خلاصة البحث:
إنّ لفظة السبئية كانت تدلّ منذ
الجاهلية على المنسوبين إلى سبأ بن يشجب، كان أحدهم عبداللّه بن وهب السبائي أول
رئيس للخوارج، وبعد وقوع الفتن بين فرعِي قبيلَتي عدنان وقحطان في المدينة والكوفة؛
أخذت العدنانية تنبزهم بالسبئية ابتداء من عصر بني اُمية بالكوفة، وكان النبز،
بالسبئية غامضا غير محدَّد المعنى حتى ظهور تأليف سيف بن عمر في أوائل القرن
الثاني الهجري بالكوفة حيث اختلق ـ بدافع من زندقته وتعصّبه للعدنانية ـ الاسطورة
السبئية، وحرف فيها لفظة السبئية من الدلالة على الانتساب إلى قبائل قحطان
إلىالانتساب إلى الفرقة المذهبية التي أسّسها عبداللّه بن سبأ على حدّ زعمه.
أما اسم (عبداللّه بن سبأ) المؤسّس
المزعوم للفرقة المذهبية، فإمّا أن يكون سيف قد صحّف لفظة (عبداللّه السبائي) إلى
(عبداللّه بن سبأ) كما يظهر ذلك من قول الاشعري، والسمعاني، والمقريزي، أو أنّه
اختلق اُسطورته وارتجل اسمه، أي
أنّه اختلقهما معا. وعلى أي حال
فإنّه لم يكن لعبد اللّه بن سبأ غير عبداللّه بن وَهْب السبائي وجود في عصرَي عثمان
وعليّ بتاتا كما بيّناه في محلّه.
* * *
انتشرت اُسطورة سيف خلال القرن
الثاني وأوائل الثالث في بلاد العراق
(34) الكوفة والبصرة وبغداد وما والاها، ونسي
فيها، مدلول السبئي الاول (الانتساب إلى قبائل قحطان) وأصبحت السبئية لا تدلّ فيها
على غير الفرقة المذهبية التي اختلقها سيف.
بينما بقيت في الزمن نفسه محتفظة ـ
في بلاد اليمن ومصر والاندلس ـ بدلالتها على الانتساب إلى قبائل قحطان.
إذا كانت لفظة السبئية خلال القرن
الثاني الهجري وأوائل القرن الثالث تدلّ على معنيين متغايرين، فهي في بلاد الشرق
المسلم تدلّ على الفرقة المذهبية، وفي غيرها على الانتساب إلى قبائل قحطان.
ثمّ نمت الاُسطورة المذهبية
وتطوّرت على أفواه الناس حتى دلّت في القرن الثالث على من يعتقد الاُلوهية للامام
عليّ بن أبي طالب (ع).
وأخيرا نُسي المدلول النسبي
للسبئية في كل مكان، ولم يتبادر إلى ذهن السامع من لفظة السبئية غير المدلول
المذهبي، أي المعتقد بوصاية عليّ أو اُلوهيته.
وكذلك الامر في ابن سبأ؛ فقد نُسي
(عبداللّه السبائي) رئيس الخوارج واشتهر عبداللّه بن سبأ الذي اخترع المذهب المزعوم
الاول أو الثاني على حدّ زعمهم والتبس الامر على العلماء ـ أحيانا ـ وأخطأوا في فهم
بعض الاخبار التي
تخصّ الاول وظنّوا انّها تخصّ
الثاني واستمرَّ هذا اللبس طوال القرون الماضية.
على أنّ اللبس لم ينحصر بهما، بل
مثلهما في ذلك مثل التحريف والتصحيف اللذين وقعا في آلاف الكلمات ممّا أحصاها
العلماء في مؤلفاتهم، وما فاتهم التنبيه عليها حتّى اليوم أكثر.
وكذلك الامر بالنسبة إلى سيف،
فإنّه لم ينحصر تحريفه وتصحيفه بهذين اللفظين فحسب، بل مثلهما عنده مثل فعله في
غيرهما ممّا ذكرنا بعضها في مؤلّفاتنا.
ويختلف تحريف سيف وتصحيفه عن غيره
في أنّه من الجائز أنّ يكون التحريف من غيره وقع خطأً وعلى غير عمد، بينما هو عامد
في فعله؛ ويقصد الدسّ والتشويش بدافع الزندقة، بالاضافة إلى تعصّبه لقبيلته.
ويختلف ـ أيضا ـ تحريفه واختلاقه
عن غيره في أنّه دسّ واختلق وحرّف وصحّف وفقا لهوى السلطات ورغبة مختلف طبقات
الناس، وبذلك ضمن لمّا اختلق ودسّ وحرّف الرواج والانتشار المدهش على مدى العصور.
وخفي على العلماء أمرها كما خفي
عليهم اختلاق سيف عشرات الصحابة والرواة والشعراء، وكذلك اختلاق أخبارهم.
إذا فليس أمر التحريف والاختلاق في
ابن سبأ والسبئية بمستغرَب من سيف، وليس بمستغَرب خفاء أمرهما على العلماء على مدى
العصور، بل هما موافقان للقواعد المألوفة في نظائرهما.
* * *
أما الروايات التي رُويت في الكتب
عن أئمّة أهل البيت وفيها ذكر ابن سبأ فنقول فيها:
إنّ الرواية لا تُصيّر غير الموجود
موجودا، وقد مرّ علينا في البحث عن كلمة عبداللّه بن سبأ أنّه لم يوجد شخص باسم
عبداللّه بن سبأ في عصرَي عثمان وعليّ بتاتا، اللّهمّ إلاّ عبداللّه السبائي ابن
وَهْب، فما أمكن صدقها من تلكم الروايات على عبداللّه السبائي جاز صدقها وصحّة
صدورها منهم مثل رواية:
اعتراضه على الامام في رفع اليدين
للدعاء.
أو رواية جلب المسيّب إيّاه إلى
الامام لتكهّنه بالغيب.
أو رواية ابتلاء الامام به.
وما لم يمكن صدقها على عبداللّه
السبائي ابن وَهْب فموضوع على الائمة، ومدسوس على علماء الحديث
(35)؛ فإنّه لا يصحّ
أي خبر أو أيّة رواية عن شخص مختلق مثل عبداللّه بن سبأ أو القعقاع بن عمرو، حين لم
يوجد أحدهما بتاتا.
وكذلك الامر بالنسبة إلى السبئية،
فإنّ كل خبر أو رواية جاز صدقها على المنسوبين إلى قحطان؛ جاز صدقها وصحّتها، وكل
خبر لم يجز صدقه عليهم؛ مفترى ومختلق.
* * *
بعد كل ما سبق من شرح وبيان، إن
كان هناك من لم يقبل بما ذكرناه؛ فليؤمن بكل تلك الاساطير إيمان العجائز بخرافاتها
التقليدية.
34 ـ وجدنا عند ابي مخنف العالم الكوفي المتوفى 157 ه رواية من روايات سيف عن
الاسطورة السبئية .
راجع البحث التمهيدي الاول من كتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق) ص 10 .
35 نقل ابن الجوزي في كتابه الموضوعات (1 / 37 ـ 38): (انّ ابن أبي العوجاء كان
ربيب حماد بن سلمة، وكان يدس الاحاديث في كتب حماد فلمّا اخذه محمد بن سليمان ـ
والي الكوفة ـ وامر بضرب عنقه وايقن بالقتل، قال: واللّه لقد وضعت فيكم أربعة آلاف
حديث...).
وقال: ((وقد كان في هؤلاء الزنادقة من يغفل الشيخ فيدس في كتابه ما ليس من حديثه
فيرويه ذلك الشيخ ظنا منه أنّ ذلك من حديثه)) الموضوعات (1 / 38).