تخيّلات عن عالم الغيب
في
أمثال هذه البحوث عن عوالم الغيب كثيرا ما تجري من قبل أناس في مختلف
مستويات المعرفة محاولات متنوعة لمعرفة ما ورد في القرآن الكريم
والحديث الشريف من ذكر عوالم ما وراء المحسوس قياسا على المشهور من
عالم المادة، فيهيمون في عالم الخيال، ويُسُّمون تخيلاتهم بالعلم
والمعرفة. وفي ما يأتي نبيّن سبب ذلك بإذنه تعالى:
وسائل العلم والمعرفة
إنّ
وسائلنا لمعرفة الاشياء والعلم بها في ما عدى ما ذكرنا من الاستنتاج
العقلي في بحث الميثاق تنحصر في نوعين:
النوع الاول: ما نميّزه بحواسّنا، وبما أنّ حواسّنا خلقت لنميِّز بها
الموجود في عالمنا المادي المحسوس بالحواس، فهي لا تعمل في غير عوالم
المحسوسات المادية.
النوع الثاني: ما نعرفه عن طريق النقل والحكاية؛ مثل ما نعلم بما في
بلد لم نره عن طريق النقل والحكاية، وتُحَدُّ معلوماتنا في هذا النوع
بحدود المنقول لنا، ويحصل لنا هذا النوع من المعرفة بثبوت
صدق
ناقل الخبر عمّا يُحَدِّث به.
ومن
هذا النوع من المعرفة ما حَدِّثَت به رسل اللّه وأنبياؤه صلوات اللّه
عليهم أجمعين عن عوالم السموات فوق النجوم والكواكب وعالم الملائكة
وعالم الجن ومشاهد يوم القيامة، وفوق كلّ ذلك ما حدَّثونا به من صفات
اللّه تقدّست أسماؤه، ويُحَدُّ هذا النوع من العلم بحدود ما ينقلونه
لنا، بعد أن ثبت لدينا صدق نبّوتهم ورسالتهم عن اللّه سبحانه وتعالى.
ولا يمكن أن نخضع أي شيء مما حدّثونا به عن تلكم العوالم بتشخيص
حواسنّا له. والعقل بعد ذلك يحكم بصحة الاحساس والنقل أو عدم
صحتهما.
خلاصة البحث
الملائكة صنف من خلق اللّه وجنوده وعباده، لهم أجنحة وحياة وموت،
وإرادة وعقل ويتمثّلون أحيانا في صورة إنسان عند أداء واجبهم، وهم
على درجات من الفضل مثل: الروح الامين، وروح القدس، ويختار اللّه
منهم رسل لتبليغ الوحي، وإنزال مقدّرات الانسان في ليلة القدر، ومنهم
الملكان اللذان يسجّلان عمل الانسان، ومنهم ملك الموت وأعوانه،
ويحشرون يوم القيامة، ويقومون بما يأمرهم اللّه به ولا يعصونه.
ولما
كانت وسائلنا للعلم والمعرفة تنحصر بنوعين:
أ ـ
المشاهد المحسوس: وهذا ما نعرفه ونميَّزه بتشخيص الحواسّ له.
ب ـ
المنقول لنا: مثل ما ينقل لنا عن أمور في بلد لم نره، ويشترط في طريق
المعرفة الثانية أن نطمئن إلى صدق ناقل الخبر لنا.
وبما
أن عوالم الملائكة والجن والروح ويوم القيامة وبدء الخلق ليست من
العوالم المحسوسة المشهودة لنا، فلا طريق لنا لمعرفتها إلاّ بما
تنقله رسل اللّه لنا بعد أن ثبت صدق رسالته من قبل اللّه. وما
تقوَّله أصحاب النظريات عن هذه العوالم إن هو إلاّ تخيلات وظنون لا
تغني من الحق شيئا.
وما
جاء من قوله تعالى: (وَكانَ عَرشُهُ على الماء) و(ثُمَّ استَوَى إلى
السّماء وَهِي دُخان) لا يعني أنّ ذلك الماء كان مثل الماء الذي
نشاهده اليوم على الارض مكوّنا من (أوكسجين وهايدروجين) بالنسب
المعينة، وانّ الدخان كان متصاعدا من النار كالدخان الذي نشاهده
اليوم، بل قد يكون المراد تشبيه ذلك الماء بالماء الذي نشاهده اليوم،
والدخان بالدخان الذي نشاهده اليوم متصاعدا من النار، وسوف يأتي
معنى العرش في بحث الربوبية إن شاء اللّه تعالى، ونذكر معنى السماء
والسموات في القرآن الكريم في البحث الاتي بحوله تعالى.
ـ 2
ـ
السَّموات، وَالارضُ
وسماؤُها
أوّلا ـ السماء والسموات:
أ ـ
السماء.
1 ـ
في اللغة العربية:
سما
الشيء يسمو سموّا وسماء: علا وارتفع وتطاول، وسمأ كل شي أعلاه، وكل
شي اظلّك فهو سماء.
2 ـ
في القرآن الكريم:
جاء
ذكر السماء بلفظ الواحد في القرآن الكريم، وأريد به تارة الجوُّ الذي
فوق الارض ومحيط بها، مثل قوله تعالى في:
1 ـ
سورة النحل:
(أَلم يَرَوْا إلى الطَّيرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماء) (الاية
79).
2 ـ
سورة البقرة:
(وَأَنزَلَ مِنَ السَّماء ماء فَأخرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمراتِ رِزقا
لكُم) (الاية 22).
وإنّ
الانسان يرى بالعين المجرّدة كيف يطير الطير في جو سماء الارض، وكيف
ينزل الغيث من الغمام المسخر في سماء الارض، وقد يصعد الانسان جبلا
فيرى الشمس في السماء أعلاه تشرقه والغمام دونه في سماء الارض التي
تعلو الارض وتحيط بها.
وتارة يأتي لفظ السماء في القرآن الكريم ويُراد به ما علا الارض من
الكواكب والسموات السبع، كما قال سبحانه في:
1 ـ
سورة البقرة:
(ثُمَّ استَوى إلى السَّماء فَسوّاهُنَّ سَبعَ سَموات) (الاية 29).
2 ـ
سورة النمل:
(وَما مِن غائبةٍ في السَّماء وَالارضِ إلاّ في كتابٍ مُبين) (الاية
75).
3 ـ
سورة الانبياء:
(يَوْم نَطوي السَّماء كطَيِّ السِّجلِّ لِلكُتب...) (الاية 104).
فإنّ
المراد من السماء في هذه الايات كلّ ما علا الارض وكانت الارض تحته،
أي السموات السبع وما دونها مّما علا الارض.