هذا الباب.

ج ـ الشي‌ء عينه، ويقال في مقام التأكيد: جاءني محمد نفسه.

د ـ ما تقع موقع القلب. ويكون بها التمييز والادراك، والاحساس لما يحيط به، وتفارقه في النوم وعندما يغيب وعيه، وهي التي توجهه إلى أفعال الخير والشرّ. ويقال: أمرتني نفسي وسوَّلت لي نفسي فعل السوء (46)، وهذا المعنى هو المراد من النفس في الاية الكريمة.

سَوّاها:

أتّم خلقها حتى بلغت درجة الكمال وتهيأت لقبول الهداية.

فَأَلهَمَها فُجُورَها وَتَقواها:

ألقى في النفس إحساسا تُفرِّق به بين الضلال والهدى. ويُعَبَّرُ عن ذلك في عصرنا بالضمير.

ومن صفات هذه النفس وأفعالها ما يشترك الانسان فيها مع صنف الحيوان من الحُبَّ والرضا، والرغبة والهوى، والكره والبغض والنفور، مضافا إليها ما ذكرناه من العقل الذي يميّز به الخير من الشرّ، والخبيث من الطيِّب.

ويثاب الانسان إذا اتَّبع إرشاد عقله وترك الشرور والخبائث، ويعاقب إذا خالف حكم العقل واتَّبع هوى نفسه، كما قال اللّه سبحانه وتعالى في سورة النازعات:

(وَأَمّا مَن خافَ مَقامَ رَبَّهِ وَنَهى النَّفسَ عَنِ الهَوى* فإنَّ الجنَّةَ هِيَ المَأوى) (الايتان 40 ـ 41).

وفي سورة مريم وصف قوما وقال جلَّ اسمه:

(أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبعُوا الشَّهَواتِ) (الاية 59).

وكما أنّ في داخل النفس الانسانية قوَّتين متكافئتين من دوافع الخير ونوازع الشرّ، فكذلك جعل اللّه للانسان من خارج نفسه فريقين:

فريقا يدعونه إلى الهدى وترك هوى النفس، وهم الانبياء وأتباعهم.

وفريقا يدعونه إلى الضلال ومتابعة هوى النفس، وهم شياطين الجنّ والانس.

ولا سلطان لايٍّ من الفريقين على الانسان، وإنَّما يُزيّن للانسان كلّ فريق ما هو أهله من الضلال والهدى، كما أخبر سبحانه في سورة الحجر عن الشيطان أنّه قال عندما طرده من الجنّة:

(رَبَّ بِما أغوَيتَني لاُزَيّنَنَّ لهم في الارض...) (الاية 39).

وفي سورة إبراهيم أخبر عن خطابه لمن تبعه يوم القيامة وقال سبحانه:

(وَقالَ الشَّيطانُ لَمّا قُضِيَ الامرُ إنَّ اللّهَ وَعَدَكمُ وَعْدَ الحَقِّ وَوَعَدْتُكُم فَأَخلَفتُكُم وَما كانَ لي علَيكُم مِن سُلطانٍ إلاّ أَن دَعَوتُكُم فَاستَجَبْتُم لي فَلا تَلُومُوني وَلُومُوا أَنفُسَكُم...) (الاية 22).

وكذلك شأن الانبياء مع الناس كما قال سبحانه في خطابه لخاتم أنبيائه (ص) في سورة الغاشية:

(فَذَكِّر إنَّما أَنتَ مُذَكّرِ* لَستَ عَلَيْهِمِ بِمُسَيطِر) (الايتان 21 ـ 22).

وقال سبحانه وتعالى في سورة البلد:

(وَهَدَيناهُ النَّجدَين) (الاية 10).

أي: طريقي الخير والشر.

وقال سبحانه في سورة الانسان:

(إنّا هَدَيناهُ السَّبيلَ إِمّا شاكِرَا وَإِما كِفُورا) (الاية 3).

وقال عزَّ وجلَّ في سورة البقرة:

(لا إِكراهَ في الدِّين قَد تَبَيَّنَ الرُّشدُ مِنَ الغَيِّ فَمَن يَكفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيُؤمِنْ بِاللّهِ فَقَد استَمسَكَ بِالعُروَة الوُثقى لا انفِصامَ لها وَاللّهُ سَميعٌ عَليم* أللّهُ وَليُّ الّذينَ آمَنوا يُخرجُهُم مِنَ الظُّلماتِ إلى النُّورِ وَالّذينَ كَفَرُوا أَولياؤُهُمُ الطاغُوت يُخرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالدون) (الايتان 256 ـ 257).

ومن ثَم يكون الانسان مسؤولا عن عمله كما قال سبحانه وتعالى في سورة الزّلزلة:

(فَمَن يَعمَلْ مِثقال ذَرَّةٍ خيرا يَرَه* وَمَن يَعمَلْ مثقال ذَرَّةٍ شَرّا يَرَه) (الايتان 7 ـ 8).

***

 كان ذلكم ما اخبر اللّه عن الانس ويشاركهم الجن في ذلك كما مر بنا الاشارة إليه في بحث اصناف الخلق، وتفصيله كالاتي بيانه باذنه تعالى:


46 راجع مادة: (نفس) في مفردات الراغب ومعجم الفاظ القرآن الكريم، وقد قسّم المعنى الرابع إلى ثلاثة أقسام ورأيناها واحدة كما ذكرناها.