الجنّ في التفسير بالمأثور:

روى السيوطي في تفسير سورة الجنّ وقال:

(لم تحرس الجنّ في الفترة بين عيسى ومحمّد، فلما بعث اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم حرست السماء الدنيا ورميت الجن بالشهب، فاجتمعت إلى إبليس فقال: لقد حدث في الارض حدث فتعرَّفوا فأخبرونا ما هذا الحدث؟

فبعث هؤلاء النفر إلى تهامة وإلى جانب اليمن وهم أشراف الجن وسادتهم، فوجدوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يصلي صلاة الغداة بنخلة فسمعوه يتلو القرآن، فلما حضروه قالوا أنصتوا، فلّما قضى (يعني بذلك أنّه فرغ من صلاة الصبح) وَلَّوا إلى قومهم منذرين مؤمنين لم يشعر بهم حتى نزل (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنّهُ استَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنّ)، يقال: سبعة من أهل نصيبين) (16).

***

كان ذلكم بعض ما جاء من امر الجن والشياطين وابليس في القرآن الكريم، وجاء في الروايات ما يأتي:

أ ـ عن الامام الباقر (ع)، أنّه قال في سليمان (ع):

إنّ سليمان بن داود، قال ذات يوم لاصحابه: إنّ اللّه تبارك وتعالى قد وهب لي ملكا لاينبغي لاحد من بعدي، سخّر لي الريح، والانس، والجن، والطير، والوحوش، وعلّمني منطق الطير، وآتاني من كلّ شي‌ء، ومع جميع ما أُوتيت من الملك ما تمّ لي سرور يوم إلى الليل، وقد أحببت أن أدخل قصري في غد، وأصعد أعلاه، وأنظر إلى ممالكي، فلا تأذنوا لاحد عليّ لئلاّ يرد عليّ ما ينغص عليّ يومي، قالوا: نعم.

فلمّا كان من الغد أخذ عصاه بيده وصعد إلى أعلى موضع من قصره، ووقف متكئا على عصاه ينظر إلى ممالكه مسرورا بما أوتي، فرحا بما أعطي، إذ نظر إلى شاب حسن الوجه واللباس قد خرج عليه من بعض زوايا قصره.

فلمّا بصر به سليمان (ع) قال له: من أدخلك إلى هذا القصر وقد أردت أن أخلو فيه اليوم؟ فبإذن من دخلت؟ فقال الشاب: أدخلني هذا القصر ربّه وبإذنه دخلت، فقال: ربّه أحقّ به مني، فمن أنت؟ قال: أنا ملك الموت، قال (ع): وفيما جئت؟ قال: جئت لاقبض روحك، قال: إمض لما أمرت به، فهذا يوم سروري أبى اللّه عزّ وجلّ أن يكون لي سرور دون لقائه، فقبض ملك الموت روحه وهو متكئ على عصاه.

فبقي سليمان متكئا على عصاه وهو ميت ما شاء اللّه والناس ينظرون إليه وهم يقدّرون أنّه حي، فافتتنوا به واختلفوا، فمنهم من قال: إنّ سليمان قد بقي متّكئا على عصاه هذه الايام الكثيرة ولم يتعب ولم ينم ولم يأكل ولم يشرب؟ أنّه لربّنا الذي يجب علينا أن نعبده، وقال قوم: إنّ سليمان ساحر، وإنّه يرينا أنّه واقف متكئ على عصاه يسحر أعيننا وليس كذلك، فقال المؤمنون: أنّ سليمان هو عبد اللّه ونبيّه يدبّر اللّه أمره بما يشاء.

فلمّا اختلفوا بعث اللّه عزّ وجلّ الارضة فدبّت في عصاه، فلمّا أكلت جوفها انكسرت العصا وخرّ سليمان من قصره على وجهه، وذلك قول اللّه عزّ وجلّ:

(فَلمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ أن لَو كانوا يَعلمونَ الغَيبَ مالَبِثوا في العَذابِ المَهين) (17) (سبأ 14).

ب ـ عن الامام الصادق (ع):

عندما سئل: لاي علّة خلق اللّه عزّ وجلّ آدم عليه السلام من غير آب ولا أم؟ وخلق عيسى (ع) من غير أب؟ وخلق سائر الناس من الاباء والامهات؟

قال: ((لِيَعلمَ النّاسُ تَمامَ قُدرتَه وَكَمالها، وَيَعلموا أنّه قادرٌ على أن يَخلقَ خَلقا مِن أنثى مِن غَيرِ ذكَر، كَما هُو قادرٌ على أن يَخلقهُ مِن غَيرِ ذَكَرٍ وَلا أنثى، وَأنّهُ عزَّ وجلَّ فعلَ ذلكَ لِيُعْلَمَ أنّه على كُلِّ شي‌ء

قَدير))(18).

وفي قصص الانبياء قال:

أُمر إبليس بالسجود لادم، فقال: يارب وعزّتك إن أعفيتني من السجود لادم لاعبدنك عبادة ما عبدك أحد قط مثلها، قال اللّه جلّ جلاله، إنّي أحب أن أطاع من حيث أريد... الحديث (19).

وسئل عن إبليس:

أكان إبليس من الملائكة أم من الجنّ؟

فقال: كانت الملائكة ترى أنّه منها، وكان اللّه يعلم أنّه ليس منها، فلمّا أمر بالسجود، كان الذي كان (20)

وسُئِلَ عن جنّة آدم فقال:

جنّة من جنان الدنيا يطلع عليها الشمس والقمر، ولو كانت من جنان الخلد ما خرج منها أبدا (21).

وقال في قوله تعالى: (فَبَدَتْ لَهما سوءاتُهمُا) (طه 121). كانت سَوآتُهُما لا تُرى فَصارَت تُرى بارِزَة(22).

سأل الزنديق أبا عبد اللّه (ع)، قال:

فمن أين يصل الكهانة؟ ومن أين يخبر الناس بما يحدث؟

قال (ع): إنّ الكهانة كانت في الجاهلية في كلّ فترة من الرسل، كان الكاهن بمنزلة الحاكم يحتكمون إليه فيما يشتبه عليهم من الامور بينهم، فيخبرهم بأشياء تحدث، وذلك في وجوه شتى، من فراسة العين، وذكاء القلب، ووسوسة النفس وفطنة الروح، مع قذف في قلبه، لانّ ما يحدث في الارض من الحوادث الظاهرة، فذلك يعلمه الشيطان ويؤدّيه إلى الكاهن ويخبره بما يحدث في المنازل والاطراف.

وأمّا أخبار السماء؛ فأنّ الشياطين كانت تقعد مقاعد استراق السمع إذ ذاك وهي لا تحجب ولا ترجم بالنجوم، وإنّما منعت من استراق السمع لئلاّ يقع في الارض سبب يشاكل الوحي من خبر السماء، ويلبّس على أهل الارض ما جاءهم عن اللّه لاثبات الحجّة ونفي الشبهة.

وكان الشيطان يسترق الكلمة الواحدة من خبر السماء بما يحدث من اللّه في خلقه فيختطفها ثمّ يهبط بها إلى الارض فيقذفها إلى الكاهن، فإذا قد زاد كلمات من عنده فيختلط الحقّ بالباطل، فما أصاب الكاهن من خبر ممّا كان يخبر به فهو ما أدّاه إليه شيطانه ممّا سمعه، وما أخطأ فيه فهو من باطل ما زاد فيه، فمذ منعت الشياطين عن استراق السمع انقطعت الكهانة.

واليوم: إنّما تؤدّي الشياطين إلى كهّانها أخبارا للناس ممّا يتحدّثون به وما يحدثونه، والشياطين تؤدّي إلى الشياطين ما يحدث في البعد من الحوادث؛ من سارق سرق، ومن قاتل قتل، ومن غائب غاب، وهم بمنزلة الناس أيضا صدوق وكذوب.

فقال: كيف صعدت الشياطين إلى السماء وهم أمثال الناس في الخلقة والكثافة وقد كانوا يبنون لسليمان بن داود (ع) من البناء ما يعجز عنه ولد آدم؟

قال (ع): غلظوا لسليمان كما سخروا، وهم خلق رقيق غذاؤهم التنسّم، والدليل على ذلك صعودهم إلى السماء لاستراق السمع، ولا يقدر الجسم الكثيف على الارتقاء إليها إلاّ بسلّم أو سبب (23).

وقال الامام الصادق في الاباء:

الاباء ثلاثة: آدم؛ ولد مؤمنا، والجانّ ولد كافرا، وإبليس ولد كافرا، وليس فيهم نتاج إنّما يبيض ويفرخ وولده ذكور ليس فيهم إناث (24).

وسُئِلَ (ع) عن إبليس:

أكان من الملائكة؟ وهل كان يلي من أمر السماء شيئا؟

قال (ع): لم يكن من الملائكة، ولم يكن يلي من السماء شيئا. كان من الجنّ وكان مع الملائكة، وكانت الملائكة تراه أنّه منها، وكان اللّه يعلم أنّه ليس منها، فلما أمر بالسجود كان منه الذي كان (25).

 خلاصة البحث

الجنّ والشيطان وابليس:

أ ـ الجنُّ:

جنّ الشي‌ء وجنّ عليه: ستره، والجنُّ والجانُّ: خلق مستور لا يُرى. وأخبر اللّه في كتابه الكريم أنّه تعالى خلقم من لهيب النار المختلط بالسواد.

ب ـ الشَّيْطان:

الشيطان اسم لكلّ عاتٍ متمرّد من الانس والجنّ والحيوان. والمقصود من الشيطان في هذا البحث شياطين الجنّ.

ج ـ إبْليس:

أَبْلَسَ: حزن، تحيّر، يئس، سكت غمّا، انقطع في حجته. وابليس في هذا البحث هو المخلوق الجنّي الذي أبى أن يسجد لادم.

وأخبر اللّه عن الجنّ انّه سخّرهم لسليمان فعملوا له تماثيل ومحاريب وقدورا كبيرة، وكان فيهم من يستطيع أن يأتي بعرش بلقيس من اليمن إلى الشام قبل أن يقوم سليمان من مقامه، وأشرف عليهم متّكئا على عصاه، فتوفّاه اللّه وبقي كذلك بعد الموت والجانّ دائبون في عملهم لم يعلموا بذلك، حتى أكلت الارضة جوف عصاه فسقط، وبذلك عُلِمَ أنّ الجنّ لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا معذّبين في عملهم كلّ تلك المّدة.

وأخبر تعالى عن الشياطين أنّهم من الجنّ وانّهم كانوا يقعدون مقاعد لاستماع حوار الملائكة، ثمّ منعهم اللّه من ذلك برمي الملائكة ايّاهم بشهب تحرقهم. وكان ذلك بعد بعثة خاتم الانبياء.

وأخبر عن إبليس أنّه وسوس لادم وحواء حتّى أخرجهما من الجنّة. كما يأتي تفصيله في البحث الاتي بحوله تعالى.


16 تفسير الدر المنثور  6 / 270.

17 البحار للمجلسي، ط. طهران، 14 / 136 ـ 137 عن علل الشرائع، ص: 36، وعيون أخبار الرضا، ص: 146.

18 البحار للمجلسي، 11 / 108.

19 البحار للمجلسي، 11 / 145.

20 البحار للمجلسي، 11 / 144.

21 البحار للمجلسي، 11 / 143.

22 البحار للمجلسي، 11 / 145.

23 البحار للمجلسي، 63 / 76 ـ 77، عن الاحتجاج، ص: 185.

24 الخصال للشيخ الصدوق، 1 / 152.

25 البحار للمجلسي، 11 / 119.