ب ـ السموات:
جاء
لفظ السموات في القرآن الكريم وأُريد به السموات السبع، كما قال
سبحانه في سورة البقرة:
(هُوَ الّذي خَلَقَ لَكُم ما في الارضِ جَميعا ثُمَّ استَوى إلى
السَّماء فَسوّاهُنَّ سَبعَ سَمواتٍ وَهوَ بُكلِّ شَيء عَليم)
(الاية 29).
ثانيا ـ الارض:
جاء
ذكر الارض في القرآن الكريم (451) مرّة بلفظ الواحد، وورد معطوفا على
السموات مرة واحدة، في قوله تعالى في سورة الطلاق:
(اللّهُ الَّذي خَلقَ سَبعَ سَمواتٍ وَمِنَ الارضِ مِثلَهُنّ...)
(الاية 12).
ونفهم من التماثل بينهما هنا التماثل في الخلق وليس في العدد، وإذا
اكتشف للارض سبع طبقات؛ عندئذ لقائل أن يقول بأن المراد من التماثل
بين السموات السبع والارض تماثل في عدد طبقات الارض
والسماء. وسماء الارض هو الجو المحيط بالارض والذي مرّ ذكره في سورة
النحل / 79.
ثالثا ـ بدء الخلق:
جاء
ذكر بدء خلق السموات والارض في آيات متعدّدة، ولا بدَّ من أخذ
تفسيرها ممن قال اللّه في شأنه في سورة النحل:
(وَأَنزَلنَا إِلَيكَ الذَّكرَ لِتُبيّنَ لِلنّاسِ مانُزِّلَ
إلَيهِم) (الاية 44).
وقد
رويت أحاديث كثيرة في بيان بدء الخلق عن رسول اللّه (ص)، غير أنّ تلك
الاحاديث لم تُدْرَس من قبل العلماء سندا ومتنا؛ مثل أحاديث الاحكام
وآيات الاحكام، ولا يتسع المجال هنا لدراستها.
وإذا
اقتصرنا في دراسة بدء الخلق على ما يفهم من ظواهر الايات مع
الاستفادة ممّا تطمئنّ النفس إلى صحّته من الروايات، أو ما يغلب على
الظنّ صحّتها، نستعين اللّه ونقول:
بدء
الخلق
وصف
اللّه سبحانه وتعالى بدء الخلق وما كان بعده بقوله في:
أ ـ
سورة هود:
(وَهوَ الّذي خَلقَ السَّمواتِ وَالارضَ في ستَّةِ أَيّامٍ وَكانَ
عَرشهُ على الماء) (الاية 7).
ب ـ
سورة يونس:
(إنَّ رَبّكُمُ اللّهُ الّذي خَلقَ السَّمواتِ وَالارضَ في ستَّةِ
أيّامٍ ثُمَّ استَوى على العرشِ يُدبِّرُ الامر) (الاية 3).
ج ـ
سورة الفرقان:
(الَّذي خَلقَ السَّمواتِ وَالارضَ وَمَا بَينَهما في ستَّةِ أيّامٍ
ثُمَّ استَوى على العرشِ الرّحمنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبيرا) (الاية
59).
د ـ
سورة الانبياء:
(أوَلَم يَرَ الّذينَ كَفروا أَنَّ السّمواتِ وَالارضَ كانَتا رَتقا
فَفَتَقناهُما وَجعَلنا مِنَ الماء كُلَّ شَيء حيٍّ أَفلا يؤمِنُون)
(الاية 30).
هـ ـ
سورة البقرة:
(هُوَ الّذي خَلقَ لَكُم مَا في الارضِ جَميعا ثُمَّ استَوى إلى
السَّماء فَسَوِّاهنَّ سبعَ سَمُواتٍ وَهوَ بِكُلِّ شَيء عَليم)
(الاية 29).
و ـ
سورة فصّلت:
(قُل
أَئِنَّكُم لتَكفُرُونَ بِالَّذي خَلقَ الارضَ في يَومَين وَتَجعلونَ
له أندادا ذلكَ رَبُّ العالمين* وَجعَلَ فيها روَاسِيَ مِن فَوقها
وَباركَ فيها وَقَدَّر فيها أَقواتَها فيِ أربعةِ أيّامٍ سَواء
لِلسّائِلين* ثُمَّ استوى إلى السَّماء وَهيَ دُخانٌ فقَالَ لَها
ولِلارضِ ائتِيا طَوعا أو كَرْها قالَتا أَتينا طائعين* فَقضاهُنَّ
سَبعَ سَمواتٍ في يَومينِ وَأَوحى في كُلّ سَماء أَمرَها وَزَيَّنَّا
السّماء الدُّنيا بِمصابيحَ وَحِفظا ذلكَ تَقديرُ العَزيِز العَليم)
(الايات 9 ـ 12).
ز ـ
سورة الطلاق:
(اللّهُ الّذي خَلقَ سَبعَ سَمواتٍ وَمِنَ الارضِ مِثلَهُنَّ...)
(الاية 12).
ح ـ
سورة النازعات:
(ءأنتُم أَشَدُّ خَلقَا أمِ السّماء بَناها* رَفعَ سَمكَها
فَسَوّاها* وَأَغطشَ لَيلَهَا وأَخرجَ ضُحاها* وَالارضَ بَعدَ ذلِكَ
دَحاها* أخرَجَ مِنها ماءها وَمَرعاها* وَالجِبالَ أَرساها* مَتاعا
لَكُم وَلانعامِكُم) (الايات 27 ـ 33).
ط ـ
سورة الشمس:
(وَالسّماء وَما بَناها* وَالارضِ وَما طَحاها) (الايتان 5 ـ 6).
ي ـ
سورة الحجر:
(وَالارضَ مَدَدناها وَأَلقَينا فيها رَواسيَ وَأَنبَتنا فيها مِن
كُلّ شَيء مَوزونٍ* وَجعلنَا لكُم فيها مَعايشَ وَمَن لَستُم لهُ
بِرازقين) (الايتان 19 ـ 20).
ك ـ
سورة طه:
(الّذي جعلَ لكمُ الارضَ مَهدا وَسَلكَ لَكم فيها سُبلا وَأنَزلَ
مِنَ السّماء ماء فَأخرَجْنا بِهِ أزواجا مَن نَباتٍ شَتّى* كُلُوا
وَارعَوا أَنعامَكُم إِنَّ في ذلك لاياتٍ لاولي النُّهَى* مَنها
خَلَقناكُم وَفيها نُعِيدُكُم وَمَنها نُخرِجُكُم تارَةً أُخرى)
(الايات 53 ـ 55).
ل ـ
سورة البقرة:
(الَّذي جَعلَ لَكمُ الارضَ فِراشا وَالسَّماء بِناء وَأَنزَلَ مِنَ
السَّماء ماء فَأخرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمراتِ رِزقَا لَكُم فَلا
تَجعَلوا للّهِ أَندادَا وَأَنتُم تَعلَمُون) (الاية 22).
م ـ
سورة نوح:
(أَلَم تَرَوا كَيفَ خَلقَ اللّهُ سَبعَ سَمواتٍ طِباقا) (الاية 15).
(وَاللّهُ جعلَ لَكمُ الارضَ بِساطا* لِتسلُكوا مِنها سُبُلا فِجاجا)
(الايتان 19 ـ 20).
ن ـ
سورة الغاشية:
(أَفَلا يَنظُرونَ إلى الابِلِ كَيفَ خُلِقت* وَإلى السَّماء كَيفَ
رُفِعت* وَإلى الجِبالِ كَيفَ نُصِبَت* وَإلى الارضِ كَيفَ سُطِحت)
(الايات 17 ـ 20).
س ـ
سوره النمل:
(أَمَّن خَلقَ السَّمواتِ وَالارضَ وَأنَزلَ لكُم مِنَ السَّماء ماء
فَأنبَتنا بَهَ حَدائقَ ذاتَ بَهجةٍ ما كانَ لَكم أن تُنبتوا شَجَرها
ءإلهٌ مَعَ اللّهِ بَل هُم قَومٌ يَعدِلون* أَمَّنْ جَعلَ الارضَ
قَرَارا وَجعلَ خِلاَلها أنهارا وَجَعلَ لَها رَوَاسيَ وَجَعلَ بَينَ
البَحرينِ حاجِزا ءإلهٌ مَعَ اللّهِ بَل أَكثَرهم لاَ يَعلمُون)
(الايتان 60 ـ 61).
ع ـ
سورة الانبياء:
(وَجَعلنا في الارضِ رَوَاسيَ أن تَميدَ بِهم وَجَعلنا فيها فِجَاجا
سُبلا لَعَلَّهُم يَهتُدون* وَجَعَلنا السَّماء سَقفَا مَحفُوظا
وَهُم عَن آياتها مُعرِضون) (الايتان 31 ـ 32).
ف ـ
سورة المرسلات:
(ألَم نَجعَلِ الارضَ كِفاتا* أحياء وَأَمواتا* وَجَعلنا فيها
رَواسيَ شامِخات...) (الايات 25 ـ 27).
ص ـ
سورة يونس:
(هُوَ الَّذي جعلَ الشَّمسَ ضِياء وَالقمرَ نُورا وَقَدَّرهُ مَنازلَ
لِتَعلمُوا عَدَدَ السِّنينَ وَالحِسابَ ماخلقَ اللّهُ ذلكَ إلاّ
بِالحقِّ يُفصِّلُ الاياتِ لِقَومٍ يَعلمُون* إنَّ في اختِلافِ
اللّيلِ وَالنَّهارِ وَما خلقَ اللّهُ في السَّمواتِ وَالارضِ لاياتٍ
لِقومٍ يَتَّقُون*) (الايتان 5 ـ 6).
شرح
الكلمات
أ ـ
اليوم:
يأتي
اليوم بمعنى الزمن المُمْتد من طلوع الفجر أو الشمس إلى غروبها.
وكذلك الزمان المقرون به حدث من الاحداث؛ ومنها أيام الحروب وإن
أمتدّت إلى أيّام مثل يوم الخندق، ويوم صفّين.
ب ـ
ثمّ:
ثمّ:
يدلّ على تأخّر ما بعده عمّا قبله بالزمان أو المرتبة أو المكان.
فالاول: مثل قوله تعالى في سورة الحديد:
(وَلقَد أَرسَلنا نُوحا وَابراهيمَ وَجعَلنا في ذرّيَتهِما
النُّبوَّةَ والكتاب...* ثُمَّ قَفَّينا على آثارِهمِ بِرُسلنا
وَقفّينا بِعيسى ابنِ مَريَم) (الايتان 26 ـ 27).
والثاني: مثل ما جاء في جوابِ رسول اللّه (ص) لرجلٍ سأله وقال:
من
أَبَرُّ؟ قال: أمَّكَ.
قال:
ثُمَّ مَنْ؟
قالَ: أُمَّكَ.
قالَ: ثُمَّ مَنْ؟
قالَ: أَبَاكَ.
والثالث: قولك: ذهبت من بغداد إلى كربلاء ثُمّ النجف.
ج ـ
الدخان:
الدُّخان: ما يكون مع لهيب النار، وقد يقال للبخار وما على صورته:
الدخان.
د ـ
استوى:
استوى عليه: استولى عليه، واستوى إليه: انتهى إليه، ويأتي مزيد بيان
لمعناه ومعنى (الرَّحمن) و(العَرْش) و(سَوّاه) في بحث صفات الرّبّ
بُعيد هذا إن شاء اللّه تعالى.
هـ ـ
الرَّتْقُ:
الرتق: الضّم والالتئام.
و ـ
جَعَلَ:
تأتي
جعل بمعنى خلق وأوجد، مثل قوله تعالى:
أ ـ
في سورة المائدة:
(اذكُروا نَعمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذ جَعلَ فيكُم أنبياء) (الاية
20).
ب ـ
في سورة النحل:
(وَجعلَ لَكم سَرابيلَ تَقيكمُ الحرَّ) (الاية 81).
وبمعنى صيّره، مثل قوله تعالى في سورة البقرة:
(الَّذي جعلَ لكمُ الارضَ فِراشا) (الاية 22).
وبمعنى شرع وحكم وقدّر، مثل قوله تعالى في سورة المائدة:
(لِكُلٍّ جَعَلنا مَنكم شِرعةً وَمِنهاجا) (الاية 48).
وبمعنى سخّر: أي هداه تسخيرا، مثل قوله تعالى في سورة الانعام:
(وَجَعلنا الانهارَ تَجري مِن تَحتِهم) (الاية 6).
أي
وهدينا الانهار تسخيريّا لتجري من تحتهم (8).
ز ـ
الرَّواسي:
الرّواسي: مفرده الراسي: الجبل الثابت الراسخ.
وأرساه: أثبته وأرسخه في موضعه.
ح ـ
قضاهنّ:
قَضاهُنَّ: هنا بمعنى قدّرهنّ وأتّم خلقهنّ.
ط ـ
أَوحى في كلّ سماء أمرها:
علَّم ملائكة كلّ سماء الامر الذي خلقهم من أجل القيام به. وسخّر
سائر ما خلق فيها أن يَسِرْنَ وفق النظام الذي قدّره لهنَّ.
ي ـ
بناها:
بنى
البيت: أقامه.
وفي
الاية: خلقها مسوَّاة محكمة.
ك ـ
السَّمك:
السمك: السقف، ومسافة الشيء من أسفله إلى أعلاه، وإذا قصد ذكر
المسافة من الاعلى إلى الاسفل قيل: العمق.
ل ـ
سَوّى:
سوّاه: جعله على كمال واستعداد لما أُنشئ من أجله.
م ـ
أَغطَشَ:
أَغطَشَها: أظلمها.
ن ـ
الضُّحى:
الضُّحَى: طلوع الشمس وصفاء ضوئها، وارتفاع النهار.
وأخرج ضحاها: أبرز نهارها.
س ـ
دحاها:
دحا
الشَّيء: أزاله عن موقعه، بسطة ومهَّده. والارضَ دَحاها: بسطها
ومهّدها للسكنى والتقلّب في أقطارها.
ع ـ
طَحاها:
طحاها: بسطها.
ف ـ
مَدَدْناهَا:
مَدَّ: بسط في طول واتصال. وفي الاية: بسطناها ومهَّدناها للعيش
عليها.
ص ـ
موزون:
الوَزْنُ: تقدير الاجسام بما يعادله في الثقل أو في الطول والعرض أو
في الحرارة والبرودة.
وَوَزَنَ الشَّيء: قدره بما يعادله، فهو موزون. والمعنى في: وأنبتنا
فيها من كلّ شيء موزون أي:
أنبتنا في الارض من كلّ شيء ما يتناسب مع محيطه ولما خُلق من أجله،
وعلى قدر الحاجة إليه، وبما تقتضيه الحكمة في ذلك.
تفسير الايات
معنى
الايات حسب ظواهر معاني ألفاظها، واللّه أعلم:
إنّ
اللّه تعالى، قبل أن يخلق السموات والارض، كان قد خلق ماء، لا يعرف
حقيقته غيره، وكان عرشه على ذلك الماء وحده، أي انّ الملائكة الذين
يعملون بأمره كانوا على ذلك الماء، ولمّا اقتضت مشيئته وحكمته ـ
تبارك وتعالى ـ أن يخلق ما عداه، بدأ خلق الارض من ذلك الماء قبل أن
يخلق السماء، ثُمّ بدأ خلق السماء من بخار الارض ولهيبها، وتصاعد ذلك
البخار أو الدخان من الارض، وكذلك فتق اللّه السماء من الارض (9)
ـ واللّه أعلم ـ بعد أن كانتا رتقا، أي مُنْظَمَّتَينْ، وصار ذلك
الدخان أو البخار للارض سماء، وفتق تلك السمأ وجعلها سبع سماوات
طباقا.
ونجد
هذا التفسير في كلام الامام عليّ (ع)، حيث قال:
(جَعَلَ مِنْ مَاء الْبَحْرِ الزّاخِر... يَبَسَا جامِدَا، ثُمَّ
فَطَرَ مِنْهُ أَطْبَاقَا، فَفَتَقَهَا سَبْعَ سَمَاواتٍ بعد
ارتتاقِهَا)(10).
وأتّم اللّه خلق السموات والارض في ستة أيام: أي ستة مراحل عملٍ
كالاتي بيانه:
8 سندرس هداية الانواع الاربعة في البحث الاتي:
9 شرح نهج البلاغة الخطبة 209 وسيأتي مزيد بيان له
من الروايات.
والدر المنثور للسيوطي 1 / 444 والبحار 104 / 58.
10شرح نهج البلاغة الخطبة 209 وسيأتي مزيد بيان له
من الروايات.والدر المنثور للسيوطي 1 / 444 والبحار 104 / 58.