ج ـ في خَلْقِ الانسانِ:

ثمّ جمع سبحانه من حَزْنِ الارض وسهلها، وعذبها وسَبَخِها تُربةً سنّها بالماء حتى خلصت، ولاطها بالبلة حتى لزبت، فجبل منها صورة ذات أحناء ووصولٍ وأعضاء وفصولٍ، أجمدها حتى استمسكت، وأصلدها حتى صلصلت، لوقتٍ معدودٍ، وأجلٍ معلومٍ.

ثمّ نفخ فيها من رُوحِه فتمثّلت إنسانا ذا أذهان يُجِيلُها، وفكرٍ يتصرّفُ بها، وجوارح يختدِمُها، وأدواتٍ يُقَلِّبها، ومعرفةٍ يفرّق بها بين الحقّ والباطل، والاذواق والمشام، والالوان والاجناس، معجونا بطينته الالوان المختلفة، والاشباه المؤتلفة، والاضداد المتعادية، والاخلاط‍ المتباينة، من الحرِّ والبرد، والبلةِ والجمود، والمساءة والسرورِ (17).

 د ـ في خَلْقِ الجان والشيطان وإبليس:

في البحار أيضا عن أمير المؤمنين (ع) أنّه قال:

إنّ اللّه تبارك وتعالى لمّا أحبّ أن يخلق خلقا بيده وذلك بعد ما مضى للجنّ والنسناس في الارض سبعة آلاف سنة، قال: ولمّا كان من شأن اللّه أن يخلق آدم للّذي أراد من التدبير والتقدير لما هو مكوّنه في السماوات والارض وعلمه لما أراده من ذلك كلّه، كشط عن أطباق السماوات، ثمّ قال للملائكة: أُنْظُروا إلى أَهلِ الارضِ مِن خَلْقي مِنَ الجِنِّ وَالنِّسناس.

فلمّا رأوا ما يعملون فيها من المعاصي وسفك الدماء والفساد في الارض بغير الحقّ، عظم ذلك عليهم وغضبوا للّه وأسفوا على أهل

الارض ولم يملكوا غضبهم أن قالوا: ياربّ أنت العزيز القادر الجبّار القاهر العظيم الشأن، وهذا خلقك الضعيف الذليل في أرضك يتقلّبون في قبضتك ويعيشون برزقك ويستمتعون بعافيتك وهم يعصونك بمثل هذه الذنوب العظام، لا تأسف، ولا تغضب، ولا تنتقم لنفسك لما تسمع منهم وترى، وقد عظم ذلك علينا وأكبرناه فيك.

فلمّا سمع اللّه عزّ وجلّ ذلك من الملائكة، قال: (إنّي جاعِلٌ في الارضِ خَليفةً) لي عليهم فيكون حجّة في أرضي على خلقي، فقالت

الملائكة: سُبْحانَكَ! (أَتَجْعَلُ فيها مَن يُفسدُ فيها وَيَسفِكُ الدِّماء وَنَحنُ نُسَبّحُ بِحَمدكَ وَنُقدِّسُ لك)، وقالوا: فَاجعلْهُ مِنّا فَإنّا لا نُفسِدُ في

الارضَ ولا نَسفِكُ الدِّماء.

قال اللّه جلّ جلاله: يا ملائكتي: (إنّي أَعلمُ ما لا تَعلَمُون) إني أريد أن أخلق خلقا بيدي أجعل ذرّيّته انبياء مرسلين، وعبادا صالحين، وأئمة مهتدين، أجعلهم خلفائي على خلقي في أرضي، ينهونهم عن المعاصي، وينذرونهم عذابي، ويهدونهم إلى طاعتي، ويسلكون بهم طريق سبيلي، وأجعلهم حجّة لي عذرا أو نذرا، وأُبين النّسناس من أرضي فأطهّرها منهم، وأنقل مردة الجن العصاة عن بريّتي وخلقي وخيرتي، وأسكنهم في الهواء وفي أقطار الارض، لا يجاورون نسل خلقي، وأجعل بين الجنّ وبين (18) خلقي حجابا، ولا يرى نسل خلقي الجنّ ولا يؤانسونهم ولا يخالطونهم، فمن عصاني من نسل خلقي الذين اصطفيتهم لنفسي، أسكنتهم مساكن العصاة، وأوردتهم مواردهم ولا أُبالي، فقالت الملائكة: ياربّ افعل ما شئت: (لا عِلمَ لَنا إلاّ ما عَلّمتنا إنّكَ أنْتَ العليمُ الحَكيم)، الخبر (19). 

هـ ـ في أمر الرّوح:

قال الامام علي (ع) ما موجزه:

الروح ليس هو جبرئيل، جبرئيل من الملائكة، والروح غير جبرئيل. لقول اللّه لنبيه:

(يُنزِّلُ الملائكةَ بالرُّوحِ مِنْ أَمرهِ على مَن يشاء مِن عِباده) (النحل 2). فالروح غير الملائكة، وقال:

(لَيلةُ القَدرِ خَيرٌ مِن أَلفِ شَهر* تَنَزَّلُ الملائكةُ وَالرُّوحُ فيها بإذنِ رَبِّهم). (القدر 3 ـ 4) وقال:

(يَومَ يَقومُ الرّوحُ والملائكةُ صَفّا). (النبأ 38).

وقال للملائكة في آدم وجبرئيل يومئذ مع الملائكة:

(إنّي خالِقٌ بَشَرا مِن طين* فإذا سَوَّيتُه وَنَفَختُ فيهِ مِن روُحي فَقَعُوا لَه ساجِدين) (ص 71 ـ 72). فَسَجَدَ جِبرائيل مَعَ الملائكةِ للرّوحِ.

وقال لمريم:

(فَأَرسَلنا إليها رَوحَنا فَتَمَثَّلَ لها بَشَرا سَوِيّا) (مريم 17).

وقال لمحمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلَّم:

(نَزَلَ به الرّوحُ الامين* على قَلْبِكَ).

ثمّ قال: (لِتَكونَ مِنَ المنذرين* بلسانٍ عِربيٍّ مُبين) (الشعراء 193 ـ 195).

فالروح واحدة والصور شَتّى (20).

إذا يكون الروح ـ واللّه أعلم ـ ما نفخ في آدم (ع)، وما حمله الملك الذي تمثّل لمريم (ع)، وكذلك ما يحمله الملك الذي ينزل بالوحي على النبي (ص) وأحيانا يأتي الروح الامين اسما للملك الذي يحمل الوحي للنبي (ص)، وكذلك هو روح القدس الذي أيّد اللّه به عيسى بن مريم، ويوم القيامة يقوم الروح بنفسه صفّا مع الملائكة. وهو الذي قال اللّه عنه:

(وَيَسألونكَ عَنِ الرّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أَمرِ رَبيّ) (الاسراء / 85).

اللّهمّ أحفظنا من الخطأ في الفهم والزلل في القول.


17 شرح النهج لابن أبي الحديد، تحقيق محمّد أبو الفضل ابراهيم 1 / 96 ـ 97.

18كذا في البحار. والنّسناس لم نقف على حقيقته.

19 البحار للمجلسي 63 / 82 ـ 83. عن علل الشرائع، 1 / 98.

20 الغارات للثقفي، ط. بيروت عام: 1407هـ. ص: 107 ـ 108.