عود على بدء:
يأتي
بعد الايات (12 و13 و14) من سورة (المؤمنون) ذكر بعض الملخوقات التي
سخّرت للانسان، ثمّ الحديث عن أنواع مخلوقات اللّه، ثمّ يقول تعالى
في السورة نفسها:
(وَلَقَد أَرسَلنَا نُوحا إلى قَومِهِ فَقالَ يا قَومِ اعبُدُوا
اللّهَ مَالَكُم مِن إلهٍ غَيرِهِ أَفَلا تَتَّقُون) (الاية 23).
ثمّ
يذكر إنشاء الامم الاخرى التي خلقها اللّه عزّ وجلّ، ويفصِّل بيان
كفرها حتى الاية الحادية والتسعين التي يقول فيها:
(مَا
اتَّخَذَ مِن وَلَدٍ وَما كَانَ مَعَهُ مِن إلهٍ إِذا لَذَهَبَ كُلُّ
إلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعضُهُم عَلى بَعض...) (الاية 91).
وهكذا نرى في هذه الايات أنَّ الصفة البارزة للالوهية هي (الخالقية)،
ولهذا نجد أنَّ اللّه عزَّ وجلَّ يسأل المشركين بعد قوله تعالى في
سورة الاحقاف:
(مَا
خَلَقنَا السَّموَاتِ وَالارْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلاّ بالحَقّ)
(الاية 3).
قائلا: (قُل أرأيتُم ما تَدعُونَ مِن دُونِ اللّهِ أَرُوني ماذا
خَلَقُوا مِنَ الارضِ أَم لَهُم شِرْكٌ في السَّموات...) (الاية 4).
وكذلك الامر في قوله تعالى:
أ ـ
في سورة الرعد:
(أَم
جَعَلُوا للّهِ شرَكاء خَلَقُوا كَخَلقِهِ فَتشَابَهَ الخَلقُ
عَلَيهِم) (الاية 16).
ب ـ
في سورة الرعد أيضا:
(قُلِ اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيء وَهُوَ الوَاحدُ القَهّار) (الاية
16).
ج ـ
في سورة المؤمنون:
كما
مرّ أعلاه.
د ـ
في سورة النحل:
(أَفَمَن يَخلُقُ كَمَن لاَ يَخلُقُ أَفَلا تَذَكَّرون) (الاية 17).
ويتكرر هذا المعنى في الاية (20) من سورة النحل والاية (3) من سورة
الفرقان و(191) من سورة الاعراف.
في
كلّ هذه الايات نجد التحدّي ومحاججة المشركين في مسألة توحيد
الالوهية بأحدية الخالق، ففي الاية الاولى يسأل اللّه عزّ وجلّ
الكفار ويقول:
(أَروني ما تَدعونَ مِن دونِ اللّهِ ماذا خَلقوا لَكُم مِنَ الارضِ).
وفي
الاية الثانية يقول:
هل
جعلتم للّه شركاء لانّكم وجدتم لهم مخلوقات مثل مخلوقات اللّه وتشابه
عليكم خلق اللّه بخلق غيره؟
ويتساءل في الاية الثالثة ويقول:
هل
يستوي من يخلق مع من لا يخلق؟
وكذلك يقول عزَّ وجلَّ:
(ما
كان معه من إله)
وفي
آية أُخرى ـ أيضا ـ يقول:
قُل
اللّهُ خالقُ كُلِّ شيء وَهُوَ الواحِدُ القَهّارِ.
هكذا
نرى القرآن الكريم يحتجّ في مقام الاستدلال على المشركين الذين
يعبدون آلهة أخرى ويشركونهم في العبادة مع اللّه الواحد الاحد، ويقول
إنَّ خلق الخلق خاص باللّه، والالهة الاخرى ليست لها أية قدرة على
الخلق.
ومن
ثمّ ندرك انَّ الصفة البارزة للاله هي الخالقية.
وفي
الايات التالية يظهر ذلك بشكل أوضح، حيث قال اللّه تعالى:
أ ـ
في سورة الانعام:
(ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُم لا إلهَ إلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيء
فَاعبُدُوه) (الاية 102).
ب ـ
في سورة هود:
(قالَ يا قَومِ اعْبُدُوا اللّهَ مَالَكُم مِن إِلهٍ غَيرِهِ هُوَ
أنشَأَكُم مِنَ الارضِ) (الاية 61).
ج ـ
في سورة فاطر:
(هل
مِن خالقٍ غَيرُ اللّهِ يَرزُقُكُم مِنَ السَّماء وَالارضِ لاَ إلهَ
إلاّ هُو...) (الاية 3).
د ـ
في سورة الفرقان:
(وَاتّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهةً لاَ يَخْلُقونَ شَيئَا وَهُم
يُخلَقُونَ...) (الاية 3).
هـ ـ
في سورة الحج:
(يا
أيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمعُوا لَهُ إنَّ الَّذينَ
تَدْعونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَنْ يَخلُقُوا ذُبابا وَلَو اجتَمَعُوا
لَهُ وَإنْ يَسلُبهُمُ الذُّبابُ شَيئا لاَ يَستَنِقذُوهُ مِنهُ
ضَعُفَ الطّالِبُ وَالمَطلُوب* مَا قَدَروا اللّهَ حَقَّ قَدْرِه
إنَّ اللّهَ لَقَويٌ عَزيزٌ) (الايتان 73 ـ 74).
إنَّ
اللّه تعالى يخاطب في هذا الموضوع من القرآن الكريم كلّ الناس الذين
يدعون آلهة من دون اللّه ويقول لهم:
استمعوا لهذا المثل: إنَّ الذين تدعون من دون اللّه (فراعنة كانوا أم
أبقارا أم آلهة أخرى) لن يخلقوا ذبابا.
إنّ
أيَّ فرعون من الفراعنة وأيّة بقرة معبودة من الابقار، وأيَّ إلهٍ
آخر من آلهة الناس، لن يخلقوا أقذر حشرة يعرفها الناس (كلّ الناس)
ومنتشرة في مجتمعات الناس كلّها، ويتقذّر منها الناس كلّ الناس!
لن
يستطيع أي واحد من تلكم الالهة أن يخلق وحده ذبابة قذرة، ولن تستطيع
كلّ الالهة لو اجتمعت وتظاهرت على خلق ذبابة واحدة.
وان
يسلب الذباب تلكم الالهة: (أبقارا كانت، أو فراعنة، أو آلهة أُخرى)
شيئا فلن تستطيع استنقاذه منه، فلو امتصّ الذباب ـ مثلا ـ من بقرة من
آلهة الهندوس دما لما استطاعت تلك البقرة من آلهة الهندوس أن تستنقذ
حقّها: دمها المسلوب.
كم
هي عاجزة وضعيفة تلك البقرة من آلهة البشر!؟ وكم هو عاجز، وضعيف من
يطلب حاجة من هذه الالهة الضعيفة! ضعف الطالب والمطلوب!؟ وأخيرا ما
قدروا اللّه حق قدره، اللّه الذي خلق الخلق أجمعين إنَّه لقويُّ
عزيز.
وبناء على هذا فإن الخلق كلّه من اللّه تعالى وحده، وهو الذي يخلق
الخلق ويوجد كلّ موجود ويحيي ويميت، وهو مالك كلّ شيء.
فلا
يوجد مؤثّر آخر في عالم الخلق غير اللّه تعالى كي نتّجه إليه في طلب
حاجاتنا، ومن ثمَّ يجب أن نعبده وحده ونطلب الحوائج منه وحده.
والايات التالية ـ أيضا ـ توضّح هذا المعنى حيث يقول اللّه تعالى في:
أ ـ
سورة الانعام:
(قُل
أَرَأَيتُم إِن أَخذَ اللّهُ سَمعَكُم وَأَبصَارَكُم وَخَتَمَ على
قُلُوبِكُم مَن إِلهٌ غَيرُ اللّهِ يَأتيكُم بِه) (الاية 46).
ب ـ
سورة الاعراف:
(الَّذي لَهُ مُلكُ السَّمواتِ وَالارضِ لا إلهُ إلاّ هُوَ يُحيِي
وَيُميت) (الاية 158).
ج ـ
سورة القصص:
(مَن
إِلهٌ غَيرُ اللّهِ يَأتيكُم بِضِياء أَفَلا تَسمَعُون) (الاية 71).
د ـ
سورة الزمر:
(ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لَهُ المُلكُ لاَ إِلهَ إلاّ هُوَ فَأَنّى
تُصْرَفون) (الاية 6).
هـ ـ
سورة الدخان:
(لا
إِلهَ إلاّ هُوَ يُحيي وَيُميتُ رَبُّكم وَرَبُّ آبائكمُ الاوَّلين)
(الاية 8).
و ـ
سورة طه:
(إِنَّما إِلهُكُم اللّهُ الَّذي لا إلهَ إلاّ هُوَ وَسِعَ كُلّ
شَيء عِلما) (الاية 98).
ز ـ
سورة الاسراء:
(قُل
لَو كانَ معهُ آلِهةٌ كَما يَقولونَ إذا لاَبْتَغَوا إلى ذي العَرشِ
سَبيلا) (الاية 42).
ح ـ
سورة مريم:
(وَاتّخَذوا مِن دُونِ اللّهِ آلِهَةً ليَكونوا لَهُمْ عِزّا) (الاية
81)
ط ـ
سورة الانبياء:
(أَم
لَهُم آلهةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا) (الاية 43).
ى ـ
سورة يس:
(ءأَتَّخِذُ مِن دُونهِ آلِهةً إن يُرِدنِ الرَّحمنُ بِضُرٍّ لاَ
تُغنِ عَنِّي شَفَاعَتُهم شَيئا وَلايُنقِذون) (الاية 23).
ك ـ
سورة يس ـ أيضا ـ:
(وَاتّخَذوا مِن دُونِ اللّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُم يُنْصَرون) (الاية
74).
ل ـ
سورة هود:
(فَما أَغنَت آلِهَتُهُمُ الَّتي يَدعونَ مِن دُونِ اللّهِ مِنْ
شَيء) (الاية 101).
وهكذا يصرّح القرآن الكريم بأنّ كلّ أنواع خلق الخلق مخصوص بالاله
الواحد، من إنزال المطر، وإنبات النبات، وشفاء الامراض، والنصرة على
العدوِّ المقتدر، وإزالة الفقر، كلّ هذه الامور وأمثالها،
وكلّ
فعل آخر في الوجود إنّما هو من اللّه تعالى وحده، فهو الاله الحقيقي
للعالم، ليس له شريك في قدرته وأفعاله، وهو أحد لا شبيه له: (لَم
يَلِد وَلَم يُولَد وَلَم يَكُن لَهُ كَفُوَا أَحَد) وهو اللّه عزَّ
وجلَّ كما وصف نفسه جلَّ اسمه وقال تعالى في:
أ ـ
سورة النساء:
(إنَّما اللّهُ إلهٌ وَاحدٌ سُبحانهُ أَن يَكونَ لَهُ وَلَد) (الاية
171).
ب ـ
سورة المائدة:
(لَقد كَفَرَ الّذين قالوا إِنَّ اللّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِن
إلهٍ إلاّ إلهٌ واحِد) (الاية 73).
ج ـ
سورة النحل:
(وَقالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذوا إلهينِ اثنَينِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ
واحِد) (الاية 51).
ولمّا كانت الالوهية للّه وحده فالعبادة إذا لا تكون إلاّ له وحده،
ولا يجوز عبادة غيره معه كما قال تعالى في:
أ ـ
سورة طه:
(إِنَّني أَنا اللّهُ لاَ إِلهَ إلاّ أَنَا فَاعْبُدْني وَأَقِمِ
الصَّلاَةَ لِذِكْرِي) (الاية 14).
ب ـ
سوره الانبياء:
(وَما أرسَلنا مِن قَبِلكَ مِن رَسولٍ إلاّ نُوحي إليهِ أنّهُ لا
إلهَ إِلاّ أَنا فَاعْبُدون) (الاية 25).
وصدق
اللّه العظيم حيث يقول في سورة النمل:
(أَمَّن خلقَ السَّمواتِ وَالارضَ وَأَنزَلَ لكُم مِنَ السّماء مَاء
فَأنبَتنا بِهِ حَدائقَ ذاتَ بَهجَةٍ ما كانَ لكُم أَن تُنبِتوا
شَجَرها ءإلهٌ مَعَ اللّهِ بَل هُم قَومٌ يَعْدِلونَ* أَمَّن جَعلَ
الارضَ قَرارا وجعلَ خِلالها أَنهارا وَجَعَلَ لها رَواسِيَ وَجَعلَ
بَينَ البِحرَينِ حاجزا ءإلهٌ مَعَ اللّهِ بَل أَكثَرُهم لا
يَعلَمون* أمَّن يُجيبُ المُضطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكشِفُ السّوء
وَيَجعَلُكم خُلفاء الارضِ ءإلهٌ مَعَ اللّهِ قَليلا ماتَذَكَّرون*
أَمَّن يَهديكُم في ظُلُماتِ البَرِّ وَالبَحر وَمَن يُرسلُ
الرِّياحَ بُشْرا بَين يَدَي رَحْمَتِهِ ءإلهٌ مَعَ اللّهِ تَعالَى
اللّهُ عَمّا يُشرِكون* أمَّن يَبدَأُ الخَلقَ ثُمَّ يُعيدهُ وَمَن
يَرزُقُكم مِنَ السَّماء وَالارضِ ءإِلهٌ مَعَ اللّهِ قُل هاتُوا
بُرهانَكُم إِن كُنتُم صَادِقين) (الايات 60 ـ 64).
إذا
فإنّه لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، وكذلك ليس للّه بنات وبنون
كما زعمه من ندرس قوله في ما يأتي بحوله تعالى.