أوّلا ـ خلق الارض:

خلق اللّه الارض في يومين وجعل فيها جبالا راسيات، وفي تمام الاربعة أيّام خلق الشمس في جوّ السماء، وأجرى الماء على وجه الارض، ثُمّ قدّر سائر الاقوات من النبات وغيره؛ أي جعل في طبيعة الماء وطبيعة كلّ ذي حياة أن يخلق من الماء، ثُم استوى إلى السماء؛ أي بدأ خلق السماء بعد خلق الارض، وكانت السماء دخانا أو بخارا، فارتفع ذلك البخار من بحار الارض، أو ذلك اللهيب من براكين الارض، وفتق اللّه السماء عن الارض بعد أن كانتا رتقا، ورفع سمك السماء على الارض ـ واللّه أعلم ـ ثُمّ قال لتلك السماء والارض:

(ائتيا طَوعا أَو كَرها، قالَتا أَتَينا طائعين).

فأتت السماء بما فيها من المجرات وكواكب المجرات، وغيرها، مما اللّه بها عليم، ثُمّ دحا الارض؛ أي أبعدها من قرب السماء وبسطها وجعل فيها الانهار والاشجار وسائر النباتات ثمّ الحيوانات.

وقضى؛ أي جعل السماء الّتي كانت بعد فتقها عن الارض، فوق الارض، سبع سموات في يومين، وأوحى في كلّ سماء أمرها: أي نظام سيرها لادامة بقائها. وزيّن سماء الدنيا بمصابيح وهي الكواكب ، وجعل من الكواكب ما يحفظها من استراق سمع الشياطين، كما يأتي بحثه، إن شاء اللّه تعالى.

وجعل الشمس مضيئة والقمر منيرا، وقدّر القمر منازل في مسيره؛ ينزل كلّ ليلة منزلا غير ما نزله في الليلة السابقة، ويبتعد عن الشمس حتى يوافيها من الجانب الاخر في شهر قمري كامل؛ وبذلك تتكون الشهور والسنون ليعلم الناس عدد السنين والحساب. وأنبت في الارض من كلّ شي‌ء موزون،

وجعل الارض مهدا للانسان يجمع فيها أحياءه وأمواته، ومنها يحشره يوم القيامة.

وبناء على ما ذكرنا، نستنبط من الايات المذكورة أنّ الارض متقدمة زمانا على السماوات ومقدّمة رتبة ـ أيضا ـ على ما عداها مما خلق اللّه، بما خلق عليها من الانبياء والاوصياء والاولياء، وأنّ اللّه تعالى قد خلق جميع ما في السماوات والارض لنفع أهل الارض لمقام أوليائه عليها، فقد قال سبحانه في:

أ ـ سورة لقمان:

(أَلَم تَرَوْا أَنَّ اللّهَ سَخَّرَ لَكم مَا في السَّمواتِ وَما في الارض) (الاية 20)

ب ـ سورة الجاثية:

(وَسَخّرَ لَكم ما في السَّمواتِ وَما في الارضِ جَميعا...) (الاية 13).

ونستنبط من الايات المذكورة ـ أيضا ـ أنّ خلق أقوات الانسان من الماء واللّحوم والنبات متقدّم على خلق الانسان، كما صرّحت الايات بأنّ الجنّ خلقوا من نار السموم قبل خلق الانس من الطين، وكذلك الملائكة خلقوا قبل الانسان، لانّه سبحانه وتعالى قال في سورة الحجر:

(وَلقَد خَلَقنا الانسانَ مِن صَلصالٍ مِن حَمَأٍ مَسنون* وَالجانَّ خَلقناهُ مِن قَبلُ مِن نارِ السَّمومِ* وَإذا قالَ رَبُّكَ لِلملائكَةِ إنّي خالِقٌ بَشرا من صَلصال) (الايات 26 ـ 28).