(1) و(2)
أَلَستُ بِرَبِّكُمُ وحركة الدماغ
أخذ
اللّهَ سبحانه الميثاق من ذرّية بني آدم كما أخبر عن ذلك وقال في
سورة الاعراف:
(وَإذا أَخَذَ رَبُّكَ مَن بَني آدَمَ مِن ظُهُورِهِم ذُرّيّتَهُم
وَأَشهَدَهُم عَلَى أَنفسِهِم أَلَستُ بِرَبِّكُم؟ قَالُوا بَلى،
شَهِدنَا أَن تَقُولُوا يَومَ القِيَامَةِ إنّا كُنَّا عَن هذَا
غَافِلينَ* أَو تَقُولُوا إنَّمَا أَشرَكَ آبَاؤنَا مِن قبلُ وَكُنّا
ذُرّيّة مِن
بَعدِهِم أَفَتُهِلكُنَا بِمَا فَعَلَ المُبْطلُون) (الايتان 172 ـ
173).
نحتاج في تفسير هاتين الايتين إلى المقدّمة الاتية:
عندما ينفصل الطفل عن بطن اُمّه وينقطع منه الحبل الّذي كان متّصلا
بسرّته لنقل الغذاء من جسم أمّه إليه، تدفعه غريزة الجوع إلى التحرّك
لطلب الغذاء، فيتشنّج جسمه كما يظهر ذلك على سحنات وجهه، فيبكي ويصرخ
ولا يهدأ حتّى يلتقم الثدي ويدرّ اللّبن في فمه ويجري منه إلى معدته،
وتستمرّ هذه الغريزة في دفع الانسان للتحرّك والعمل الدائب في طلب
الطعام، طوال حياته. ويشارك الحيوان الانسان في هذه الغريزة والتي
نسميها بحركة المعدة في طلب الطعام، وهي الغريزة الاولى التي تدفع
الانسان إلى التحرك والعمل في الحياة، وبعد ذلك بسنوات تتدرج الغريزة
الثانية بالنمو فيه وذلك بعد ما ينمو الطفل ويصبح صبيّا وتتدرج
خلاياه الدماغية في التحرّك لطلب طعام المعرفة، عندئذٍ يلفت نظره
وجود كلِّ موجود وحدوث كلّ حادث يراه ويوجّه السؤال إلى والديه عن
سبب وجود الحادث. فإذا رأى الشمس ـ مثلا ـ تغرب في الافق يسأل أبويه
ويقول:
أين
تذهب الشمس في اللّيل؟
وإذا
رأى عينا نابعة في أسفل الجبل يجري منها الماء، يسألهما:
من
أين يأتي هذا الماء؟
وإذا
رأى الغيوم تسير في السماء يسألهما:
أين
تذهب هذه الغيوم؟
وهكذا يطِّرد انتباهه للموجودات وحركاتها وإيراده السؤال عن أسبابها
من والديه أو أي إنسان آخر أكبر سنّا منه يصحبه، وهذه هي الغريزة
الثانية الّتي تدفع الانسان إلى التحرّك لاشباع نهم هذه الغريزة،
وهذه الغريزة في حقيقتها هي حركة العقل البشري في سبيل كسب المعرفة
عن طريق البحث لمعرفة أسباب الحوادث، ويطَّرد عمل هذه الغريزة طوال
عمر الانسان في البحث عن سبب وجود كلّ موجود، وسبب حركة كلّ موجود
وسبب سكونه. وهذا هو السبيل الوحيد لكسب المعرفة الانسانية واكتساب
جميع العلوم البشرية. وينتهي بحث الانسان عن سبب وجود الموجود إلى
معرفة موجد الموجودات أي وجود الاله الخالق، وفي بحثه عن سبب حركة
الموجودات وسكونها إلى معرفة موجد النظام لحياة كلّ موجود، مثل سير
القمر حول الارض، والارض حول الشمس، أو حركة الذَّرّة في داخلها
وحركة الكريّات البيض والحمر في الدّمّ، وإلى مالا يعدُّ ويحصى من
أنظمة الحركة والسكون للموجودات، يهتدي الانسان في هذا النوع من
البحث إلى أنَّ للموجودات في عالمنا الارضي والسماوي وما بينهما
ربَّا نظَّم حياة كلّ فرد من الموجودات، وهذا معنى قوله تعالى في
سورة الاعراف:
(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ...) الاية.