نُقَلَةٌ من حالٍ إلى حال
أوّلا ـ الملائكة ومعهم إبليس:
كانت
الملائكة ومعهم إبليس يعبدون اللّه ويطيعونه في ما يأمرهم في السموات
والارض ولا يعصوه طرفة عين. حتّى أخبرهم تعالى بأنّه جاعل في الارض
خليفة فاستعلموه عن الحكمة في خلقه، فلما أنبأهم بالحكمة في أمره
وأمرهم بالسجود له أطاعوه كما كان شأنهم في طاعة سائر أوامره، ماعدا
إبليس الذي كان يطيع اللّه في سائر أوامره اللاتي كانت لا تخالف هوى
نفسه ولا تصطدم بكبريائه. أمّا في أمر السجود لادم (ع) فقد أطاع هوى
نفسه وعصى أمر ربّه وبذلك انتقل بمحض اختياره من درجة: من لا يعصون
اللّه ما أمرهم وهم بأمره يعملون، إلى درجة:
من
يصغي إلى هوى نفسه ويعصي اللّه، فكان جزاء عمله: أن أهبطه اللّه
تعالى من درجة الملائكة، وقال له:
(فَاهْبِط مِنها فَما يَكونُ لَك أن تَتكبَّر فيها) (الاعراف 13).
وفي
هذه المنزلة لم يندم على معصيته للربّ ولم يتب إليه ولم يطلب منه
المغفرة بل هوى بمحض اختياره إلى أدنى من هذه المنزلة حيث طلب من
اللّه وقال:
(أنظِرني إلى يَومِ يُبْعَثونَ* قالَ إنّكَ مِنَ المُنظَرين).
(الاعراف 14 ـ 15).
وبعد
تحصيله الوعد بِقضاء حاجته حدّد اللّعين منزلته أمام بارئه بمحض
اختياره وقال: أرأيت هذا الّذي كرَّمتَ علَيَّ لاجعلَنَّ اللّجامَ في
حنك ذريّته ولاتينهم من بين أيدِيهم ومن خلفهم وعن أَيمانهم وعن
شمائلهم ولاُزيننَّ لهم أَعمالهم ـ السيئة ـ ولا تجد أكثرهم شاكرين.
قال
اللّه سبحانه وتعالى:
(إذهَبْ فَمَن تَبِعكَ مِنهُم فَأنَّ جَهَنّمَ جَزاؤُكم جَزاء
مَوفورا) (الاسرأ 63).
هكذا
انتقل إبليس بمحض اختياره من درجة الملائكة الذين لا يعصون اللّه ما
أمرهم، إلى درجة من يعصون اللّه ما أمرهم.
ولم
يذهب في هذه الدرجة مع من يندمون على المعصية ويتوبون إلى ربّهم بل
انحدر بمحض اختياره إلى درجة الحضيض درجة من يُضِلُّ الخلق ويُصِرُّ
على إضلالهم أبد الدهر.
ثانيا ـ آدم وحواء:
بعد
أن أتمّ اللّه خلق آدم وأسجد له الملائكة وخلق حوّاء ثمّ أسكنهما
الجنّة.
ولا
بدّ أن تكون تلك الجنّة على هذه الارض لانّ اللّه سبحانه خلق آدم من
طين هذه الارض ومؤهّلا للحياة على هذه الارض ولم يرد نصُّ في الكتاب
والسنّة انّ اللّه نقل آدم بعد خلقه من هذه الارض إلى جنّة في كوكب
آخر، ثمّ أعاده مرّة ثانية إلى هذه الارض، فلا بدّ كما قلنا أن تكون
تلك الجنّة على هذه الارض غير انّه يظهر انّ تلك الجنّة كانت فريدة
في بابها وخاصّة بتلك المرحلة من مراحل تكوين آدم وحوّاء وانتهى
وجودها ـ واللّه أعلم ـ بانتهاء تلك المرحلة، وامتازت تلك الجنّة بما
أخبر اللّه عنها وقال لادم:
إنّ
لك إلا تجوع في الجنّة ولا تعرى، ولا تظمأ فيها ولا يصيبك حرّ الشمس.
وقال
له ولحواء:
كُلا
من هذه الجنّة حيث شِئتُما ولا تَقْربا هذه الشجرة فتكونا من
الظالمين لنفسيكما.
وعهد
إلى آدم أنّ الشيطان عدو له ولزوجه فلا يخرجّنهما من الجنّة.
فنسي
آدم عهد اللّه بما كرر له الشيطان اليمين باللّه أنّه ناصح له وأصغى
هو وحوّاء بمحض اختيارهما إلى وسوسة الشيطان فانتقلا مختارين من حالة
الاعتصام بقول اللّه إلى حالة التأثّر بالوسوسة، وكان جزاء عملهما
الهبوط من الجنّة إلى هذا العالم عالم حياة الكدح
والتعب والتكليف والتهيُّؤ للانتقال إلى عالم الخلد، في نعيم الجنّة
أو عذاب الجحيم.
وكذلك قبل الانسان حمل الامانة التي أخبر اللّه سبحانه وتعالى عنها
وقال في سورة الاحزاب:
(إنّا عَرَضنا الامانَةَ على الْسَّمواتِ وَالارضِ وَالجِبالِ
فَأبَينَ أن يَحمِلنَها وَأشفَقنَ مِنها وَحَمَلها الانسانُ إنّهُ
كانَ ظَلوما جَهولا* لِيُعَذِّبَ اللّهُ المنافقينَ وَالمُنافقاتِ
وَالمُشرِكينَ وَالمُشرِكاتِ وَيَتوبَ اللّهُ على المؤمنينَ
وَالمؤمناتِ وَكانَ اللّهُ غَفورا رَحيما) (الايتان 72 ـ 73).
والمراد بالامانة هنا ـ واللّه أعلم ـ التكاليف الالهيّة للانسان
والتي يلزمها التحلّي بقوى النفس الانسانية.
والمراد بعرضها على السموات والارض عرضها على غير المكلفين من الخلق،
وكان ذلكما العرض والقبول مقدّمة لاتخاذ المخلصين للّه والمصطفين من
الناس.
وعلى
هذا فإنّ معصية آدم كانت في حمله الامانة التي كان من آثارها التأثّر
بوسوسة الشيطان؛ وقد كان كلّ ذلك في مرحلة من مراحل خلق آدم (ع) لا
تشبه المرحلة الاخيرة من خلقه في عالمنا الارضي وقبل هبوطه المعنويّ
من تلك الجنّة الفريدة والخاصّة بتلك المرحلة إلى خارجها من هذه
الارض في سلسلة مراحل التكوين والانشاء. والانبياء معصومون عن إتيان
المعصية في هذا العالم وإنّ آدم (ع) هبط إلى هذا العالم الذي خلق له
بمحض اختياره، وعليه فإنّ معصية آدم (ع) تجسيد لذلك الامر المعنوي
واللّه أعلم.