المُقدَمَةُ
بِسم
اللّهِ الرَحمن الرَحيمِ
الْحَمْدُ للّه رَبِّ الْعَالَمينَ، والصلاة على محمّد وآله
الطاهرين، والسلام على أصحابه المنتجبين.
وبعد: فقد استعنت اللّه وقمت بتأليف هذا الكتاب رجاء أن يحقّق لي
الاهداف الاتية:
أ ـ
لمّا رأيتُ المدارس الفكرية البشرية خالفت القرآن الكريم مدى العصور
فيما تقوّلته عن بدء الخلق، وأنّ أصحاب الانظمة الاجتماعية بَنَت
عليها ما شرّعت من قوانين للمجتمع البشري التي تناقض الاحكام
القرآنية واستندَتْ إليها كذلك جيلا بعد جيل، وأنّ ذلك أدّى ببعض
علماء المسلمين إلى أن يقوموا بشتّى المحاولات للتوفيق بين نظريات
المخلوقين عن بدء الخلق وما أعلن الخالق عنه في القرآن الكريم واستند
إليه الوحي في ما أنزل من تشريع، وأدّت تلك المحاولات إلى انعدام
الرُّؤية الصحيحة لما بيَّنَه القرآن الكريم عن بدء الخلق وصلة الخلق
باللّه الخالق الرّبّ.
لمّا
رأيتُ كلّ ذلك قمتُ في بحوث هذا الكتاب بمحاولة متواضعة في استنباط
بعض ما قاله القرآن الكريم عن اللّه الخالق الرّبّ وأسمائه الحسنى،
وبعض ما قاله عن الخلق وعن صلته بخالقه منذ بداية خلقه إلى يوم
المعاد، دون أيَّ أنحراف عنها إلى شيء مما قاله أصحاب النظريات من
الخلق. فإن كنتُ قد نجحتُ في هذه المحاولة المتواضعة فللّه الحمدُ
على ما وفَّق، وله الشكر على ما أنعم، وإن كنت قد زللت في بعض عملي
فإنّه من قصوري وأسأله تعالى أن يتجاوز عنّي بفضله وكرمه.
ب ـ
بعد مناقشتي في المجلد الثاني من مجّلدات (القرآن الكريم وروايات
المدرستين) روايات مدرسة الخلفاء الّتي أسندت إلى رسول اللّه (ص)
أنّه أجاز تبديل أسماء اللّه في القرآن الكريم، بعضها ببعض، وجدت أنّ
إيفاء البحث حقّه بحاجة إلى دراسة مقارنة بين موارد استعمال اسمين من
أسماء اللّه، في القرآن الكريم بتفصيل.
وكان
في دراستي اسمي: (الالهُ) و(الرّبُّ) في هذا الكتاب مثالا يوضّح
مبلغَ بُعد هذا القول عن الحقّ والصواب، وعدم صحة نسبة تلك الروايات
إلى رسول اللّه (ص) وأصحابه.
وأيضا، كنّا بحاجة ـ لدراسة روايات النسخ بمدرسة الخلفاء في ذلك
الكتاب ـ إلى دراسة النسخ في مسيرة الرسل كما جاء في هذا الكتاب.
ج ـ
بعد أن انتهينا في المجمع العلمي الاسلامي من تنظيم ما أردنا تنظيمه
من الكتب الدراسية للحوزات العلمية، ولم أجد كتابا يفي بحاجة أهل
العصر في دراسة العقائد الاسلامية، استعنتُ اللّه وقمتُ
بتقديم بحوث هذا الكتاب رجاء أن تسدّ هذا الفراغ بإذنه تعالى.
د ـ
لمّا رأيت ـ بعد قيام الجمهورية الاسلامية ـ تَطَلُّعا من الناس في
كلّ مكان إلى معرفة الاسلام في بلادهم، وما شاهدت من هجرة جماهير
المسلمين إلى بلاد الغرب وانقطاع صلتهم بمنابع الاسلام في بلدانهم،
رأيتُ من الواجب علينا أن نقدّم سلسلة من الكتب لتعليمهم الاسلام في
مستويات فكرية مختلفة. فاستعنتُ اللّه وقمتُ بوضع مخطّط لذلك، من
ضمنه سلسلة (قيام الائمة بإحياء السنّة)، وطبع الجزء الاوّل منه تحت
عنوان: مصطلحات اسلامية، وجعلته مقدّمة لهذا الكتاب.
وفي
هذا الكتاب عندما تقدّمت إلى رحاب القرآن الكريم للقيام بدراسة عقائد
الاسلام، وجدتُ القرآن العظيم قد عرض عقائد الاسلام بسلاسة يفهمها كل
لبيب عربّي اللّسان بلغ سنَّ الرُّشد، وأصبح مخاطبا فيه بقوله تعالى:
(يَا أَيُّها النَّاس).
غير
أنَّ العلماء اعتمدوا في تفسير القرآن فلسفة الفلاسفة، وعرفان
المتصوّفة، وكلام المتكلّمين، وروايات إسرائيلية، وأخرى رويت عن رسول
اللّه (ص) دون أن يقوموا بتمحيصها، وأوَّلوا ما ورد في
القرآن الكريم بها، وبذلك جعلوا من عقائد الاسلام طلاسم وألغازا
وأحاجي لا يفهمها غير من مارس حلَّها بطرق رسمها العلماء في علوم
البلاغة والمنطق والكلام والفلسفة وأمثالها، وأدّى عملهم ذلك
إلى
تفرقة المسلمين إلى معتزلة وأشاعرة ومرجئة و... و... و...الخ.
هـ ـ
كذلك وجدت عقائد الاسلام في القرآن الكريم سلسلة متّصلة الحلقات يهدي
بعضها إلى بعض، وهي في مجموعها وحدة منسجمة الاجزاء يكمّل بعضها
بعضا.
وعندما عرضها العلماء في تآليفهم فصلوا بعضها عن بعض، فاختفت بذلك
حكمة عقائد الاسلام عن دارسيها.
وللاسباب الّتي ذكرتها سرت في بحوث الكتاب وفق المنهج الاتي:
منهاج البحث
استقيت ـ في بحوث هذا الكتاب ـ عقائد الاسلام من معين القرآن الكريم.
وبما أنّ اللّه تعالى أنزل كتابه المجيد بلغة العرب، وقال سبحانه
وتعالى:
أ ـ
في سورة يوسف:
(إِنَّا أَنزَلناهُ قُرآنا عَرَبِيّا لَعَلّكُم تَعقِلُون) (الاية
2).
ب ـ
في سورة الشعراء:
(نَزَلَ بَهَ الرُّوحُ الامِينُ* عَلى قَلبِكَ لِتَكُونَ مِنَ
المُنذِرِينَ* بِلِسانٍ عَربّيٍ مُبِين) (الايات 193 ـ 195).
ولِبُعدنا عن لغة العرب فى عصر نزول القرآن الكريم، رجعت أحيانا في
تفسير الايات إلى معاجم اللغة.
ورجعتُ لمعرفة تفسير الايات إلى روايات السيرة والحديث التي قمت
بتمحيصها في مؤلّفاتي الاخرى، ودرست القليل منها عند قيامي بهذه
البحوث.
ومن
ثمَّ اعتمدت في بحوث الكتاب ثلاثة أنواع من تفسير القرآن الكريم:
1 ـ
التفسير بالمأثور: (أي المروي) مثل ما فعله السيوطي (ت 911هـ) في
الدر المنثور في تفسير القرآن بالمأثور، والبحراني (ت 1170هـ أو
1109هـ) في تفسيره البرهان، غير أنّي اعتمدت ما ثبتت عندي صحّته،
والسيوطي ذكر كلّ ماوجد من روايه وفيها ما يناقض بعضها بعضا الاخر،
وقد ناقشت بعضا مما رواه.
ورجعت في الاحاديث التي اعتمدتها إلى ما لدى عامّة المسلمين من كتب
الحديث، من صحاح ومسانيد وسنن وغيرها، ولم اقتصر على ما لدى مذهب
إسلامي دون آخر، وأحيانا قمت بدراسة مقارنة بين حديث وآخر ورأي اعتمد
حديثا وآخر مع إسناد الرأي إلى صاحبه، ودعمت رأيي بما لدينا من دليل
عليه.
وفي
دراية الحديث اعتمدت نهج مشايخ الحديث إلى القرن السادس الهجري كما
بيّنته في بحث (أئمة أهل البيت وضعوا مقاييس لمعرفة الحديث) في
المجلد الثالث من معالم المدرستين.
2 ـ
التفسير اللّغوي: كما فعله السيوطي في اعتماده على ما رواه عن ابن
عباس وغيره.
ولمّا كان علماء اللغة ـ أحيانا ـ يطيلون البحث بإيراد المعنى
الحقيقي للكلمة مع المعاني المجازية لها، تجنبت ذلك وأوردت ممّا
ذكروا في معنى الكلمة ما يناسب سياق الاية، وتركت إيراد غيره مما
ذكروه.
3 ـ
التفسير الموضوعي: مثل ما فعله الفقهاء في تفسيرهم: (آيات الاحكام).
والانواع الثلاثة من التفسير هي الصحيحة والمرويّة عن أئمة أهل البيت
(ع).
ولمّا كان في آيات القرآن الكريم أكثر من مقصد واحد غالبا، فإنّي
أذكر من ألفاظ الايات ما يخصّ مقصد البحث، وأحذف ما عداه ليسهل على
الدارسين استيعاب البحث، ومن ثمّ قد يتكرّر ذكر آية أو آيات في بحث
بعد بحث حسب تناسب معانيها مع موضوعات البحوث. وكذلك قد يتكرّر ذكر
معنى اللّفظ القرآني لبعد الموضع الثاني عن الموضع الاوّل بما يسبّب
نسيان المعنى أو لتغيير معنى اللّفظ في الموضع الثاني عن معناه في
الموضع الاوّل وفي ذكر الروايات رجعت أحيانا بالاضافة إلى الروايات
التي تفسّر الايات إلى روايات فيها شرح وتوضيح لبعض أطراف البحث
لمسيس الحاجة في استيعاب جميع جوانب البحث اليها. واستشهدتُ في بعض
البحوث بما جاء في التوراة والانجيل مصدّقا لما ذكرناه وخاصّة في:
أ ـ
أخبار الانبياء؛ لانّ في العهدين أقدم نصّ تاريخي عن سيرة الانبياء
قبل النبي الخاتم (ص)،
وقد
استشهد اللّه جلّ ذكره في القرآن الكريم بما جاء في التوراة في خبر
تحريم إسرائيل على نفسه ما حرّم، بقوله تعالى في سورة آل عمران 93:
(كلّ الطّعام كان حلاّ لبني إسرائيل إلاّ ما حرّم إسرائيل
على
نفسه من قبل أن تنزّل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم
صادقين).
ونترك من أخبارهما ما نسب فيه إلى اللّه جلّ ذكره ما هو منزّه عنه
وإلى رسله وأنبيائه ما هم منزّهون عنه، وكذلك نترك ما يخالف العقل
والعلم.
ب ـ
ما جاء فيهما من بشارات ببعثة النبي الخاتم (ص) كما استشهد القرآن
الكريم ببشارة عيسى (ع) ببعثته في قوله تعالى في سورة الصف 6: (وإذ
قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إنّي رسول إليكم مصدّقا لما بين
يديّ من التوراة ومبشّرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد...).
وتجنّبت في التعبير ـ ما أمكنني ـ ذكر الاصطلاحات العلمية في البحوث،
وبدّلتها بما يفهمه القارىء العربيّ اللّسان غير المتخصّص بتلك
العلوم.
واقتصرت على ذكر الاقوال في موضوع البحث بالقول الذي نختاره مع بيان
دليله. وأحيانا أختار رأيا مجانبا لاراء من سبقني من العلماء وأقدّم
الدليل على ما اخترته بإذنه تعالى.
ثمّ
إنِّي سلسلت عقائد الاسلام في هذا الكتاب ـ كما وجدتها في القرآن
الكريم ـ مجموعة متناسقة يكمّل بعضها بعضا، ويهدي البحث المتقدّم إلى
موضوع البحث المتأخّر، وبذلك تدرك عقائد الاسلام وحكمتها، ولذلك لا
يتيسّر استيعاب البحث المتأخّر في هذا الكتاب قبل استيعاب ما جاء في
البحوث المتقدّمة عليه، كما يرى ذلك في مخطط البحوث الاتي: