و ـ معنى سجود الملائكة لادم (ع):
قال
الامام علي (ع) ما موجزه:
لَمْ
يَكُن سُجودُ الملائكةِ لادمَ سُجودَ طاعَةٍ، وَأنّهم عَبَدوا آدمَ
مِن دونِ اللّهِ عزَّ وَجلَّ، وَلكن اعترافا لادمَ بِالفَضيلةِ
وَرَحمةً مِنَ اللّهِ لَه (21).
شرح
الكلمات:
والاجواء جمع جَوّ: الفضاء الذي بين الارض وسائر الكواكب.
ماء
متلاطما، تَيَّاره
مُتَلاطما: تَلاطَم الماء: ضرب بعضه بعضا.
والتَّيّار: موج البحر وشدّة جريان الماء، والمتراكم: المجتمع بعضه
فوق بعض.
***
إنّ
الامام (ع) جعل الملائكة أربعة أقسام:
الاوّل: أرباب العبادة، ومنهم الراكع، والساجد، والصافّ، والمسبّح.
وقوله ((صافّون)) أي: قائمون صفوفا. لا يتزايلون أي: لا يتفارقون.
والقسم الثاني: الامناء على وحي اللّه لانبيائه، والالسنة الناطقة في
أفواه رسله، والمختلفون بالاقضية إلى العباد: بهم يقضي اللّه على من
شاء بما شاء.
والقسم الثالث: حفظة العباد، كأنهم قوى مودعة في أبدان البشر
ونفوسهم، يحفظ اللّه الموصولين بها من المهالك والمعاطب، ولولا ذلك
لكان العطب ألصق بالانسان من السلامة، ومنهم سدنة الجنان، جمع سادن:
وهو الخادم، والخادم يحفظ ما عهد إليه وأقيم على خدمته.
والقسم الرابع: حملة العرش، ولعلّهم هم المأمورون بتدبير أمر العالم
من إنزال المطر وإنبات النبات وأمثالها ممّا يتعلّق بربوبيّة ربّ
العالمين لعوالم المخلوقات.
وقوله ((المارقة من السماء)): المروق الخروج، وقوله ((الخارِجَة مِنَ
الاقطارِ أركانَهم)). والاركان: الاعضاء والجوارح، والتمثيل في
الكلام لا يخفى على أهل البصائر.
الضمير في ((دونه)) للعرش كالضمير في ((تحته)).
ومتلفّعون: من تلفّعت بالثوب، إذا التحفت به.
الحَزْن ـ بفتح فسكون ـ: الغليظ الخشن، والسهل ما يخالفه، والسبَخ:
ما مَلُحَ من الارض. وأشار باختلاف الاجزاء التي جبل منها الانسان
إلى أنّه مركّب من طباع مختلفة، وفيه استعداد للخير والشر، والحسن
والقبيح.
سَنَّ الماء: صبّه، والمراد صبّ عليها، أو ((سنّها)) هنا بمعنى ملسها
كما قال الشاعر:
ثمّ
خاصرتها إلى القبّة الخضــراء تمشي في مرمر مسنون
وقوله ((حتى خلصت)) أي: صارت طينة خالصة. لاطها: خلطها وعجنها. ملطة
وَطيَّنَه بِهِ، والبَلّة من البلل. ولَزُبَ: تداخل بعضه في بعض،
وصلبً لَزُبْ: بمعنى التصق وثبت واشتد.
الاحناء: جمع حِنْو، وهو: كل ما فيه اعوجاج من البدن كعظم الحِجاج،
واللحي، والضلع، أو هي الجوانب مطلقا. وجَبَلَ: أي خَلَقَ.
أصلدها: جعلها صلبة ملساء متينة، وصلصلت: يبست حتى كانت تسمع لها
صلصلةٌ إذا هَبَّتْ عليها رياحٌ، وذلك هو الصلصال، كأنّه قال: حتى
يبست وجفت مُعَدَّةً لوقتٍ معلوم. ويمكن أن تكون بمعنى: جبل من الارض
هذه الصورة ولايزال يحفظها لوقتٍ معدود ينتهي بيوم القيامة.
مَثُلَ، كَكَرُمَ: قامَ منتصبا. والاذهان: قوى التعقل، ويجيلها:
يحركها في المعقولات.
مختدمها: يجعلها في مآربه وأوطاره كالخدم الذين تستعملهم في خدمتك في
شؤونك كلها، والادوات: جمع أداة، وهي الالة، وتقليبها: تحريكها في
العمل بها فيما خلقت له.
معجونا: صفة ((إنسانا)) والالوان المختلفة: الضروب والفنون، وتلك
الالوان هي التي ذكرها من الحر والبرد والبلةِ والجمودِ.
استأدى الملائكة وديعته: طلب منهم أداءها، والوديعة هي عهده إليهم
بقوله:
(إنّي خالِقٌ بَشَرا مِنْ طينٍ، فإذا سوَّيتُهُ وَنفَخْتُ فيه مِنْ
روحي فَقَعوا لَهُ ساجِدينَ).
الشِّقوة: ما حتم عليه من الشّقاء، والشقاء: ضِدّ السعادة، وهو
النَّصَب الدائم والالم الملازم، وتعززه بخلقة النار: استكباره مقدار
نفسه بسبب أنّه خلق من جنس لطيف ومادة أعلى من مادةِ الصّلصال،
والصّلصال: الطّين الحُرّ خلط بالرمل أو الطِّين ما لم يُجْعَل
خَزفا. والمراد من الصلصال هنا مادّة الارض التي خَلقَ آدمَ (ع)
منها، وجنس ما خَلق منه الجن ـ وهم من الاجناس اللطيفة ـ أعلى من جنس
ما خلق منه الانسان، وهو مجبول من عناصر الارض، والنظرة ـ بفتح فكسر
ـ: الانتظار به حيّا، ما دام الانسان عامرا.
21 البحار 11 / 139.