ثانيا ـ آدم وحواء:

خلق اللّه لادم (ع) زوجه حواء، وأسكنهما جنة لم تكن بجنة الخلد وقال لهما: كُلا من هذه الجنّة حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين، وأخبر آدم أنّه لا يجوع في تلك الجنّة ولا يعرى، وحذّره من إبليس وقال له: إنّ هذا عدوّ لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنّة فتشقى، فزيّن لهما الشيطان أكل الشجرة المنهي عنها ليبدي ما أخفي من سوءاتهما ـ عورتيهما ـ، وأوهمهما أنّهما إن ذاقا الشجرة تغيّرت حالهما إلى حال الملائكة وأصبحا من الخالدين، وحلف لهما باللّه على ذلك، وظنّ آدم وحواء أنّ أحدا لا يقدر على الحلف باللّه كاذبا، فأوقعهما في الباطل وذاقا الشجرة فبدت سوءاتهما، وأخذا يستران عورتيهما بورق أشجار الجنّة، فناداهما ربّهما: ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إنّ الشيطان لكما عدو مبين؟ قالا: ربّنا ظلمنا أنفسنا وإنْ لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

 أين كانت جَنَّة آدم؟

أخبر اللّه سبحانه أنّه جاعل خليفة في هذه الارض، ومن أديم هذه الارض أخذ التراب الذي خلق منه آدم، وكذلك على هذه الارض أمر الملائكة بالسجود لادم، وأبى إبليس السجود لادم وكذلك أدخل آدم جنة في هذه الارض ولم ينقل آدم من هذه الارض إلى مكان آخر بعد خلقه منها، وأمر الملائكة بالسجود له في ذلك المكان، ولم ينقله من هذه الارض إلى جنّة الخلد ليكون إخراجه من جنّة الخلد إلى هذه الارض.

ودليلنا على ذلك بالاضافة إلى ما يدلّ عليه ظاهر الايات أن الذي يدخل جنّة الخلد يخلد فيها ولن يخرج منها كما تصرّح بذلك الروايات (3).

ونرى أنّ تلك الجنّة كانت في العراق من الجزيرة العربية وأنّه صحّ ما نقله صاحب كتاب قاموس الكتاب المقدس عن كثرة من العلماء أنّ الجنّة كانت في أرض الفرات (4).

ويؤيّد ذلك أنّ التوراة نصّت على تفرّع نهر جنّة آدم إلى أربعة فروع، هي: نهر الفرات ودجلة وجيحون وفيشون (5).

وجاء في كتاب قاموس الكتاب المقدّس إنّ بعض الباحثين يحتمل أنّ جيحون وفيشون في بابل (6).

إذن ليس المقصود من جيحون نهر جيحون الّذي يصبّ في بحيرة بالقرب من بلدة خوارزم والذي ذكره ياقوت الحَمَوي في معجم البُلدان.

ولمّا هبط آدم (ع) من الجنّة سكن بابل الفرات، ولما توفّي دفنه شيث في مغارة في جبل أبي قبيس في مكة، ثمّ حمل نوحٌ عظامه في سفينته (7) ودفنه بعد نزوله من السفينة في النجف (8).

وبناء على ذلك نرى أنّ خروج آدم (ع) كان من جنّة كانت بالعراق، ولما هبط منها، تحوّل إلى أرض قريبة منها في العراق، وأنّه أخذ معه من أشجار تلك الجنة أغراسا ومن حبوبها بذورا غرس بها الاشجار وزرع بها الحبوب، بتعليم اللّه أيّاه كما صرّحت الروايات بذلك (9).

أمّا سكناه في العراق فقد جاء في مادة (بابليون) من معجم البلدان: (فذكر أهل التوراة أنّ مقام آدم (ع) كان ببابل) وبابل أراضٍ كانت بين الفرات ودجلة، وفي مادّة بابل من قاموس الكتاب المقدّس ما موجزه كانت المياه ـ مياه الفرات ودجلة ـ تجري في جميع أراضيها، لذلك كانت أراضيها مشهورة بالخصب وتنتج أنواع الفواكه والحبوب، وكان اسمها القديم شنعار (سفر التكوين: الاصحاح 10 و11) ومادّة شنعار من قاموس الكتاب المقدّس.

وفي مادة بابل من معجم البلدان أنّ بعضهم قال: انّ بابل هي الكوفة وانّ نوحا بعد أن خرج من السفينة سار هو ومن معه في طلب الدف‌ء وسكنوا بابل وكثروا بها من بعد نوح.

وأمّا دفن آدم فقد جاء في روايات مدرسة الخلفاء أنّ نوحا دفنه ببيت المقدس وفي روايات مدرسة أهل البيت أنّه دفنه في النجف في المكان الذي دفن فيه جثمان الامام عليّ بعد ذلك وإن نوحا (ع) ـ أيضا ـ دفن هناك، ويؤيّد كون سكن آدم في العراق ما جاء في الروايات الاتية:

أوّلا ـ إنّ آدم (ع) حجّ إلى مكّة ووقف بالمشاعر، وإنّ توبته قبلت في عرفة، وإنّه التقى بعد ذلك بحواء في مكة وإنّ اللّه أمره ببناء البيت، ويستبعد أن يؤمر بالحج من قارة بعيدة مثل الهند، كما جاء ذلك في بعض الروايات التي لم تثبت لديّ صحتها(10).

ثانيا ـ جاء في روايات أخرى أنّه دفن في الغريّ من أرض النجف (11)، وقد ورد في روايات دفن خاتم الانبياء (ص): أنّ كلّ نبي يدفن في المكان الذي قبض فيه (12).

من مجموع ما ذكرناه يتأيّد لنا؛ أنّ جنّة آدم (ع) كانت في أراضي الفرات، وأنّه لمّا أُخرج منها هبط قريبا منها، وعندئذ أيبس اللّه تلك الجنة، وأزالها من الوجود، وأحيا آدم (ع) مكانا آخر بالغرس والزرع، واللّه أعلم.


3 ستأتي الاشارة إليه في روايات بدء الخلق عن الاوصياء.

4 قاموس الكتاب المقدّس، مادّة: عدن.

5 كتاب العهد العتيق (التوراة) طبعة ريچارد واطس لندن 1839، سفر التكوين. الاصحاح الثاني، العدد: 10 ـ 14.

6 قاموس الكتاب المقدّس، مادّة: جيحون وفيشون.وقد كتب إليّ الاُستاذ البحّاثة سامي البدري في بحثه المخطوط عن جنّة آدم:إنّ الانهار الاربعة الانفة الذكر فروع للفرات، وقد ذكر أنّه استند في بحثه على الترجمات الارامية للتوراة العبرية والسامرية وعلى متابعة أسماء فروع الفرات والمدن الواقعة عليها في التراث المسماري والهيروغليفي مضافا إلى دراسة الواقع الجغرافي لفروع نهر الفرات وأسمائها في بلدانيات الاسلاميين.

7 البحار 11 / 267.

8 البحار 11 / 268).

9 البحار 11 / 210 و211.

10 البحار 11 / 170، 180، 205، 210، 211.

11 البحار 11 / 268.

12 إبن سعد 2 / ق، 2 / 71، وسنن الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في قتلى أُحد، 4 / 235.