رابعا: التعليم بالوحي بواسطة الرسل لصنفي الانس والجنّ

 مصداقا لقوله تعالى:(خَلَقَ فَسَوّى) و(قَدَّرَ فَهدى) في سورة الاعلى.

أوّلا ـ الانسان: خلق اللّه ربّ العالمين الانسان وقدّر حياته وجعل في طبعه هوى النفس في ما تشتهيه نفسه ومنحه العقل الذي يميّز به ما يضرّه وما ينفعه (39).

وهيأه لقبول الهداية بوسيلتين:

أ ـ النطق باللّسان كما قال سبحانه في سورة الرَّحمن:

(خَلَقَ الانسان* عَلَّمهُ البَيان) (الايتان 3 و4).

حيث ألهم الانسان النطق باللّسان والتفاهم بعضه مع بعض.

ب ـ القراءة والكتابة ونقل الافكار من انسان إلى آخر ومن جيل إلى أجيال متعاقبة، كما قال سبحانه في سورة العلق:

(إقرَأ وَربُّكَ الاكرَمُ* الّذي علَّمَ بِالقلمِ* علّمَّ الانسانَ مَالم يَعلَم) (الايتان 3 و4).

ثمّ شرّع اللّه سبحانه نظاما لحياة الانسان متناسبا وفطرته كما قال سبحانه في سورة الروم:

(فَأقِم وَجهكَ للدِّينِ حَنِفا فِطرَةَ اللّهِِ الّتي فطَرَ النّاس عَليْها) (الاية 30).

وهدى اللّه الانسان إلى ذلك الدين المتناسب مع فطرته بواسطة إنزال الوحي إلى رسله كما قال سبحانه:

أ ـ في سورة النساء:

(إنّا أَوحينا إليكَ كَما أوحينا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعدِه...) (الاية 163).

ب ـ في سورة الشورى:

(شَرَعَ لَكُم مِنَ الّدينِ ما وَصّى بِهِ نُوحا والَّذِي أوحَينا إليكَ وَما وَصَّينا بهِ إبراهيمَ وَمُوسى وَعيسى أن أقيموا الدِّين...) (الاية 13).

وسمّى اللّه سبحانه الدِّين الّذي أوحى به إلى الرسل بدين الاسلام كما قال سبحانه في سورة آل عمران:

(إِنَّ الدِّين عِندَ اللّهِ الاسلام) (الاية 19).

ثانيا ـ الجان: خلق الجانّ وقدّر حياته مثل حياة الانسان حين جعل في طبعه هوى النفس إلى ما تشتهيه نفسه ومنحه إدراك ما يضرّه عمّا ينفعه.

كما أخبرنا عن حال ابليس الذي كان من الجنّ في سورة الكهف وقال:

(وَإذ قُلنا لِلملائكةِ اسجُدوا لادمَ فَسجَدوا إلاّ إبليسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفسقَ عَن أَمرِ رَبِّه...) (الاية 50).

وفصّل القول سبحانه وتعالى في أمر إبليس هذا في سورة الاعراف وقال جلّ اسمه:

(وَلَقَد خَلَقناكُم ثُمَّ صَوَّرناكُم ثُمّ قُلنا لِلملائكةِ اسجُدوا لادمَ فَسَجدوا إلاّ إبليسَ لَم يَكُن مِنَ السّاجدين* قالَ ما مَنعكَ ألاّ تَسجدَ إذ أَمَرتكَ قالَ أنا خَيرٌ مِنهُ خَلَقتنِي مِن نارٍ وَخَلَقتَهُ مِن طين* قالَ فَاهْبط مِنها فَما يَكونُ لَك ان تَتكبَّرَ فيها فَاخرُج إنَّكَ مِنَ الصّاغِرين* قالَ أنْظِرني إلى يَومِ يُبعَثُون* قالَ إنَّكَ مِنَ المُنظَرين* قالَ فَبِما اغْوَيتَني لاَقْعُدَنّ لَهم صِراطَكَ المُستَقيم* ثُمَّ لاتِيَنَّهم مِن بَينِ أَيديهِم وَمِن خَلفهم وَعَن أَيمانِهِم وَعَن شَمائِلهم وَلا تَجدُ أَكثَرَهم شاكرين* قال اخْرُجْ مِنها مَذْءوما مَدحورا لَمَن تَبِعكَ مِنهُم لاملانَّ جَهنَم مِنكُم أَجمَعين) (الايات 11 ـ‍ 18).

إنّ هوى النفس في هذا الجنّي المتمرّد على اللّه العزيز الجبّار أعظم من هوى نفس كلّ ذي هوى نفس.

وأيضا أخبر اللّه تعالى في سورة الجنّ عن وجود هوى النفس في عامّة الجنّ حيث ذكر جلّ اسمه انّ الجنّ قد بلغوا في متابعتهم لهوى النفس أن يقعدوا من الملائكة مقاعد يسترقون سمع حديثهم، ولم يتركوا فعلهم الشائن حتّى بعث خاتم الانبياء (ص)، ورماهم اللّه بالشهب الحارقة لهم، وفي الحديث أنّهم كانوا ينقلون ما يسمعون من الملائكة إلى الكهنة ويزيدون عليه من أكاذيبهم بغيا وطيشا منهم وايذاء منهم لاولاد آدم (ع).

وأخبر اللّه عن ذلك ـ أيضا ـ في سورة الجنّ في قوله تعالى: (فزادوهم رهقا) وأخبر عن مشاركة الجنّ للانس في متابعة هوى النفس وفي قولهم البعيد عن الحقّ على اللّه وأنّ منهم المسلمين وغير المسلمين.

وأخبر في سورة الاحقاف أنّ نفرا منهم حضروا تلاوة ـ الرسول ـ القرآن فذهبوا إلى قومهم منذرين وأخبروهم أنّ اللّه أنزل كتابا بعد موسى (ع) ـ وهو القرآن ـ وطلبوا من قومهم أن يؤمنوا به، وكذلك أخبر في سورة الجنّ عن مشاركة بعض الجن مع بعض الانس في الظنّ بأنّ اللّه لن يبعث أحدا يوم القيامة.

ومن كل ذلك نستنتج وجود حاسّة العقل والادراك الكامل في الجنّ كما هو في الانسان، ودركهم لغة الانسان واشتراكهم مع الانسان في خاصّة التعلّم بالمكالمة كما نفهم ذلك بصورة أجلى في ما حكى اللّه عن مكالمتهم مع سليمان في سورة النمل في الايتين (17 و39).

هكذا يشترك الصنفان في جميع مجالات قوى النفس كما يشتركان ـ أيضا ـ في مجالات العمل، كما أخبر اللّه سبحانه في سورة سبأ: أنّ الجنّ كانوا (يعملون له ـ لسليمان ـ ما يَشاء مِن مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وِجِفانٍ كَالجَوابِ وَقُدورٍ راسيات...) (الايتان 12 ـ 13).

وقال في سورة الانبياء:

(وَمِنَ الشّياطينِ مَن يَغُوصونَ لَهُ وَيَعملونَ عَمَلا دونَ ذلِك...) (الاية 82).

وأشركهما في الهداية بدين الاسلام وإرسال الرسل إليهما، مبشّرين ومنذرين ومعلّمين، ليؤمنوا باللّه وحده لا يشركون به أحدا، وبرسله وكتبه وملائكته والبعث ويوم القيامة وما يتبعه من مشاهد يوم القيامة.

أمّا الاحكام فما كان منها في الاداب الاجتماعية مثل مساعدة الضعفاء والمحتاجين من المؤمنين وترك أذى الاخرين وما شابههما فهما يشتركان فيهما، أمّا العبادات من صلاةٍ وصومٍ وحجٍ فلا بدّ أن تكون للجنّ بحسب حالهم كما أنّ بني آدم يختلف بعضهم عن بعضهم الاخر في الاحكام، مثل اختلاف أحكام الرجل عن المرأة والمريض عن المعافى والمسافر عن المقيم إلى غير ذلك. 

نتيجة البحوث

خلق اللّه الملائكة جنودا له في الاُلوهية والرّبوبية كما أخبر عن ذلك في الايات التي ورد فيها ذكر الملائكة (40)، ومن ثمّ خلقهم جلّ اسمه قبل غيرهم وكانوا حملة عرشه حين كان عرشه على الماء (41)، كما قال سبحانه في سورة هود:

(وَهُوَ الّذي خَلَقَ السَّمواتِ وَالارضَ في ستَّةِ أيّامٍ وَكانَ عَرشهُ على الماء...) (الاية 7).

وخلق اللّه سبحانه السموات وما فيها وما عليها مّما نعلم من الملائكة ومّما لا نعلم، وما تحتها مّما نعلم من كواكب ونجوم وشموس وأقمار وبروج ومّما لا نعلم، وخلق الارض وما عليها وما فيها من مياه ونبات ومعادن من مرافق الحياة وما بين السموات والارض من غازات وغيرها مّما نعلم ومّما لا نعلم، كلّ ذلك مّما تحتاجه الاصناف الثلاثة، الحيوان، والجنّ، والانس في حياتهم، ثمّ خلق الحيوان قبل خلق صنفي الجنّ والانس لحاجتهما في حياتهما إليه، ثمّ خلق الجانّ قبل الانسان كما أخبر سبحانه في خبر خلق آدم (ع) أنّه أمر الملائكة ـ الذين كان إبليس الجنّي منهم ـ أن يسجدوا لادم بعد خلقه، ثمّ خلق الانسان بعد خلق جميع الاصناف من خلقه. كان ذلكم خبر خلق الاصناف الاربعة من خلق اللّه سبحانه كما استنبطناه من آيات القرآن الكريم والروايات، وكما تقتضيه حاجة المتأخّر خلقه إلى وجود الصنف المتقدّم عليه في الحياة، أمّا أنواع هدايتهم فلّما كان اللّه ربّ العالمين منح الملائكة والانس والجنّ العقل والادراك كان نوع هدايتهم بالتعليم المباشر وغير المباشر كما أخبر سبحانه عن الملائكة أنّهم قالوا في خبر خلق آدم (ع):

(سُبحانكَ لا عِلمَ لَنا إلاّ ما علَّمتَنا).

وأخبر عن صنف الانسان أنّه سبحانه: (علَّمَ آدمَ الاسماء كُلَّها) وانّه: (علَّمَ الانسانَ مالَم يَعلَم).

وأخبر عن صنف الجنّ في ما حكى عنهم أنّهم تعلموا القرآن واهتدوا به عندما سمعوا تلاوة الرسول (ص) للقرآن.

ولمّا كان سبحانه منح صنف الحيوان ومطلق الدوابّ شيئا من الادراك كان نوع هدايتها بالالهام الغريزي لكلّ فرد منها.

ولّما كان سائر الخلق ما عدا المذكورين من الكواكب والنجوم حتى الذرّة لم يمنحهم اللّه شيئا من الحياة والادراك كانت هدايته لهم

بالتسخير، كما فَصل بيان كلّ ذلك في كتابه الكريم، وسمّى النظام الذي شرّعه لهداية الانسان بدين الاسلام، كما سندرسه بإذنه تعالى في البحوث الاتية.


39 إنّما خصّصنا بالذّكر غريزة هوى النفس وحاسّة الادراك والعقل في الانسان، لمشاركة الجنّ إيّاه فيهما، وهما لوجود هوى النفس فيهما بحاجة إلى مذكّرين يذكّرونهما اللّه ومبشّرين ومنذرين من الرسل والاوصياء.

40 راجع مادّة (ملك) من المعجم المفهرس للقرآن الكريم.

41 المقصود من العرش محلّ جنود اللّه من الملائكة العاملة لالوهيّة اللّه وربوبيته وأنّه كان محلهم قبل خلق السموات والارض على الماء.