خلاصة بحوث الكتاب وخاتمتها

 تنقسم روايات سيف عن حروب الردّة إلى ثلاثة أقسام: منها ما لم تقع بتاتا، واُخرى كانت مع الكفرة والمتنبّئين وليس مع المرتدّين، وثالثة مع مسلمين امتنعوا عن بيعة أبي بكر وأداء الزكاة إليه، أو بسبب قسوة الولاة معهم.

ودلّت تلك الاخبار الكاذبة على أنّ القبائل المسلمة في الجزيرة خرجت من الاسلام أفواجا وأُعيدت إليه بالسيف.

وهي مع روايات سيف في الفتوح تدلّ على انتشار الاسلام بالسيف خلافا للواقع الذي كان.

ونشر سيف ـ بالاضافة إليها ـ الخرافات في عقائد المسلمين، وحرف الاسماء واختلق الاشخاص والاماكن، مثل تحريفه عبداللّه بن وَهْب السبائي إلى عبداللّه ابن سبأ، وتحريفه السبئية من الدلالة على الانتساب إلى قبائل قحطان إلى الدلالة على الفرقة المذهبية التي اختلق اُسطورتها.

ثمّ تطور مدلول اللفظ على أفواه الناس، ومنهم أخذ أصحاب الملل والفرق ما كتبوا عنها.

مصادر:

 بدأنا الكتاب بإيراد روايات سيف في حروب الردّة، ووجدناه يقول في ما وضع من روايات لبيان حروب الردّة واختلق:

كفرت الارض وتضرّمت نارا، وارتدّت القبائل العربية عدا قريش وثقيف.

ثمّ ذكر تجمّع القبائل المرتدّة في (أبرق الربذة) وإيفادها إلى أبي بكر يقرّون بالصلاة ويمتنعون عن الزكاة، وأنّ أبا بكر امتنع عن قبول ذلك منهم، وأعدّ المدينة لمقابلتهم، ثمّ ردّهم على أعقابهم لمّا باغتوه الهجوم على المدينة.

ثمّ ذكر لابي بكر ثلاث خرجات لحربهم، وذكر كيف قاتلهم وقتلهم واستولى على أراضيهم، وجعل الابرق خاصة حمى لخيول المسلمين.

تفرّد سيف بذكر كل ذلك ولم يصدق في شي‌ء منه!

وذكر خروجا رابعا لابي بكر إلى ذي القصّة، وعقده أحد عشر لواء هناك لاُمراء حروب الردّة، وكتب عهدا لهم، وكتبا للقبائل المرتدّة، ولم يصدق في شي‌ء ممّا ذكر عدا إرسال خالد من ذي القصة.

وذكر ردّة أمّ زمل، وقتل إبادة فيها، بينما لم يصحّ شي‌ء منها، ولم توجد أمّ زمل!

وذكر ردّة الاخابث في الاعلاب، وقتل طاهر ربيب رسول اللّه منهم مقتلة عظيمة حتى أنتنت السبل من جِيَفِهم، بينما لم توجد أرض الاعلاب، ولا الناس الاخابث، ولا الصحابي القائد ربيب رسول اللّه!

لم يصحّ كل ذلك، ولم يصحّ كثير غيره ممّا قاله سيف في حروب الردّة، غير أنّ سيفا استطاع في ما وضع واختلق أنّ يشهر خبر انتشار الارتداد في القبائل العربية المسلمة بعد رسول اللّه، وأنّهم رجعوا إلى الاسلام بقوّة السيف.

وجميع ما ذكره سيف عن حروب الردّة ينقسم إلى قسمين:

منها ما وضع أخبارها واختلق شخصوها وأماكنها، ولم يصدق في شي‌ء منها، ويشكّل هذا: القسم الاكبر من أساطيره في حروب الردةّ.

ومنها حرب وقعت في حينه غير أنّ سيفا حرّف أخبارها ورواها على غير وجهها الصحيح.

وهذا ـ أيضا ـ ينقسم إلى قسمين: الاول ما كان مع كفّار موجودين منذ عصر الرسول مثل حربهم مع مسيلمة وطليحة، وليس من الصحيح وصف هؤلاء بالمرتدّين، وإنمّا كانوا كفرة، والحروب معهم حروب مع الكفرة وليس مع المرتدّين.

والثاني: حروب وقعت مع قبائل عربية مسلمة أنكرت بيعة أبي بكر، ولم تؤدّ الزكاة إليه، وغالبا ما وقعت تلك الحروب بسبب قسوة قادة أبي بكر من غير مسوّغ، نظير ما وقع بينهم وبين قبائل كندة من حرب من أجل قلوص كما رواها ابن أعثم والبلاذري والحموي.

قال الحموي في مادة حضرموت من معجم البلدان:

كان زياد بن لبيد البياضي (1) على حضرموت وكندة لمّا بويع أبو بكر، فكتب إليه أبو بكر يخبره بوفاة النبيّ (ص) ويأمره بأخذ البيعة على من قِبَلهِ من أهل حضرموت، فقام زياد فيهم خطيبا، وعرّفهم موت النبيّ، ودعاهم إلى بيعة أبي بكر، فامتنع الاشعث بن قيس من البيعة، واعتزل في كثير من كندة.

وبايع زيادا خلق آخرون، وانصرف زياد إلى منزله، وبكَّر لاخذ الصدقة كما كان يفعل.

وفي رواية اخرى: كتب أبو بكر إلى زياد بن لبيد والمهاجر بن أبي أمية المخزومي ـ وهو يومئذ على كندة ـ يأمرهما أنّ يجتمعا فتكون أيديهما يدا وأمرهما واحدا، فيأخذا له البيعة، ويقاتلا من امتنع من أداء الصدقة، وأن يستعينا بالمؤمنين على الكافرين، وبالمطيعين على العاصين والمخالفين.

قال أبن أعثم:

((فجعل قوم يعطونه الزكاة وهم طائعون، وقوم يعطونه إيّاها كارهين وزياد بن لبيد يجمع الصدقات، ولا يريهم من نفسه إلاّ الصرامة؛ غير أنّه أخذ يوما من الايام ناقة من إبل الصدقة، فوسمها وسرّحها مع الابل التي يريد أنّ يوجّه بها إلى أبي بكر 2، وكانت هذه الناقة لفتى من كندة يقال له زيد بن معاوية القشيري من بني قشير (2). فأقبل ذلك الفتى إلى رجل من سادات كندة يقال له: حارثة بن سراقة، فقال يا ابن عم! إنّ زياد بن لبيد قد أخذ لي ناقة فوسمها وجعلها مع إبل الصدقة وأنا مشغوف بها؛ فإن رأيت أن تكلّمه فيها فلعله أنّ يطلقها ويأخذ غيرها من إبلي، فإني لست أمتنع عليه. قال: فأقبل حارثة بن سراقة إلى زياد بن لبيد وقال له:

إنّ رأيت أنّ تردّ ناقة هذا الفتى عليه وتأخذ غيرها فعلت منعما!

فقال له زياد بن لبيد:

إنّها دخلت في حقّ اللّه وقد وضع عليها ميسم الصدقة ولا اُحبّ أن آخذ غيرها(3). فغضب حارثة بن سراقة من ذلك، ثمّ قال: أطلقها وأنت كريم وإلاّوأنت لئيم.

قال: فغضب زياد من ذلك ثمّ قال: لا اُطلقها حتى أنظر من يحول بيني وبينها أو يمنعها. قال: فتبسّم حارثة بن سراقة، ثمّ قال أبياتا من جملتها:

                     يمنعها شيخ بخديه الشيب‌

                                         ملمع كما يلمع الثوب

قال: ثمّ أقبل حارثة بن سراقة إلى إبل الصدقة، فأخرج الناقة بعينها، ثمّ قال لصاحبها:

خذ ناقتك إليك، فإنّ كلّمك أحد فاُحطم أنفه بالسيف!

نحن إنمّا أطعنا رسول اللّه (ص) إذ كان حيا، ولو قام رجل من أهل بيته لاطعناه، وأما ابن أبي قحافة فلا واللّه ما له في رقابنا طاعة ولا بيعة.

ثمّ أنشأ حارثة بن سراقة يقول أبياتا من جملتها:

                  أطعنا رسول اللّه إذ كان بيننا

                                        فيا عجبا ممّن يطيع أبا بكر

وفي معجم البلدان:

               أطعنا رسول اللّه ما دام وسطنا

                                 فيا قوم ما شأني وشأن أبي بكرِ

               أيورثها بكرا إذا كان بعده

                                 ‌فتلك لعمر اللّه قاصمة الظهرِ

قال ابن أعثم:

فلمّا سمع زياد بن لبيد هذه الابيات كأنّه اتّقى على ما جمع من إبل الصدقة أن تؤخذ، فخرج ليلته يريد المسير إلى أبي بكر الصديق (رض) ومعه نفر من أصحابه، فلمّا سار على مسيرة يومين من القوم، كتب إلى حارثة بن سراقة وأصحابه بهذه الابيات، من جملتها:

          نقاتلهم في اللّه واللّه غالب‌

                          على أمره حتى تطيعوا (4) أبا بكر

قال: فغضب أحياء كندة لذلك وأتت الاشعث بن قيس.

فقال الاشعث: خبرّوني يا معشر كندة! إن كان هذا رأيكم فلم دفعتم إليه زكاتكم فرحل عنكم يهدّدكم بالقتل؟!

فقال رجل من بني عمّه: صدقت واللّه يا أشعث، واللّه ما نحن إلاّ كعبيد لقريش؛ مرّةً يوجّهون إلينا أمية (5)، ومرّةً يولّون علينا مثل زياد يأخذ من أموالنا ويهدّدنا بالقتل (6).

فقال الاشعث: يا معشر كندة! إنّ كنتم على ما أرى فلتكن كلمتكم واحدة والزموا بلادكم، وحوطوا حريمكم، وامنعوا زكاة أموالكم، فإني أعلم أنّ العرب لا تقرّ بطاعة تيم بن مرّة (7) وتدع سادات البطحاء من بني هاشم إلى غيره فإنّها لنا أجود، ونحن لها أجرى وأصلح من غيرنا، لانّا ملوك من قبل أن يكون على وجه الارض قريشي ولا أبطحي (8)!

قال: ثمّ إنّ زيادا رأى أن لا يعجّل بالمسير إلى أبي بكر فأرسل إبل الصدقة إلى المدينة مع ثقة، وأمره أن لا يخبر أبا بكر بشي‌ء من أمره.

وسار زياد إلى بني ذهل بن معاوية (9) من أحياء كندة وأخبرهم بما كان، ودعاهم إلى السمع والطاعة، فأقبل إليه رجل من ساداتهم (10) يقال له الحارث ابن معاوية(11).

فقال لزياد:

إنّك لتدعو إلى طاعة رجل لم يُعهد إلينا ولا إليكم فيه عهد.

فقال له زياد بن لبيد: يا هذا صدقت! فإنّه لم يُعهد إلينا ولا إليكم فيه عهد، ولكنّا اخترناه لهذا الامر.

فقال له الحارث: أخبرني لم نحّيتم عنها أهل بيته، وهم أحق الناس بها لانّ اللّه عزّ وجلّ يقول: (وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّه).

فقال له زياد: إنّ المهاجرين والانصار أنظر لانفسهم منك.

فقال له الحارث: لا واللّه! ما أزلتموها عن أهلها إلاّ حسدا منكم لهم، وما يستقر في قلبي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم خرج من الدنيا ولم ينصب للناس علما يتبعونه، فارحل عنها أيها الرجل فإن تدعو إلى غير رضا، ثمّ أنشأ الحارث بن معاوية يقول:

           كان الرسول هو المطاع فقد مضى

                                    ‌صلّى عليه اللّه لم يستخلفِ!!

قال: فوثب عرفجة بن عبداللّه الذهلي، فقال: صدق واللّه الحارث بن معاوية!

أخرجوا هذا الرجل عنكم، فما صاحبه بأهل للخلافة ولا يستحقّها بوجه من الوجوه، وما المهاجرون والانصار بأنظر لهذه الاُمة من نبيّها محمّد (ص)؟.

قال ثمّ وثب رجل من كندة يقال له عدي فقال:

يا قوم! لا تسمعوا قول عرفجة ولا تطيعوا أمره، فإنّه يدعوكم إلى الكفر(12) ويصدّكم عن الحق، اقبلوا من زياد ما يدعوكم إليه، وارضوا بما رضي به المهاجرون والانصار، فإنّهم أنظر لانفسهم منكم.

قال: فوثب إليه نفر من بني عمّه فضربوه حتى أدموه وشتموه أقبح الشتم، ثمّ وثبوا إلى زياد فأخرجوه من ديارهم وهمّوا بقتله!

قال: فجعل زياد لا يأتي قبيلة من قبائل كندة، فيدعوهم إلى الطاعة (13) إلاّ ردّوا عليه بما يكره، فلمّا رأى ذلك سار إلى المدينة إلى أبي بكر (رض) فخبّره بما كان من القوم، وأعلمه أنّ قبائل كندة قد أزمعت على الارتداد، فجمع أبو بكر جيشا ضمّه إلى زياد فسار في أربعة آلاف يريد حضرموت.

واتّصل الخبر بقبائل كندة فكأنّهم ندموا على ما كان منهم.

ووثب أبضعة بن مالك وكان من أبناء ملوكهم فقال:

يا معشر كندة! إنَّا أضرمنا على أنفسنا نارا لا أظن أنّها تطفأ، أو تحرق منّا بشرا كثيرا. والرأي عندي أنا نتدارك ما فعلنا ونسكّن هذه الثائرة التي هاجت علينا، ونكتب إلى أبي بكر الصديق فنخبره بطاعتنا، وأن نؤدّي إليه زكاتنا طائعين غير مكرهين، وأنا قد رضينا به خليفة وإماما (14) مع إنّي أقول هذه المقالة وليست بخارج عن رأيكم غير أني أعلم إلى ما يؤول أمركم. ثمّ ذكر ابن أعثم كيف وقع الخلاف بينهم، وكيف خالفهم الاشعث وترك نصرهم، إلى قوله:

وسار زياد إلى حي من أحياء كندة يقال لهم بنو هند وكبسهم وقاتلهم

ووقعت الهزيمة عليهم، فقتل منهم جماعة وولوا الادبار واحتوى المسلمون(15) على نسائهم وذراريهم وأموالهم.

قال: ثمّ سار إلى حي منهم يقال لهم بنو العاقل، فوافاهم غافلين فلمّا أشرفت الخيل عليهم تصايحت النساء وخرج الرجال إلى الحرب فاقتتلوا ساعة ووقعت الهزيمة عليهم فانهزموا وأسلموا ديارهم ونساءهم وأموالهم واحتوى المسلمون(16) على جميع ذلك.

ثمّ سار إلى حي بني حجر ـ وهم يومئذ جمرات كندة وفرسانهم ـ فلم يشعروا إلاّ والخيل قد كبستهم في جوف الليل(17) فاقتتل القوم ساعة، وقتل منهم مائتا رجل، وأسر خمسون وولّى الباقون الادبار، واحتوى المسلمون على قليلهم وكثيرهم.

ثمّ سار إلى حي بني حِمْيَر فالتقوا للقتال، فقتل من المسلمين عشرون ومنهم قريبا من ذلك، ووقعت الهزيمة عليهم فولّوا الادبار واحتوى المسلمون على النساء والاولاد!

وبلغ الاشعث ما فعله زياد فغضب فقال:

يقتل ـ زياد ـ قومي وبني عمي ويسبي النساء والذراري ويحوي الاموال وأقعد عنه؟!

فنادى الاشعث في بني عمّه وسار بهم إلى زياد والتقى به قريبا من مدينة تريم(18).

وقاتله حتى هزمه وقتل منهم نيفا وثلاثمائة رجل، فدخل زياد ومن معه مدينة تريم، وتحصنوا بها، واحتوى الاشعث على تلك الاموال والذراري فردها إلى أهلها.

واجتمع على الاشعث خلق كثير من كندة، وحاصروا زيادا ومن معه بها، فكتب زياد إلى أبي بكر يخبره بذلك، فاغتم أبو بكر ولم يجد بدّا من الكتابة إلى الاشعث بن قيس بالرضا، فكتب إليه:

بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبداللّه بن عثمان خليفة رسول اللّه (ص) إلى الاشعث بن قيس ومن معه من قبائل كندة، أما بعد، فإنّ اللّه تبارك وتعالى يقول في كتابه المنزل على نبيّه (ص): (اتقوا اللّه حقّ تقاته ولا تموتن إلاّ وأنتم مسلمون)(19).

وأنا آمركم بتقوى اللّه وحده، وأنهاكم أن لا تنقضوا عهده، وأن لا ترجعوا عن دينه إلى غيره(20) فلا تتّبعوا الهوى فيضلّكم عن سبيل اللّه، وإن كان، إنّما حملكم على الرجوع عن دين الاسلام، ومنع الزكاة ما فعله بكم عاملي زياد بن لبيد(21) فأنّي أعزله عنكم، واولي عليكم من تحبون، وقد امرت حامل كتابي هذا إن انتم قبلتم الحق أن يأمر زيادا بالانصراف عنكم، فراجعوا، وتوبوا من قريب وفقنا اللّه وإياكم لكل ما فيه رضا! والسلام.

وكتب حسان بن ثابت الانصاري إليهم في آخر الكتاب.

          ما البَكْرُ إلا كالفَصيلِ وَقدْ تَرَى‌

                                   أنّ الفَصِيل عَلَيه ليسَ بعارِ

         إنَّا وَمَا حَجَّ الحجيجُ لبَيْتِه‌ِ

                                   رُكبْان مَكَّةَ مَعْشَرُ الانْصارِ

        نَفْري جماجِمَكُمْ بكلُ مُهنَدٍ

                                   ضَرْبَ القُدارِ مَبادِي الايْسَارِ

        حتى تُكنوه بفَحْلِ هُنَيْدة

                                   ‌ٍيَحْمي الطرُوقَةَ بازِلٍ هَدّارِ(22)

فلمّا وصل الكتاب إلى الاشعث وقرأه، قال للرسول:

إنّ صاحبك أبا بكر يلزمنا الكفر بمخالفتنا له، ولا يلزم صاحبه الكفر بقتله قومي وبني عمي!

فقال له الرسول: نعم يا أشعث! يلزمك الكفر لانّ اللّه تبارك وتعالى قد أوجب عليك الكفر بمخالفتك لجماعة المسلمين(23)!

فوثب إليه غلام من بني عم الاشعث، فضربه بسيفه ضربة فلق هامته فسقط‍ ميتا!

فقال له الاشعث: أحسنت! للّه أبوك لقد قصرت العتاب وأسرعت الجواب!

فوثب أبو قرة الكندي مغضبا: فقال:

يا أشعث! لا واللّه ما يوافقك أحد منا على مثل هذا الامر أبدا! تقتل الرسول بلا ذنب كان منه، ولا سبيل لك عليه، ثمّ انصرف مع قومه.

ثمّ وثب أبو الشمر الكندي، فقال:

يا أشعث! لقد ركبت عظيما من الامر بقتلك من لا ذنب له، وذلك أنّا نقاتل من يقاتلنا، فأما قتل الرسول فلا.

فقال الاشعث: يا هؤلاء! لا تعجلوا فإنّه قد شهد عليّ وعليكم بالكفر

وبعد! فلم آمر بقتله، ولا ساءني ذلك.

ثمّ قام الاخر، فقال: إنَّا رجونا أنّك تعتذر إلينا بعذر نقبله منك، فاجبتنا بما قد انفرنا عنك، وايم اللّه لو كنت ذا أرب، لغيرت هذا ولم تركب العدوان والظلم بقتلك رسولا لا جرم له!

وقال الاخر: ارحلوا عن هذا الظالم حتى يعلم اللّه عزّ وجلّ انكم لم ترضوا بما فعل.

فتفرّق عن الاشعث عامة أصحابه حتى بقي في قريب من الفي رجل.

وكتب زياد إلى أبي بكر (رض) يخبره بقتل الرسول وأنّه وأصحابه محاصرون في مدينة تريم أشدّ الحصار، فاستشار أبو بكر المسلمين في ما يصنع في أمر كندة، فأشار عليه أبو أيوب الانصاري وقال:

إنّ القوم كثر عددهم وفيهم نخوة الملك ومنعه وإذا هموا بالجمع جمعوا خلقا كثيرا، فلو صرفت عنهم الخيل في عامك هذا، وصفحت عن اموالهم لرجوت أن ينيبوا إلى الحق، وأنّ يحملوا الزكاة إليك بعد هذا العام طائعين.

قال: فقال أبو بكر: واللّه يا أبا أيوب! لو منعوني عقالاً واحدا ممّا كان النبيّ (ص) وظَّفه عليهم لقاتلتهم عليه أبدا (24)، أو ينيبوا إلى الحق صغرة وقمأة!

ثمّ كتب إلى عِكرمة بن أبي جهل(25) أن يسير بمن أجابه من أهل مكة إلى زياد، ويستنهض معه من مر عليه من أحياء العرب فخرج في ألفي فارس من قريش ومواليهم وأحلافهم ثمّ سار حتى صار إلى نجران وبها يومئذٍ جرير بن عبداللّه البجلي(26) في بني عمه فدعاه إلى حرب الاشعث فأبى.

ثمّ سار إلى مأرب فنزلها وبلغ ذلك أهل دبا فغضبوا من مسير عكرمة، وقالوا: نشغله عن محاربة بني عمنا من كندة وغيرهم من قبائل اليمن، فطردوا حذيفة بن محصن ـ عامل أبي بكر ـ عن بلدهم فالتجأ إلى عكرمة وكتب إلى أبي بكر (رض) بخبره فاغتاظ أبو بكر وكتب إلى عكرمة:

((أما بعد فإني كنت كتبت إليك، وأمرتك بالمسير إلى حضرموت، فإذا قرأت كتابي هذا فسر إلى أهل دبا على بركة اللّه عزّ وجّل، فأنزل بهم ما هم له أهل، ولا تقصرن في ما كتبت به إليك، فإذا فرغت من أمرهم فابعث بهم إليّ اُسراء، وسر إلى زياد بن لبيد فعسى اللّه عزّ وجّل أنّ يفتح على يديك بلاد حضرموت إنّ شاء اللّه تعالى ولا حول ولا قوة إلاّ باللّه العلي العظيم)).

فسار إليهم عكرمة وقاتلهم وحاصرهم، فلمّا اشتد عليهم الحصار أرسلوا إلى عاملهم حذيفة بن محصن يسألونه الصلح على أنّهم يؤدون الزكاة ويرجعون إلى محبته. فأرسل إليهم عاملهم أن لا صلح بيننا وبينكم إلاّ على إقرار منكم بأنّا على حق وانتم على باطل، وأنّ قتيلنا في الجنة وقتيلكم في النار(27) وعلى أنّ نحكم فيكم بما رأينا! فاجابوه إلى ذلك فارسل إليهم أن اخرجوا عن مدينتكم بلا سلاح، ففعلوا.

فدخل عكرمة حصنهم وقتل أشرافهم صبرا، وسبي نساءهم وأولادهم، وأخذ أموالهم، ووجه بالباقين إلى أبي بكر فهمّ أن يقتل الرجال ويقسم النساء والذرية فقال له عمر:

يا خليفة رسول اللّه: انّ القوم على دين الاسلام وذلك أني اراهم يحلفون باللّه مجتهدين ما كنا رجعنا عن دين الاسلام فحبسهم أبو بكر إلى أنّ توفي واطلق عمر سراحهم على عهده.

ثمّ سار عكرمة إلى زياد فبلغ خبره الاشعث فانحاز إلى حصن  النجير وجمع فيه نساءه ونساء قومه.

ثمّ وقعت بينه وبين زياد وقعات(28)، وسمعت بذلك قبائل كندة ممن كان تفرق عن الاشعث لمّا قتل رسول أبي بكر، فقال بعضهم لبعض:

يا قومنا! إنّ بني عمنا قد حصروا في حصن النجير وهذا عار علينا أنّ نسلمهم فسيروا بنا إليهم، فسارت قبائل كندة تريد محاربتهم فبلغ زيادا مسيرهم فجزع لذلك، فقال له عكرمة:

أرى أنّ تقيم محاصرا لمن في الحصن وأمضي أنا فألقى هؤلاء القوم.

فقال زياد: نعم ما رأيت: ولكن إن ظفر اللّه بهم فلا ترفع السيف عنهم حتّى تبيدهم عن آخرهم(29).

فقال عكرمة: لست آلو جهدا في ما أقدر عليه!

فسار عكرمة حتى وافى القوم فاقتتلوا ووقعت الهزيمة على أصحاب عكرمة وجاء الليل فحجز بين الفريقين، فلمّا كان من الغد دنا بعضهم من بعض فاقتتلوا حتى أمسوا، والاشعث بن قيس في خلال ذلك لا يعلم شيئا من ذلك وطال عليهم الحصار واشتد بهم الجوع والعطش فأرسل إلى زياد أن يعطيه الامان ولاهل بيته ولعشرة من وجوه اصحابه فأجابه زياد إلى ذلك، وكتب بينهم فظن أهل الحصن أنّ الاشعث قد أخذ لهم الامان بأجمعهم، فسكتوا ولم يقولوا شيئا وكتب زياد إلى عكرمة يخبره، فقال عكرمة للذين يقاتلونه: على ماذا تقاتلون؟

قالوا: نقاتلكم على صاحبنا الاشعث بن قيس.

فقال: فإنّ صاحبكم قد طلب الامان، ورمى الكتاب إليهم، فلمّا  قرأوه.

قالوا: يا هذا! انصرف لا حاجة لنا في قتالك بعد هذا.

ثمّ انصرفوا عن محاربة عكرمة وهم يسبون الاشعث ويلعنونه!

وقال عكرمة لاصحابه: أسرعوا السير إلى إخوانكم فإنّ الاشعث قد طلب الامان، ولعلّه إنّ غنم زياد وأصحابه ما في الحصن لا يشركونكم في شي‌ء من ذلك لانهم قد سبقوكم إلى فتح الحصن، فلمّا قدموا إليه والاشعث بعد لم ينزل من الحصن وهو يستوثق لنفسه ولمن معه، فقال له زياد:

ما صنعت مع قبائل كندة؟

فقال له: صنعت واللّه: إني لقيت قوما لهم أقدار وأخطار، وصبر على الموت، فلم أزل أحاربهم حتى علمت أنّ انتصافهم مني أكثر من انتصافي منهم، وأتاني كتابك يخبر أنّ الاشعث يطلب الامان، فكففت عن رحب القوم وانصرفت إليك.

فقال زياد: لا واللّه: ولكنك جبنت فضعفت وكععت عن الحروب، ألم آمرك أنّ تضع سيفك فيهم ثمّ لا ترفعه عنهم وفيهم عين تطرف، فانصرفت إليّ باصحابك خوفا من أنّ تفوتك الغنيمة قبّح اللّه من يزعم أنك شجاع القلب بعد هذا.

فغضب عكرمة وقال: أما واللّه يا زياد! لو لقيتهم وقد أزمعوا على حربك لرأيت اُسوداً تحمي أشبالاً وتكافح أبطالاً ذات أنياب حداد ومخاليب شداد، ولتمنّيت انهم ينصرفون عنك ويخلونك، وبعد! فانك أظلم وأغشم وأجبن قلبا وأشح نفسا وأيبس، إذ قاتلت هؤلاء القوم وشننت هذه الحروب بينك وبينهم بسبب ناقة واحدة لا أَقل ولا أكثر، ولو لم أغثك بجنودي هؤلاء لعلمت أنك تكون رهين سيوفهم وأسير أوامعهم.

ثمّ نادي عكرمة في أصحابه وهمّ بالرحيل، فاعتذر إليه زياد ممّا تكلّم به، وقبل عكرمة عذره.

ونزل الاشعث من الحصن في أهل بيته وعشيرته من رؤساء بني عمه مع أهاليهم وأموالهم وأولادهم، ولم يكن أخذ الاشعث لنفسه الامان، فقال زياد: لم تسألني الامان لنفسك، واللّه لاقتلنك.

فقال الاشعث: انا كنت الطالب لقومي الامان فلم اكن اثبت نفسي مع غيري، وأما قولك: إنك تقتلني، فواللّه لئن قتلتني لتجلبنّ عليك وعلى صاحبك اليمن بأجمعها، فينسيك ما قد مضى.

فدخل زياد الحصن وجعل يأخذ المقاتلة ويضرب أعناقهم صبرا، فقالوا له:

إنّما فتحنا باب الحصن لان الاشعث خبرنا أنك أعطيت الامان، فلم تقتلنا؟!

فقال زياد: كذب الاشعث، ما أثبت في الكتاب غيره وغير أهل بيته وعشرة من بني عمّه، فسكتوا وعلموا أنّ الاشعث هو الذي أسلمهم للقتل! وبينما زياد يضرب أعناقهم إذ ورد عليه كتاب أبي بكر وفيه: أنّه بلغني أنّ الاشعث قد سأل الامان ونزل على حكمي، فاحمله إلى ولا تقتلن أحدا من أشراف كندة.

فقال زياد: لو سبق هذا الكتاب قتلي هؤلاء ما قتلت منهم أحدا.

ثمّ جمع من بقي منهم فصفدهم بالحديد وكانوا ثمانين رجلا ووجههم إلى أبي بكر، فلمّا دخلوا عليه واُوقفوا بين يديه قال للاشعث:

الحمد للّه الذي أمكن منك.

فقال الاشعث: لعمري لقد أمكنك اللّه مني وقد كان مني ما كان من غيري، وذلك أنّ صاحبك زيادا قتل قومي ظلما وعدوانا، فكان مني ما قد علمت.

فوثب عمر بن الخطاب وقال: يا خليفة رسول اللّه! هذا الاشعث قد كان مسلما آمن بالنبي (ص) وقرأ القرآن وحجّ البيت ثمّ رجع عن دينه وغيَّر وبدَّل منع الزكاة وقد قال النبيّ (ص): من بدّل دينه فاقتلوه، وقد وسّع اللّه عليك فاقتله فدمه حلال!

فقال الاشعث: يا خليفة رسول اللّه! اني ما غيّرت ولا بدّلت ولا شححت على مالي، ولكن عاملك زياد بن لبيد جار على قومي، فقتل منهم من لا ذنب له فأنفت لذلك، وانتصرت لقومي فقاتلته. وقد كان مني ما كان واني أفدي نفسي وهؤلاء الملوك وأطلق كل أسير في بلاد اليمن وأكون عونا لك وناصرا ما بقيت على أنّ تزوّجني أختك أم فروة بنت أبي قحافة، فاني لك نعم الصهر.

فقال أبو بكر: قد فعلت. وزوجه أخته، وأحسن إليه غاية الاحسان، وكان عنده بأفضل المنازل وأرفعها)).

إنتهى.

*          *          *

أجمع المؤرخون على أنّ تلك الحروب كافة وقعت من أجل قلوص نفس بها صاحبها وتضرّع إلى زياد أنّ يأخذ غيرها مكانها فأبى  فتشفع له رئيس من قومه فردّه زياد.

وكرهوا ذكر تفاصيلها لما تستوجب نقد الصحابة الكبار عدا ابن أعثم الذي أخذنا بعض الشرح منه.

ومن الغريب أنّهم أثنوا على زياد في ما فعل ووصفوه بالحازم الصلب في حين أنّ رسول اللّه (ص) نهى عن مثل هذه القسوة في حديث رواه من أصحاب الصحاح: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والدارمي ومالك، كما رواه أحمد ـ أيضا ـ في مسنده ونحن نرويه عن البخاري، قال: قال رسول اللّه (ص) لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن:

إنك ستأتي قوم أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلاّاللّه، وأنّ محمدا رسول اللّه، فإنّ هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أنّ اللّه قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أنّ اللّه قد فرض عليهم صدقةً تُؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم.

فانّ هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتّق دعوة المظلوم، فانّه ليس بينها وبين اللّه حجاب.

قال ابن حجر في شرح الحديث بفتح الباري:

((والكرائم جمع الكريمة أي نفيسة)) ففيه ترك أخذ خيار المال والنكتة فيه أنّ الزكاة لمواساة الفقراء فلا يناسب ذلك، الا جحاف بمال الاغنياء.

((واتّق دعوة المظلوم: أي تجنب الظلم لئلا يدعو عليك المظلوم)).

((والنكتة في ذكره عقب المنع من أخذ الكرائم الاشارة إلى أنّ أخذها ظلم)).

أخذ هؤلاء الزكاة لا ليردّوها على فقرائهم في الحي، بل ليبعثوا بها إلى سادة قريش في المدينة، وعصوا أمر الرسول بأخذهم كرائم أموالهم ولم يتّقوا دعوة المظلوم، وأعلنوا ـ بسبب قلوص ـ حربا دونها حرب البسوس في الجاهلية (30).

وأعظم من كل ما فعلوا؛ رميهم المسلمين بالردّة، وشاركهم المؤرخون في ذلك حتى اليوم.

ونظير هذه الوقائع وأقسى منها، وقيعة خالد بمالك بن نويرة (31).

قال ابن أعثم:

ضرب خالد عسكره بأرض بني تميم، وبثّ السرايا في البلاد يمنةً ويسرةً فوقعت سرية من تلك السرايا على مالك بن نويرة فإذا هو في حائط له ومعه امرأته وجماعة من بني عمّه، فلم يرع مالك إلاّ والخيل أحدقت به فأخذوه أسيرا، وأخذوا امرأته معه ـ وكانت بها مسحة من جمال ـ وأخذوا كل من كان من بني عمّه فأتوا بهم إلى خالد بن الوليد حتى اُوقفوا بين يديه، فأمر خالد بضرب أعناق بني عمّه بديا.

فقال القوم: إنّا مُسلمون فعلى ماذا تأمر بقتلنا؟!

قال خالد: واللّه لاقتلنكم!

فقال له شيخ منهم: أليس قد نهاكم أبو بكر أن تقتلوا من صلّى للقبلة؟!

فقال خالد بلى! قد أمرنا بذلك، ولكنّكم لم تصلّوا ساعة قطّ!

قال: فوثب أبو قتادة إلى خالد فقال: أشهد أنك لا سبيل لك عليهم.

قال خالد: وكيف ذلك؟!

قال: لانّي كنت في السرية التي قد وافتهم فلمّا نظروا إلينا، قالوا: ((من اين أنتم؟)) قلنا: نحن المسلمون، فقالوا: ((ونحن المسلمون)) ثمّ أذَّنّا وصلّينا فصلّوا معنا.

فقال خالد: صدقت يا أبا قتادة، إن كانوا قد صلّوا معكم فقد منعوا الزكاة التي تجب عليهم، ولا بدّ من قتلهم.

قال: فرفع شيخ منهم صوته وتكلم فلم يلتفت خالد إليه، وإلى مقالته فقدّمهم وضرب أعناقهم عن آخرهم.

قال: وكان أبو قتادة قد عاهد اللّه أنّه لا يشهد مع خالد بن الوليد مشهدا أبدا بعد ذلك اليوم.

قال: ثمّ قدّم خالد مالك بن نويرة ليضرب عنقه، فقال مالك: أتقتلني وأنا مسلم اُصلي إلى القبلة!

فقال له خالد: لو كنت مسلما لما منعت الزكاة، ولا أمرت قومك بمنعها. واللّه ما نلت ما في مثابتك حتى أقتلك.

قال: فالتفت مالك بن نويرة إلى امرأته فنظر إليها ثمّ قال:

يا خالد! بهذه قتلتني!

فقال خالد: بل ا قتلك برجوعك عن دين الاسلام، وجفلك لابل الصدقة، وأمرك لقومك بحبس ما يجب عليهم من زكاة أموالهم.

ثمّ قدّمه فضرب عنقه صبرا. فيقال إنّ خالد بن الوليد: تزوج بأمرأة مالك ودخل بها وعلى ذلك جمع أهل العلم!

*          *          *

يبغت جيش أبي بكر جمعا من المسلمين الذين لم يشهروا سيفا ولم يعلنوا حربا! بل أعلنوا إسلامهم مرّةً بعد اُخرى، وصلّوا معهم، أخذوهم اُسارى وضربوا اعناقهم صبرا بتهمة امتناعهم من دفع الزكاة ليروا هل يدفعونها أم يمتنعون!

ويتّهم مالك خالدا بأنه يقتله من أجل زوجته ويصدّق خالد قوله بزواجه من امرأة مالك بعد قتله!

أهذه حروب من أجل إرتداد هؤلاء عن الاسلام، أم من اجل زوجة

مالك؟!

أم من أجل قلوص لم يرض المصدق تبديلها؟!

أم من أجل توقفهم عن بيعة أبي بكر، وامتناعهم من دفع الزكاة إليه؟!

وكيف ما كان الامر؛ فإنّ وصف هذه الحروب الردّة منذ عصر الصحابة وإلى اليوم، بالاضافة إلى ما رواه سيف واختلق باسم حروب الردّة.

كل ذلك بمجموعه يدلّ على أنّ الاسلام لم يكن متمكّنا في قلوب المسلمين، وأنّ القبائل المسلمة في الجزيرة العربية خرجت من الاسلام أفواجا، وأنّها اُعيدت إلى الاسلام بقوة السيف!

كما أنّ ما رواه سيف عن الفتح يري أنّ الجيوش الاسلامية قتلت مئات الالوف من أبناء الاُمم المجاورة حتى خضعت للاسلام في حين أن الواقع  كان خلاف ذلك وأنّ الاُمم كان تساعد المسلمين على حكّامهم، كما وقع ذلك من أهل حمص وغيرهم من أهالي المدن الشامية مع الروم. قال البلاذري:

إنّه لمّا جمع هرقل للمسلمين الجموع، وبلغ المسلمين إقبالهم إليهم لوقعة اليرموك؛ ردّوا على أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الخراج وقالوا:

شغلنا عن نصرتكم والدفع عنكم فأنتم على أمركم.

فقال أهل حمص: لولايتكم وعدلكم أحب إلينا ممّا كنا فيه من الظلم والغشم، ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع عاملكم!

ونهض اليهود فقالوا:

والتوراة! لا يدخل عامل هرقل مدينة حمص إلاّ أنّ نُغلَب ونجهد.

فأغلقوا الابواب وحرسوها، وكذلك فعل أهل المدن التي صولحت من النصارى واليهود.

قال: فلمّا هزم اللّه الكفرة وأظهر المسلمين؛ فتحوا مدنهم وأخرجوا

المقلّسين(32) فلعبوا وأدّوا الخراج.

ووقع نظير ذلك في سواد العراق من قبل الدهاقين (33) مع الفرس قال الحموي:

وكان الدهاقين ناصحوا المسلمين ودلّوهم على عورات فارس وأهدوا لهم وأقاموا لهم الاسواق ثمّ توجّه سعد نحو المدائن إلى يزدجرد ـ إلى قوله ـ فلم يجد معابر، فدلّوه على مخاضة عند قرية الصيادين أسفل المدائن فأخاضوها الخيل حتّى عبروا وهرب يزدجرد.

هكذا يجد الباحث خلال النصوص التاريخية الصحيحة أدلّة على استقبال الاُمم للمسلمين وإعانتهم على حكامهم، وأنّ القتال كان بين المسلمين والحكام المتسلّطين على الشعوب، غير أنّ المدّونات التاريخية بعد سيف رجعت جلّها إلى روايات سيف، وفي روايات سيف يجد القارئ أنّ الجيوش الاسلامية أبادت بشرا كثيرا، وهدمت مدنا، خلافا للواقع الذي كان، مثل ما ذكر في فتوح العراق.

قال سيف: إنّ المسلمين أبادوا الجيش الفارسي في غزوة ذات السلاسل. في حين أنّ هذه المعركة لم تقع بتاتا، ولم تقع معركة الثني في العراق، ولا معركة المذار فيها، ولا الولجة، ولا أُلَّيس، ولا أمغيشيا، بل لم توجد مدينة أمغيشيا التي قال سيف: إنّ المسلمين هدموها، وكذلك لم تقع معركة يوم المقر، وفم فرات بادقلي.

ولم يقع كثير غيرهن من معارك مع الفرس والروم والتي ذكرها سيف في فتوحه.

تفردٌ سيف بذكر جميعها، وكذب في كل ما ذكر عنها، وخاصة في ما وصف من قتل المسلمين مئات الاُلوف من أبناء سائر الاُمم في تلك الحروب.

وكان نتيجة انتشار رواياته أن ينتشر الاعتقاد بأنّ الاسلام انتشر بالسيف، فيقول أمثال المستشرق (اجناس جولت تسهير):

((وجدت أمام أعيننا رقعة فسيحة كبيرة للاسلام، جاوزت الوطن (34) وقد فتحت بقوة السيف)).

ويقول عن الحاكمين: ((هؤلاء الحاكمون المتّجهون إلى الدنيا كانوا أكثر اهتماما بالانظمة القانونية الدينية التي تقوّي من شأن الدولة والتي تدعوا إلى الاستيلاء على ما فتحوه بالسيف من أجل الجنس العربي)) (35).

وقال بوليدور فير جيل: إنّ الاسلام انتشر بحدّ السيف وشيوعية المرأة (36).

لم يقتصر ضرر روايات سيف على هذا فحسب، بل نشر أساطير كثيرة دسّ بواسطتها الخرافات في عقائد المسلمين، مثل:

اُسطورة تناول خالد سم ساعة دون أن يؤثّر فيه.

وأسطورة تهدّم دور حمص بتكبيرتين من المسلمين.

وأُسطورة فتح السوس بدق الدجال بابها برجله وقوله: إنفتح بظار.

وأُسطورة إخبار شيطان الاسود المتنبي الكذاب الاسود بالغيب، وقيامه بأعمال خارقة شبيهة بمعجزات الانبياء.

وكذلك شوَّش على المسلمين تاريخهم في ما حرّف من أسماء وصحف مثل:

تصحيفه اسم (عبد المسيح بن عمرو) مفاوض خالد في صلح الحيرة إلى (عمرو بن عبد المسيح).

واسمي (معاوية وعمرو بن العاص) في حديث لعن النبيّ إياهما إلى (معاوية بن رافع وعمرو بن رفاعة).

واسم (عبد الرحمن بن ملجم) ـ قاتل الامام ـ في رواياته عن السبئيين إلى (خالد بن ملجم).

ومن أنواع التحريف عند سيف اختلاق أشخاص اُسطوريين وتسميتهم بأسماء أشخاص وجدوا حقيقة مثل:

اختلاقه (خزيمة بن ثابت الانصاري) الذي زعمه غير ذي الشهادتين، مرادفا لاسم (خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين).

و(سماك بن خرشة) الذي زعمه غير أبي دجانة مرادفا لاسم (سَماك بن خرشة أبي دجانة).

و(وبرة بن يحنس الخزاعي) مرادفا لاسم الصحابي (وبر بن يحنس الكلبي).

هذا بالاضافة إلى اختلاقه كثيرا من الاسماء ارتجالا ليجعلهم أبطالا

لاساطيره، وقد مر في هذا الكتاب من مختلقاته من الصحابة.

الاسود بن قطبة، وأعبد بن فدكي، وحميضة بن النعمان، وثمامة بن أوس بن لام الطائي، وشخريت، وطاهر بن أبي هالة، وعاصم بن عمرو الاُسيدي، وعثمان بن ربيعة الثقفي، وعصمة بن عبداللّه، والقعقاع بن عمرو بن مالك العمري، ونافع بن الاسود التميمي، ومهلهل بن زيد بن لام الطائي.

ومن الصحابة الرواة:

ظفر بن دهي، وعبيد بن صخر بن لوذان الانصاري السلمي، وأبو

الزهراء القشيري.

ومن الصحابة الشعراء:

زياد بن حنظلة التميمي، وضريس القيسي.

ومن الرواة غير الصحابة.

بحر بن فرات العجلي، وحبيب بن ربيعة الاسدي، وحنظلة بن زياد بن حنظلة، وزياد بن سرجس الاحمري، وسهل بن يوسف بن سهل الانصاري السلمي، وعبد الرحمن بن سياه الاحمري، وعبداللّه بن سعيد بن ثابت بن الجذع الانصاري، وعروة بن غزيّة الدثيني، وعمارة بن فلان الاسدي، والغصن بن القاسم الكناني، ومحمد بن نويرة بن عبداللّه، والمستنير بن يزيد والمقطع بن هيثم البكائي، والمهلّب بن عقبة، ويزيد بن اُسيد الغساني.

ومن الشعراء غير الصحابة: الخطيل بن أوس.

ومن الاماكن:

أبرق الربذة، والاخابث، والاعلاب، وجيروت، والحمقتين، ورياضة

الروضات، وذات الخيم، وسنح في بلاد طيّ، والصبرات، وظهور الشحر، واللبان، والمر، ونضدون، وينعب.

ومن قادة الفرس:

الاندرزغر، وأنو شجان، وبهمن جاذويه، وقارن بن قريانس، وقباذ وكثير غيرهم.

ومن قادة الروم: أرطبون ـ أدهى الروم، وغير هؤلاء.

ومن أمثلة التحريف عنده تحريف اسم عبداللّه بن وَهْب السبائي رئيس الخوارج إلى عبداللّه بن سبأ الذي زعمه رئيسا للسبئيين.

ومن أمثلة وضعه أسماء مرادفة لاسماء، وضعه (السبئية) للفرقة التي اختلق اُسطورتها مرادفا (للسبئية) الدالّة على الانتساب إلى القبائل اليمنية. ثمّ تطورت دلالة السبئية في التاريخ كما يلي:

كانت السبئية تدلّ على الانتساب إلى القبائل اليمانية من سلالة سبأ بن يشجب مدى القرون في كل مكان.

حتى إذا كان أوائل الحكم الاموي استعملت السبئية في الكوفة نبزا لتلك القبائل على ولائها لعلي بن أبي طالب (ع) كما وجدنا ذلك في النص الرسمي الذي كتبه زياد إلى معاوية حيث نبزهم بالترابية (37) تعييرا لهم كذلك.

وكلّما تقدم الزمن وقويت شوكة خصومهم العدنانيين في مقابل ضعف هؤلاء ازدادت الكلمة دلالة على ذم القبائل المنتسبة إليها وخاصة بعد إخمادهم ثورة المختار؛ فإنّ سلاح الاراجيف بقي مشهورا ضده وضد أنصاره من القبائل السبائية حتى اليوم.

وفي أوائل العهد العباسي وجدنا السبائية استعملت في نص رسمي أقرب ما يكون إلى الواقع من أي نص آخر من قبل خصومهم في أي وقت آخر، فقد وجدنا الخليفة السفّاح يقول في خطبته:

((وزعمت السبائية الضلاّل أنّ غيرنا أحقّ بالرياسة والسياسة والخلافة)).

إذا فكل ذنب هؤلاء أنّهم كانوا يرون غير الخلفاء أحقّ بالرياسة

والسياسة والخلافة من الخلفاء. وهذا هو منشا الخلاف بينهم وبين غيرهم.

وفي هذا العصر بالذات أو قبله بقليل؛ وضع سيف اُسطورته السبئية ليقول:

إنّ هذه العقيدة إنمّا نشأت من قبل يهودي اسمه عبداللّه بن سبأ وسمي هؤلاء  بالسبئية لانتسابهم إليه (38).

وكان ذلك مبدأ تطور دلالة اللفظ من الدلالة على المنسوبين إلى القبائل السبائية مع النبز بعقيدتها إلى الدلالة على المنسوبين إلى يهودي جاء بمذهب جديد.

ولكن هذا المذهب لم يكن عند سيف أكثر من عقيدة بأنّ عليّا وصي النبيّ، وأنّ غيره قد غصب حقه . وقد وضعت الاُسطورة تفسرا للاحداث التي وقعت في عصر عثمان، وضدّ من ناوأه.

ولو عرف سيف للسبئية عقيدة اُخرى ـ كما قيل عنها بعد ذلك بقرنين ـ لمّا تورّع عن نبز، السبئيين بها.

جرى في الكوفة خاصة كل ما ذكرنا من تطوّر مدلول السبئية، وفي الوقت نفسه كانت السبئية تدل في بلاد بعيدة عن الكوفة ـ مثل اليمن ومصر والاندلس ـ على الانتساب إلى القبائل اليمانية، واستمرّت في الدلالة عليها إلى أواسط القرن الثالث الهجري.

وفي بلاد الشرق المسلم نقل علماء كبار (مثل الطبري) الاُسطورة السبئية عن سيف فانتشرت في كل مكان واشتهرت حتى نُسيت دلالة السبئية على المنسوبين إلى قبائل قحطان ودلّت في كل مكان على المنسوبين إلى عبداللّه بن سبأ.

وحدث تطوّر آخر في مدلول اللفظ، فبينّما كانت السبئية في النصوص الصحيحة وفي ما وضعه سيف واختلق؛ تدلّ على من يعتقد بأنّ عليّا أحقّ بالخلافة، أو أنّه وأولاده أحق بها، وإذا بها في أوائل القرن الرابع تدلّ على من يعتقد بألوهية عليّ ابن أبي طالب، فكيف حدث هذا التطوّر؟!

الجواب: إنّه بعد اشتهار اُسطورة سيف في كل مكان، أصبح عبداللّه بن سبأ من قبيل الابطال الاُسطورييّن الذين تحوك الشعوب حولهم من خيالها أساطير لا تقف عند حدّ، ولمّا كان أهل الملل والنحل يسجّلون العقائد السائدة في المجتمع كان يلزمهم الرجوع إلى المجتمع لتسجيل ما يعتقدون، وإلى الكتب لنقل المدوّن فيها عنهم. لهذا رجعوا إلى الناس وأخذوا منهم ما كانوا يعتقدونه عن السبئية في عصر الامام، ولمّا كان الناس لا يقفون عند حدّ في ما يتخيّلون عن السبئية فقد تنامت الاُسطورة وتكثّرت في كتب اهل الملل والنحل تبعا لتناميها وتكثّرها عند الناس، وكان من عادة القصّاصين الشعبيين في المجتمع الاسلامي يومذاك وضع اسانيد لاساطيرهم تقليداً للرواة والمحدّثين ـ كما شاهدنا ذلك في ما رووا من قصص النسناس ـ وذلك اخترعوا أسانيد لبعض تلك الاساطير.

ومن كتب أهل الملل والنحل انتقلت الاسطورة بأسانيدها إلى سائر الكتب، ومن الجائز تسرّب بعضها إلى رجال الكشّي الذي قالوا فيه وفي كتابه.

((كان ثقة عينا روى عن الضعفاء كثيرا وصحب العياشي وأخذ عنه وتخرّج عليه، له كتاب الرجال. كثير العلم. وفيه أغلاط كثيرة)).

وقالوا عن استاذه العياشي:

((كان يروي عن الضعفاء كثيرا، وكان أول أمره عاميّ المذهب، وسمع حديث العامة فأكثر منه.)).

من الجائز، تسرب بعض تلك الاساطير إلى رجال الكشي، ثمّ تسربت منه إلى سائر الكتب كما شاهدنا ذلك في ما سبق.

ولم يقتصر الامر في ذلك على عبداللّه بن سبأ وحده، ولا على كتاب رجال الكشّي وحده، كما لم ينحصر هدفنا من نشر هذه البحوث في البرهنة على أنّ عبداللّه بن سبأ شخصية اُسطورية أو أنّ من بحثنا عنهم من صحابة مختلقين هم شخوص اُسطورية أو أنّ بعض الاماكن المترجمة في الكتب البلدانية مختلقة، أو نثبت أنّ بعض الشعر أو الكتب السياسية أو الخرافات الاُسطورية التي يتمسّك بها المنقبيّون مدسوسة، أو أنّ بعض رواة الاخبار مختلقون لم يوجدوا ليرووا لنا رواية أو خبرا.

لم يكن هدفنا من هذه البحوث المضنية ما ذكرناه آنفا فحسب.

بل لانا وجدنا انصرافا معيبا عن تدارس سيرة النبيّ وأهل بيته وأصحابه.

ولمّا كانت روايات السيرة والتاريخ وكتبهما لم يعن بتدارسها والمحافظة عليها منذ احقاب طويلة. فقد ضاعت مع الاسف الشديد آلاف الكتب الموثوقة في الباب، أمثال كتب أصحاب الائمة، ثمّ حل محلّها أمثال تاريخ الطبري الذي يحوي من دسّ الزنادقة الشي‌ء الكثير.

وبما أنّ عقائد المسلمين تنشأ بصوره عفوية من تدارس سيرة النبيّ وأهل بيته وأ صحابه، ومنه ينشأ تصوّرهم للاسلام وفهمهم له، وعلى ضوء ذلك الفهم يفسّرون القرآن والحديث ويؤوّلونهما.

أضف إليه أنّ أمثال تلك الاحاديث قد تسرّبت من تلكم الكتب إلى كثير من كتبنا الاخرى أمثال كتب التفسير.

ومن ثمّ فإنّا نرى أنّ أثر تلك الروايات لم يقتصر على تشويش أفكار عامة الناس دون الخاصة بل يوشك أن يكون الجميع فيه على حدٍ سواء!

ومن أجل ما ذكرنا لم ينحصر هدفنا من نشر بحوثنا في بيان عدد المختلقات في كتب السير والتاريخ، ولا في بيان كيف أنّ أخبارها تسرّبت إليها وحسب، بل استهدفنا ـ بالاضافة إلى ذلك ـ التنبيه على مدى ضرورة قيام اُمة من العلماء بتدارس كتب السير والتاريخ، وتدارس حال رواة أخبارها، وتدارس متون الاحاديث فيها، وعقد القواعد لتلك الدراسات، كما عملوا مع أحاديث الاحكام.

وأن يقدّموا للمجتمع الاسلامي بعد ذلك نتائج بحوثهم في السيرة تباعا؛ كما يفعلون ذلك في أبواب الفقه.

كان هذا أهم ما استهدفناه من نشر بحوثنا في الحديث والتاريخ. واللّه من وراء القصد.

اللّهمّ اجعلنا من الّذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه وآجر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

تمّ تحريره صبيحة يوم الخميس 18 / ع 2 / 1392ه‍‍ بقلم مرتضى العسكري ابن السيد محمد آل شيخ الاسلام ابن السيد إسماعيل بن محمد بن رضي الدين بن احمد بن رضي الدين بن أحمد الحسيني. حشرهم اللّه مع أجدادهم محمد وأهل بيته صلوات اللّه عليهم أجمعين.


 

1  أبو عبداللّه زياد بن لبيد بن سنان الانصاري الخزرجي البياضي، استعمله رسول اللّه (ص) على حضرموت، وكتب إليه أبو بكر وأقرّه، توفي زياد في أول أيام معاوية. راجع أُسد الغابة (2 / 217) ونسبه في جمهرة ابن حزم (ص 356).
2  بنو قشير قبيلة من سعد العشيرة بنواحي حضرموت. تاج العروس (3 / 493).
قال البلاذري: ((وكان زياد بن لبيد رجلا حازما صلبا فأخذ في الصدقة من بعض كندة قلوصا فسأله الكندي ردها عليه وأخذ غيرها، وكان قد وسمها بميسم الصدقة، فأبى ذلك، وكلمه الاشعث بن قيس فيه فلم يجيبه وقال: لست براد شيئا قد وضع الميسم عليه، فانتقضت عليه كندة كلها إلاّ السكون فإنّهم كانوا معه.
وقال في رواية اخرى: إنّ زيادا وأبا أمية أخذا من رجل من كندة في الصدقة بكرة من الابل فسألهما اخذ غيرها فسامحه المهاجر وأبى زياد إلاّ اخذها.
كذا في كتاب الفتوح لابن أعثم، والسياق يقتضي أن يكون الفعل ((يطيعوا)) ليناسب الفعل المذكور في أول البيت ((نقاتلهم)) (المصحح).
5  نرى الصواب (أبا أمية).
6  أوردنا محاوريتهما بإيجاز.
ورد في النسخة (تميم بن مرة) ونراها من تحريف النساخ والصواب (تيم بن مرة) وهم قبيلة أبي بكر:
وقال الراجز في وقعة الجمل: ((أطعنا بني تيم بن مرة شقوة* وهل تيم إلاّ اعبد وإماء))، ويقصد متابعتهم لام المؤمنين عائشة بنت أبي بكر. راجع احاديث أم المؤمنين عائشة ص 172 ونسبهم في الجمهرة (ص: 135).
لعله يشير إلى سلسلة ملوك السبئية من حمير وغيرهم الذين سبقوا قريشا بدهر.
في صفة جزيرة العرب للهمداني (ص 85): ذهل بن معاوية، بطن كان يقيم بحضرموت ـ راجع معجم قبائل العرب لعمر رضا كحالة.
10  ورد في النسخة (من سادات بني تميم) ونراه من تحريف النساخ والصواب ما اثبتناه لانّ الحي كان من احياء كندة. ومن الجائز أن تكون تميم بطنا من كندة.
11  ورد ذكر الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن كندة في جمهرة ابن حزم (ص 477).
12 يقصد بالكفر مخالفتهم ما رضي به المهاجرون والانصار من طاعة أبي بكر على حد زعمه!
13  كان زياد يدعوهم إلى طاعة أبي بكر وأداء الزكاة إليه كما تصرح هذه النصوص ولم يكن أولئك إلاّمسلمين يقرون بالصلاة والزكاة ويستنكرون خلافة أبي بكر ولا يؤدون الزكاة إليه وكان الخلاف بينهم على ذلك.
14  تدل كل النصوص على أنّ الخلاف كان على خلافة أبي بكر وإمامته!
15  اعتاد المؤرخون تبعا لحكومة الخلفأ أنّ يسموا جيوش أبي بكر بالمسلمين ، ومن قابلهم بالخارجين عن الا سلام ، وبقيت الحالة كذلك حتى اليوم .
16 ـ اعتاد المؤرخون تبعا لحكومة الخلفاء أنّ يسموا جيوش أبي بكر بالمسلمين، ومن قابلهم بالخارجين عن الاسلام، وبقيت الحالة كذلك حتى اليوم!!!
17  هكذا كانت معارك جيش أبي بكر مع أحياء كندة غارة ليلية على أناس غافلين ثمّ قتلهم وأسرهم.
18  تريم: اسم احدى مدينتي حضرموت، وهما شبام وتريم سميتا باسمي القبيلتين. معجم البلدان.
19  سورة آل عمران (آية 102).
20  لست ادري إلى أيّ دين نسبهم أبو بكر وهم يشهدون الشهادتين ويصلُّون إلى الكعبة.
21  يعترف أبو بكر بخطأ عامله في ما فعل!
22  ديوان حسان بن ثابت ص 120. ط. دار صادر ـ بيروت 1381ه‍‍.
23  ومرة اخرى نجد التصريح بأنّ كفرهم مخالفتهم لمن يسمونهم بجماعة المسلمين ومرة اخرى نجد الغلظة من جماعة أبي بكر بينما كان المقام يقتضي الملاينة لجمع الكلمة!
24  هذا هو سبب الخلاف ليس غيره هل يدفعون الزكاة إلى أبي بكر كما كانوا يدفعونه إلى النبيّ أم لا، وليس الخلاف على اسلامهم ولا على قبولهم الزكاة.
25  أبو عثمان عكرمة بن أبي جهل بن هشام القرشي المخزومي وأمه أم مجالد الهلالية واسم أبي جهل عمرو كان عكرمة كأبيه شديد العداوة لرسول اللّه في الجاهلية واسلم بعد فتح مكة بقليل وقتل في وقعة فحل، أُسد الغابة (4 / 4 ـ 7).
26  جرير بن عبداللّه بن جابر البجلي واختلفوا في بجيلة أهم من يمن أم من نزار امّره عمر على بجيلة في الفتوح بالعراق وتوفي سنة احدى او اربع وخمسين، أُسد الغابة (1 / 279 ـ 280).
27  كأنّ اللّه ينفذ يوم القيامة ما يقرره ولاة أبي بكر! ومرة اخرى قسوة من ولاة أبي بكر وفظاظة!.
28  اوردها ابن أعثم مفصلا.
29  هكذا ولاة أبي بكر ينصح بعضهم بعضا أنّ يبيدوا عباد اللّه المسلمين.
30  قيل: انّها حرب وقعت بين بني بكر وبني تغلب من آل وائل بسبب ناقة قتلت ويضرب بها المثل ـ‍ راجع نهاية الارب (413) الحرب الاُولى من حروب أيام العرب، والاغاني 1 / 139.
31  أوردنا في الجزء الاول من هذا الكتاب تفصيل قصته، وكيف حرَّفها سيف. غير أنّا لم نورد هناك رواية ابن أعثم ولهذا أوردناها هنا.
32 ـ قلَّس القوم بتشديد اللام: استقبلوا الولاة عند قدومهم بضرب الدفوف والغناء واصناف اللهو.
33  الدهقان: التاجر ورئيس الاقليم.
34  يقصد الوطن العربي.
35  وهذا الفهم الخاطئ عن الفتوح ـ أيضا ـ انتشر من روايات سيف، فإنّه صور تلك الحروب على شكل حروب من أجل غلبة العنصر العربي.
36  .283 ..2790 .cit .or .Norman .Danial
37 يتضح ذلك بجلاء من تصريح زياد باسمائهم وتعيين جرائمهم كما مر بيانه في فصل (حقيقة ابن سبأ والسبائية).
38  ولا تفوتنا الاشارة إلى أنّ سيفا كان من ألد خصوم القبائل السبائية، وانّه يرميهم في جل رواياته بابشع التهم كما ذكرنا ذلك في أكثر من مرة، وقد اشتفى منهم في ما رماهم به في هذه الاسطورة.