ثالثا ـ الالهام الغريزي لصنف كلِّ ذي روح حيواني وان اللّه سبحانه سخر جميعها لمنفعة الانسان:

قال اللّه سبحانه:

أ ـ في سورة النحل:

(وَالانعامَ خَلَقَها لَكُم فيها دِف‌ء وَمنافِعٌ وَمِنها تَأكُلونَ* وَلَكُم فِيها جَمالٌ حِينَ تُريحونَ وَحينَ تَسْرَحون* وَتَحملُ أَثقالَكُم إلى بَلَدٍ لَم تَكونوا بالِغيه إلاّ بِشقِّ الانفسِ إنَّ رَبَّكُم لَرَؤوفٌ رَحيم* وَالخَيلَ وَالبِغالَ وَالحَميرَ لِتَركَبوها وَزينةً وَيَخلُقُ ما لا تَعلَمون) (الايات 5 ـ 8).

إلى قوله تعالى:

(وَانَّ لَكُمْ في الانعَامِ لَعِبرَةً نُسْقِيكُم ممَّا في بُطُونِهِ مِنْ بَينِ فَرثٍ وَدَمٍ لبَنا خَالِصا سَائِغا لّلشَّارِبِينَ) (الاية 66).

(وَأَوحى ربُّكَ إلى النَّحلِ أَن اتّخذِي مِنَ الجِبالِ بُيوتا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمّا يَعرشون* ثُمَّ كُلي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسلُكي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا يَخرُجُ مِن بُطونِها شَرابٌ مُختَلفٌ أَلوانُه فيهِ شِفاء لِلنّاسِ إنَّ في ذلكَ لايَةً لِقَومٍ يَتَفَكَّرون) (الايتان 68 و69).

ب ـ في سورة النور:

(وَاللّهُ خَلقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماء فَمِنهُم مَن يَمشي على بَطنهِ وَمِنهُم مَن يَمشي على رِجلَينِ وَمِنهُم مَن يَمشي على أربَعٍ يَخلقُ اللّهُ ما يَشاء إنَّ اللّهَ على كُلِّ شَي‌ء قَديرُ) (الاية 45).

ج ـ في سورة الانعام:

(وَما مِن دابَّةٍ في الارضِ وَلا طائرٍ يَطيرُ بِجَناحَيهِ إلاّ أُمَمٌ أَمثالُكُم ما فَرَّطنا في الكِتابِ مِن شي‌ء ثُمَّ إلى رَبِّهم يُحشَرون) (الاية 38). 

شرح الكلمات:

أ ـ فرثٍ:

الفرث: ما في الكرش.

ب ـ أوحى اللّه إلى الحيوان شيئا: الهمه إياه وهداه لما يصدر عنه من فعل فيه حياته وصلاحه وقد يكون فيه دقة وحذق  وصدور الفعل من هذا الصنف من الخلق قريب من صدور العمل تسخيريّا من الصنف المسخر.

ج ـ يَعْرُشُون:

عَرشَ الكَرْم: رفع أغصانه على الخشب، والبيت سَقَّفَه.

د ـ ذُلُلا:

ذُلُلا: منقادة، غير متصعّبة.

 نتيجة البحث

شرّع اللّه لكلّ نوع ممّا خَلقَ تحت السماء الدنيا في الجوّ وعلى الارض وفي جوفها وفي البحر ممّا جعل لها حياةً وموتا ونفسا حيوانية دون العقل على اختلاف درجاتها في ما جعل لها، شرّع اللّه لكلّ نوع من ذلكم نظاما يتناسب وفطرته، وألهم كلّ فرد من ذلك النوع بالغريزة التي فطره عليها أن يسير في حياته وفق ذلك النظام وبَيَّن نوع هداية هذا الصنف من الخلق في ما أخبر تعالى عن حياة النّحل في قوله تعالى:

(وأوحى ربُّك إلى النَّحل أن اتّخذي من الجبالِ بيوتا ومن الشَّجرِ وممّا يعرِشون* ثمّ كُلي من كلِّ الثَّمرات فاسْلكي سُبل ربّك ذُلُلا يخرج من بطونِها شرابٌ مختلفٌ ألوانهُ فيهِ شفاء للنّاسِ إنّ في ذلك لاية لقوم يتفكَّرون) (الايتان 68 ـ 69).

إذا فأنَّ كل ما يصدر من النَّحل من فِعْلٍ فيه حَذَقٌ ودقَّة وحكمة انما هو بإلهام من ربِّنا ربِّ العالمين، وفي هذا البيان مثالٌ توضيحيُّ لنوع الهداية لهذا الصنف من المخلوق الذي سبق ذِكْرُ الانعام فيه في الايات (5 ـ 8) وما في خلقها ونظام حياتها من حكمة ونفع، وفي التعبير بـ‍ (أوحى ربُّك) ايحاء بأنّ ربّ النحل الذي هداهُ أن يسير في حياته وفقا لما قدر لحياته من نظام متناسب وفطرته؛ هو ربّنا الذي شرع لنا نظاما يتناسب وفطرتنا التي فطرنا عليها بحكمةٍ واتقان، كالاتي بيانه: