ـ و ـ
تناسب
أحكامِهِ مع فطرة الانسان
الاسلام
من القرآن الكريم:
قال
سبحانه وتعالى في سورة الروم:
(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنيفا فِطرَةَ اللّهِ الّتي فَطَرَ
النّاسَ عليها لا تَبدِيلَ لِخَلقِ اللّهِ ذلِكَ الدّينُ القَيِّمُ
وَلكِنَّ أكَثَرَ النّاسِ لا يَعلمُون) (الاية 30)
شرح
الكلمات
أ ـ
حَنِيفا
الحَنَفُ: الميل عن الضلال إلى الاستقامة، والجَنَفُ: الميل عن
الاستقامة إلى الضلال، والحَنِيفُ: المائل عن الضلال إلى الحق.
والحنيفُ: المخلص الذي أسلمَ لامرِ اللّه فلم يلْتَوِ في شيء من
دينه.
ب ـ
فَطَرَ:
فطر
الامر: اخترعه، وفطر اللّه العالم: أوجده ابتداء.
وعلى
هذا يكون معنى الاية: إنّ اللّه بعد أن ذكر قبل هذه الاية أنواعا من
ضلال الضالّين عن طريق الاسلام، وأشار إلى صالح الاعمال، فرَّع على
ذلك وقال سبحانه وتعالى:
فأقم
وجهك للدين ـ والدين عند اللّه الاسلام ـ مائلا عن الضلالة إلى
الاعتدال الذي هو الحق، وإنّ إقامة الوجه إلى دين الاسلام هي مقتضى
فطرة الانسان التي فطره اللّه عليها، ولا تبديل لفطرة اللّه، ولذلك
لا تبديل لدينه المتناسب مع فطرة الانسان، والاتساق مع الفطرة هو
الدين القيمِّ ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون.
وشأن
جميع ذوات الارواح شأن الانسان في ذلك، فإنَّ النحلة ـ مثلا ـ
بفطرتها وهدايتها الغريزية التي أوجدها اللّه في تكوينها تجرسُ من
أنوار الزهر ما هو صالح للتعسيل، وأحيانا تخالف فطرتها وهدايتها
وتجرس مالا يصلح للتعسيل ويضرُّ بصالح الخليَّة فيتقدّم إليها حرس
الخليَّة ويقطّعونها إربا.
والدجاجة بفطرتها والهداية الغريزية التي أوجدها اللّه فيها تلتقط ما
طاب من الحبّ والخضار، وإذا خالفت الهداية الربوبية الغريزية لها
وتناولت الغائط النجس شرعا سمّيت: بالجلاّلة، وتتنجس، ولا يؤكل لحمها
حتى تتناول الحبَّ الطَّيِبَ ثلاثةَ أيام.
وحكم
الربّ بالنسبة إلى جميع الخلق واحد يهديهم إلى القيام بالعمل النافع
لهم والاجتناب عن العمل الضّارِّ لكيانهم، وبالنسبة إلى الانسان قال
تعالى في سورة المائدة:
(يَسْألونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُم قُلْ أُحِلَّ لَكُم الطيِّباتِ...)
(الاية 4).
وقال
تعالى في سورة الاعراف:
(الّذينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسولَ النَّبِيَّ الاُمِّيَّ الَّذي
يَجدُونَهُ مَكتوبا عندهم في التَّوراةِ والانجيلِ يَأمرهم
بِالمعروفِ وَيَنهاهم عَنِ المُنكَرِ وَيُحِلُّ لهم الطَّيِبّاتِ
وَيُحرِّمُ عليهِمُ الخَبائث) (الاية 157).
وملاك الامر في الاحكام الاسلامية: النفع والضرر للانسان، وإنَّما
حَرَّمَ الخبائث لانها ضارَّة له، وأحلَّ الطيبات لانَّها نافعة له.
ويؤيّد ذلك قوله تعالى في سورة الرعد:
(فَأَمّا الزَّبَدُ فَيَذهَبُ جُفاء وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ
فَيَمكُثُ في الارض) (الاية 17).
وقوله تعالى في سورة الحج:
(وَأَذَّنْ في النَّاسِ بِالحَجِّ يَأتُوكَ رِجالا وَعلى كُلّ ضامِرٍ
يَأتَِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَميق* لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لهم...)
(الايتان 27 ـ 28).
وقال
قبله وفي السورة نفسها:
(يَدعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لا يضُرُّهُ وَمَا لا يَنفَعُهُ ذَلِكَ
هُوَ الضَّلالُ البَعيد* يَدعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقَربُ مِن نَفعِه..)
(الايتان 12 ـ 13).
وحرَّم اللّه الربُّ ما فيه نفع للانسان وضرر، ولكنَّ ضرره أكبر، كما
قال سبحانه في سورة البقرة:
(يَسأَلُونَكَ عَنِ الخَمرِ وَالمَيسِرِ قُل فِيهما إثمٌ كبيرٌ
وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَإثمُهُما أَكبَرُ مِن نَفعِهِما) (الاية 219).
وتتّسع دائرة النفع والضرر وتتسع تبعا لها دائرة الحلال والحرام
للمخلوق بأتساع أبعاد وجوده، والانسان أوسع الملخوقات في أبعاد
وجوده، فكانت الحكمة تقتضي مراعاة النفع والضرر له في أبعاد وجوده.
فإنّ الانسان الذي له جسد تضرّ جسده أشياء وتنفعه أشياء، ولذلك فقد
أَحَلَّ اللّه للانسان ما ينفع جسده مثل أكل الطيِّبات، وحرَّم عليه
ما يضرُّ جسده مثل أكل الخبائث.
وأمثال هذه الاحكام للانسان بمفرده، سواء أعاش وحده في كهوف الجبال
وأدغال الغابات أم عاش في المجتمعات الانسانية، أم
عاش
على كوكب آخر غير الارض.
وبما
أنَّ اللّه قد جعل كمال حياة الانسان في الحياة الاجتماعية لذلك فقد
أحلَّ اللّه للانسان ـ أيضا ـ ما ينفع المجتمع مثل التجارة، وحرَّم
عليه ما يضرُّ المجتمع مثل الرَّبا والقمار.
ولما
كانت له نفس ـ وتهذيب النفس من ضرورات الحياة ـ فقد فرض عليه الحجّ
لما فيه من تهذيب النفس ومشاهدة منافع اُخرى، وحرَّم عليه ما يضرّ
المجتمع وأرشده إلى ما فيه نفع المجتمع.
وقال
تعالى في سورة الحجرات:
(إنّما المؤمِنونَ إخوَةٌ فَأَصلِحُوا بين أَخَوَيكُم...* يا أيُّها
الّذينَ آمنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِن قَومٍ عَسى أن يَكُونُوا خَيرا
مِنهم وَلا نِساء مِن نِساء عَسى أن يَكُنَّ خيرا مِنهنَّ ولا
تَلمِزُوا أَنفُسَكم وَلاَ تَنابَزُوا بالالقاب بئسَ الاسمُ
الفُسُوقُ بعد الايمانِ وَمَن لَمْ يَتُب فَأُولئِكَ هُمُ
الظّالِمون* يَا أيُّها الَّذينَ آمَنوا اجتَنبِوا كَثيرا مِنَ
الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغتَبْ
بَعضُكُمْ بَعضا أيُحِبُّ أَحَدُكُم أَن يَأكُلَ لَحمَ أَخيهِ مَيْتا
فَكَرِهتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللّهَ إنّ اللّهَ توّابٌ رَحيم) (الاية
10 ـ 12).
وكذلك شأن التشريع الاسلامي فإنّه متناسب مع فطرة الانسان في كلّ
زمان ومكان. لذلك نجد في القرآن الكريم أنّ اللّه تبارك وتعالى قد
فرض الصلاة والصوم والزكاة على الاُمم السابقة كما فرضها علينا، وحكى
سبحانه وتعالى في هذا الشان عن إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب وقال في
سورة الانبياء:
(وَجَعَلنَاهم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنا وَأَوحَينَا إليهم فِعلَ
الخَيرَاتِ وَإقامَ الصَّلاةِ وَإيتاء الزَّكاة...) (الاية 73).
وحكى
في سورة مريم عن عيسى (ع) أنّه قال:
(وَأوصاني بالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ مادُمتُ حَيّا) (الاية 31).
وَقالَ عن إسماعيلَ صادِق الوَعْد في سورة مَرْيَمَ كذلك أنّه (ع):
(كانَ يَأمُرُ أَهلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبّهِ
مَرضِيّا) (الاية 55).
وأمَرَنا اللّهُ تعالى بالصوم، فقال في سورة البقرة:
(يَا
أيُّهَا الَّذينَ آمنُوا كُتِبَ عليكم الصِّيامُ كَما كُتِبَ على
الّذينَ مِن قَبِلكُم لعلَّكم تَتَّقُونَ) (الاية 183).
وَنهانا عن الرِّبا كما نهى الاُمم السابقة عنه، وأخبر عن بني
إسرائيل في سورة النساء وقال:
(وَأخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نهُوُا عنه...) (الاية 161).
وكتب
علينا في القصاص ما كتبه على من كان قبلنا كما أخبر سبحانه في سورة
المائدة عن التوراة وقال:
(إنّا أَنزَلْنا التَّوراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحكُمُ بِها
النَّبِيُّونَ الَّذينَ أَسلَموا لِلّذينَ هادُوا...* وَكَتَبنا
عليهم فِيها أنَّ النَّفسَ بِالنَّفسِ وَالعَينَ بِالعَينِ وَالانفَ
بِالانفِ وَالاُذُنَ بِالاُذُنِ وَالِسّنّ بِالِسّنِّ وَالجُرُوحَ
قِصاص... ...) (الاية 45).
وعندما قال سبحانه وتعالى في سورة البقرة:
(وَالوالِداتُ يُرضِعْنَ أولادَهُنَّ حَولَين كامِلَينِ لَمِن أَرادَ
أَن يُتِمَّ الرَّضاعة...) (الاية 233).
جعل
ذلك نظاما للانسان الطفل منذ أوّل مولود ولد لادم وحوّاء، ولكلّ طفل
يولد بعده على أيِّ أرض كان، لا يختصّ بشريعة دون اُخرى، لانّ هذا
النظام متناسب مع فِطْرَةِ اللّهِ الّتي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا لا
تَبْديلَ لِخَلْقِ اللّه، ولذلك لا تبديل لدين اللّه، ذلك الدين
القيّم ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون.
وإذا
كان الامر كذلك فلماذا يخالف الانسان أحكام اللّه المتناسبة مع
فطرته؟ هذا ما سندرسه في البحث الاتي إن شاء اللّه تعالى.