أنواعُ هِدايَةِ رَبَّ العالمينَ
لاِصنافِ الخَلْق
1
ـ التعليم للملائكة.
2 ـ
التسخير لما خلق لمصلحة الانسان من غير صنف الحيوان.
3 ـ
الالهام الغريزي للحيوان ممّا خلق لمصلحة الانسان.
4 ـ
الوحي بالاسلام للانس والجِنّ.
في
بحث أنواع الهداية لاصناف الخلق نورد البحث عنهم حسب عصور بدء خلقهم،
ولما كانت الملائكة هي جنود اللّه في الخلق، وحملة عرشه في الربوبية،
خلقهم قبل غيرهم، ثمّ خلق الزمان والمكان، السماء والارض وما فيهما
مما يحتاجه الاحياء من المخلوقات، من مياه ونبات وسائر مرافق الحياة،
ثمّ خلق الجانّ والحيوان وخلق الانسان بعد خلق كلّ ما يحتاجه في
حياته، وفي ما يأتي تفصيل أنواع هداية ربّ العالمين لكلّ صنف منهم:
حسب الترتيب الاتي:
أوّلا ـ التعليم المباشر لصنف الملائكة:
قال
اللّه سبحانه وتعالى في شأنهم:
(وِإذ قالَ رَبّكَ لِلملائِكةِ إنّي جاعِلٌ في الارضِ خَليفَةً قالوا
أَتَجعلُ فيها مَن يُفسدُ فيها وَيَسفِكُ الدِّماء وَنَحنُ نُسبِّحُ
بِحمدكَ وَنُقدِّسُ لَك قالَ إنِّي أعلمُ مالا تَعلَمون* وَعلَّمَ
آدمَ الاسماء كُلَّها ثُمَّ عَرَضهم على الملائكةِ فَقالَ أَنبِئوني
بِأسماء هؤلاء إن كُنتُم صادِقين* قالوا سُبحانكِ لا عِلمَ لَنا إلاّ
ما عَلّمْتَنا إنَّك أَنتَ العَليمُ الَحكيم* قالَ يا آدمُ أَنبِئهُم
بِأسمائِهم فَلَمّا أَنبأهُم بِأسمائهم قالَ ألَم أَقُل لَكمْ إنّي
أَعلمُ غَيبَ السَّمواتِ والارض وَأَعلمُ ما تُبدونَ وَما كُنتُم
تَكتُمون* وَإذا قُلنا لِلملائكةِ اسجدوا لادمَ فَسجدوا إلاّإبليسَ
أَبى وَاستكبرَ وَكانَ مِنَ الكافرين) (البقرة 30 ـ 34).
شرح
الالفاظ
أوّلا ـ الخليفة: خليفة اللّه في الارض.
في
اللّغة: خلف، خلافة، وخليفة:
أ ـ
خلف:
خلف
زيد عمرا: جاء بعده أو قام بالامر بعده (34).
فالاول: مثل قوله تعالى:
(فَخَلفَ مِن بَعدهِمْ خَلْف...) (الاعراف 169).
والثاني: مثل قوله تعالى:
(وَقالَ موسى لاِخيهِ هارونَ اخْلُفني في قَومي وَأَصلح) (الاعراف
142).
ب ـ
الخلافة:
النيابة عن الغير، إمّا لغيبة عنه، وإمّا لموته وعجزه، وإمّا لتشريف
المستخلف.
ج ـ
الخليفة:
من
ناب عن الغير لموت المستخلف، وعجزه وغيبته، أو لتشريف المستخلف (35).
فالاول مثل قوله تعالى:
(وَاذكُروا إذ جَعَلكم خُلفاء مِن بَعدِ قُومِ نُوح) (الاعراف 69).
والثاني مثل قوله تعالى:
(يا
داوُدُ إنَّا جَعَلناكَ خَليفَةً في الارض) (ص 26).
وقول
رسول اللّه (ص):
((أللّهُمَّ ارْحَم خُلَفائي! أللّهُمَّ ارْحَمْ خُلَفائي! أللّهُمَ
ارْحَم خُلَفائي!
قيل
له: يا رسول اللّه من خلفاؤك؟
قال:
الّذينَ يَأتونَ مِن بَعدي يَروُونَ حَديثي وَسُنَّتي)) (36).
وبمراجعة الروايات نرى أنّ خليفة اللّه هو النبيّ أو وصيّ النبّي
الذي عيّنه اللّه لهداية الناس إلى شرائعه، كما سيأتي تفصيله في بحث:
مبلِّغون عن اللّه، إن شاء اللّه تعالى.
ثانيا ـ سَجَدَ:
سَجَدَ سُجُودا: خضع وتطامن، ويضاف إليه في الانسان وضع جبهته على
الارض.
فمن
الاوّل قوله تعالى:
(وَللّهِ يَسجدُ مَن في السَّمواتِ وَالارضِ طَوعا وَكرها وَظِلالُهم
بِالغُدُوِّ والاصال) (الرعد 15).
والثاني قوله تعالى:
(سِيماهُم في وجُوهِهم مِن أثَرِ السُّجود) (الفتح 29).
موجز
تفسير الايات
جعل
اللّه الايمان بالملائكة في عداد الايمان باللّه واليوم الاخر وكتبه
والنبيّين، وعداوتهم في عداد عداوتهم.
ووصفهم بأنهم عباده، وأنهم يسبّحون بحمد ربّهم، ويستغفرون لمن في
الارض ويفعلون ما يأمرهم اللّه.
ولم
يذكر اللّه ممّ خلق الملائكة ـ كما جاء في بعض الاحاديث أنّه خلقهم
من نور ـ (37)، وإنّما أخبر أنّه جعل لهم أجنحة:
مَثْنى وثُلاث ورُباع يزيد في الخلق ما يشاء، وأنّهم يتمثلون في صورة
الانسان ويؤدون العمل الذي أمروا به، ولا يمكننا معرفة أجنحة
الملائكة قياسا على أجنحة الطير ـ مثلا ـ لانّ الملائكة ليست أجساما
مادّية مثل الطيور، ولا سبيل لنا لمعرفة حقيقتهم بما أُوتينا من
وسائل لمعرفة الاجسام بالحواس الخمس، وإنّما سبيلنا إلى معرفتها
إنّما هو النقل، كما أن سبيلنا إلى معرفة البلاد التي غبنا عنها
تنحصر بالسماع عنها، غير أنّنا عندئذ نستطيع أن نقايسها بأمثالها
التي شاهدناها، وللعقل هنا أن يحكم بصدق ما ينقل ومن ينقل أو يرده،
ولا مجال هنا لشرح كيفية عمل العقل عندئذ، ولا يمكن قياس عالم الغيب
بما في عالمنا المادّي.
وأخبر اللّه تعالى (ضمنا فيما أخبر) أنّه علّم الملائكة ما ينبغي أن
يتعلّموه ولابد أن يكون ذلك في حدود ما أمرهم أن يقوموا بعمله، وحكى
سبحانه كيف أخبرهم بأنّه جاعل في الارض خليفة.
وخليفة اللّه في الارض هو الانسان الذي عيّنه اللّه لهداية الناس،
ويمثلهم في هذا الخبر آدم أبو البشر، وأخبر أنّ الملائكة قالت:
(أَتَجعلُ فيها مَن يُفسدُ فيها وَيَسفكُ الدِّماء وَنَحنُ نُسبِّحُ
بِحَمدكَ وَنُقدِّسُ لك) (البقرة 30).
وجاء
في الروايات أنّ الملائكة قالت ذلك لانّ اللّه تعالى كان قد خلق قبل
آدم (ع) في الارض، خلقا أراقوا الدماء وأفسدوا في الارض وأبادهم
اللّه بظلمهم، وقاست الملائكة حالة الخلق الجديد بما كانت قد رأت
قبله من خلق اللّه.
وكان
جواب اللّه لهم: إنّي أعلم ما لا تعلمون. ثمّ خلق آدم (ع) وعلمّه
الاسماء كلّها؛ أي حقائق الاشياء كلّها فإنّ الاسماء جاءت هنا جميعا
للاسم بمعنى صفات الشيء الخاصة المبينة لحقيقته، وذلك لانّ اللّه
سخّر ما في السموات والارض لمنفعة الانسان ولا بدّ أن يعلّمه صفاتها
وخواصها كما سيأتي شرحه في آخر هذا البحث إن شاء اللّه تعالى.
علَّم آدم خواص كلّ ما سخّره له ليعمل مع ما سخّره له في ما ينفعه،
وعلَّم كلّ واحد من الملائكة عِلم كلّ ما خلق ذلك الملك للقيام به،
علّم ـ مثلا ـ الملائكة التي خلقها للعبادة كيفية التهليل والتسبيح
والتكبير للّه كما هو أهله، وعلَّم الملائكة التي خلقها لتسجيل أعمال
الانسان، كيف تسجّل ما يصدر عن الانسان من خير وشر، وعلّم ملائكة قبض
الارواح، كيفية قبضها، وكذلك علّم غيرهم ما خلقوا للقيام به.
إذا
لم تكن الملائكة تعلم ما علَّمه اللّه آدم (ع)، ولما سأل اللّه
الملائكة عن تلكم الاسماء التي علَّمها آدم، قالت: سبحانك لا علم لنا
إلاّ ما علّمتنا، فأمر آدم أن يعلّمهم ما علّمه اللّه، ثمّ أمر
الملائكة أن يسجدوا لادم (ع) فسجودا إلاّ إبليس أبى واستكبر كما
سنشرحه في ما يأتي إن شاء اللّه تعالى.
النتيجة
إنّ
هذا الصنف من الخلق ـ الملائكة ـ الذين أسكنهم اللّه السموات
والارضين، ولهم حياة، وموت، وعقل مدرك دون هوى النفس، كان
يكفيهم في مقام الهداية أن يتعلّموا ما خلقوا من أجله ليدأبوا على
القيام بالعمل طوال حياتهم، أمّا قصة سؤالهم في خبر السجود لادم (ع)
فلا تتجاوز أنّهم كانوا لا يعلمون لماذا خلق آدم، وَلمّا عرفوا ذلك
بتعليم آدم إيّاهم الاسماء أطاعوا أوامر اللّه وسجدوا له دون إبليس
الذي أبى السجود لادم (ع) واستكبر وأطاع هوى نفسه.
إذا
فإنّ هداية الملائكة تكون بتعليمهم ما أراده اللّه منهم.
34 مادّة (خلف) من: معجم ألفاظ القرآن الكريم.
35 مادّة (خلف) من: مفردات الراغب.
36 معاني الاخبار للشيخ الصدوق، ص 357 ـ 374، وعيون
الاخبار له، ط. النجف 2 / 36، ومن لا يحضرهُ الفقيه، له تحقيق
الغفاري 4 / 420، وبحار الانوار مجلسي، 2 / 145، الحديث رقم: 7.
37 صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب في أحاديث
متفرقة ص: 2294، ومسند أحمد، 6 / 153 و168.