خلاصَة وَخَاتِمَة
السبائية نسبة إلى سبأ بن يشحب
ومرادفة لليمانية والقحطانية ويقابلها العدنانية، اجتماع
القبيلتين في المدينة، تنافرهما على ماء المريسيع وفي السقيفة، إبعاد
اليمانية من الحكم، تقرب الامام إيّاهم، نقمة قريش من الامام بسببهم، شكوى
الامام من قريش، تجمع السبئية على الامام، رئيس الخوارج
سبئي، قتل الامام وتغلّب العدنانية، السبئيون ينصرون
المختار على العدنانية، عليه ونبزه بادعاء النبوة ونبز جماعته
بالسبائية، انقسام العرب إلى عدنانية وقحطانية، سيف يضع أساطير في ذم
قحطان ومدح عدنان ويختلق الاسطورة السبئية، تطور مدلول
السبئية وتعدد ابن سبأ، تصحيف عبداللّه السبائي إلى عبداللّه بن
سبأ، اختلاق الصحابة، مصادر، خلاصة البحث.
السبئية وابن سبأ في التاريخ:
إنّ السبئية وجدت منذ العصر
الجاهلي، وكانت تدلّ على الانتساب إلى سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ومرادفة
للقحطانية، وكذلك كانت مرادفة لليمانية نسبة إلى بلدهم الاول اليمن.
والسبائية والقحطانية واليمانية
تقابل العدنانية والنزارية والمضرية اللاتي كانت تدل على الانتساب إلى مضر بن نزار
بن عدنان من أولاد إسماعيل بن إبراهيم الخليل، وانتمى إلى كل قبيلـة حلفاؤها
ومواليها، ونسبوا إليهم أحيانا(12).
* * *
اجتمع فرعا القبيلتين في المدينة
وكوّنا المجتمع الاسلامي الاول بزعامة النبيّ (ص)، وسمّي المنسوبون إلى قحطان
بالانصار وكانوا هم أهل البلد ـ المدينة ـ قبل ذلك، كما سميّ المنسوبون إلى عدنان
والذين هاجروا إلى المدينة مع حلفائهم بالمهاجرين.
وقع أول تنافر بين فرعَي القبيلتين
في الاسلام على ماء المريسيع في غزوة بني المصطلق حيث نادى أجير المهاجرين: يا
للمهاجرين! ونادى الانصاري: يا للانصار!
وكادت أن تقع الفتنة، وقال: أحد
رؤوس المنافقين (عبداللّه بن أُبَي): ((لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاَعزُّ منها
الاَذَلُّ)) وأخمد النبيّ الفتنة بحكمته(13).
ثمّ وقعت الفتنة بين القبيلتين في
سقيفة بني ساعدة يوم وفاة الرسول (ص) حيث اجتمع الانصار فيها ليولّوا سعد بن عبادة
على المسلمين ، وقابلهم المهاجرون الذين التحقوا بهم فيها بترشيح أبي بكر وتغلّبوا
عليهم وكوّنوا خلافة قرشية(14) أُبعد فيها الانصار عن الحكم، فلم يؤمِّروهم على
جيش، ولم يولّوهم على بلد
(15) إلاّ نادرا.
ثمّ أصبحت الخلافة بعد ذلك دولة
أُموية في عصر عثمان واستولى بنو أُمية على مصر والشام والكوفة والبصرة والمدينة،
واستولى حلفائهم على غيرها، وعاملوا المسلمين بقسوة فثاروا عليهم وجاءوا إلى
المدينة، وقتلوا الخليفة الاُموي في داره، وعادت اُمور المسلمين إلى أنفسهم فبايعوا
الامام عليّ بن أبي طالب بالاجماع، فحكم بالسوية، وعدل في الرعية، وساوى في
العطاء(16) وولّى الانصار على الولايات. فقد ولّى على البصرة عثمان بن خنيف، وعلى
المدينة سهل بن حنيف(17) وعلى مصر قيس بن سعد بن عبادة(18)، وعلى الكوفة عند مسيره
إلى الشام أبا مسعود الانصاري، وعلى الجزيرة وما والاها الاشتر السبائي(19).
فكرهت قريش سياسته وثارت عليه في
الحمل وصفّين، وكان الامام يشكو قريشا كثيرا، قال في نهج البلاغة:
((اللّهمّ إني أستعديك على قريش
ومن، أعانهم، فإنّهم قطعوا رحمي وصغَّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمرا هو
لي، ثمّ قالوا: ألا إن في الحق أن تأخذه وفي الحق أن تتركه))(20).
وقال:
((مالي ولقريش! واللّه لقد قاتلتهم
كافرين ولاُقاتلنّهم مفتونين، وإنّي لصاحبهم بالامس، كما إنّي صاحبهم اليوم))(21).
وقال في كتابه لعقيل:
((فدع عنك قريشا وتركاضهم في
الضلال، وتجوالهم في الشقاق، وجماحهم في التيه، فإنّهم قد أجمعوا على حربي كإجماعهم
على حرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قبلي، فجزت عني قريشا الجوازي! فقد
قطعوا رحمي، وسلبوني سلطان ابن أمّي))(22).
وكان ينصره في وقائعه ضد قريش
العدنانية رؤوس السبئيين أمثال عديّ بن حاتم الطائي السبائي، ومالك الاشتر الهمداني
السبائي (23)، وعبداللّه بن بديل الخزاعي السبائي، وحُجر بن عديّ الكندي السبائي،
وقيس بن سعد بن عبادة الانصاري السبائي، إلى غير هؤلاء من رؤوس قبائل اليمن
السبائية (24).
ثمّ تجمّع بعد صفّين شذّاذ من
القبائل العربية القاطنة في الكوفة والبصرة ـ وكان جلّهم من شيعة الامام ـ وخرجوا
على جميع المسلمين، وكونوا فرقة (الخوارج) ورأُسوا عليهم عبداللّه بن وَهْب السبائي
فقاتلهم الامام في نهروان، وقتل في المعركة رئيسهم عبداللّه السبائي.
ثمّ سقط الامام في محرابه شهيدا
بسيف أحد هؤلاء الخوارج، وتغلّبت ـ قريش ـ العدنانية على الحكم، وأُبعد الانصار
السبائيون، ولاقوا جفوةً شديدةً، وقطعت رؤوس رؤساء القبائل السبائية من شيعة عليّ
بالكوفة وممّن والاهم من الموالي من قِبَل دَعِيَّي قريش (زياد وابنه)، وصُلبوا على
جذوع النخل وهُدمت دورهم، فاستغاثوا بالحسين بعد الحسن فجاء لينقذهم والاسلام
والمسلمين من ظلم اُمية القرشية العدنانية، ولكن الدعي ابن زياد كان قد تغلّب على
الكوفة وقتل سفير الحسين مسلم بن عقيل ورئيس القبائل السبائية هاني بن عروة
المرادي، وجمع حوله رؤوس العدنانية: عمر بن سعد القرشي، وشبث بن ربعي التميمي
العدناني، وشمر بن ذي الجوشن الضبابي العدناني، وجهّز جيشا جرّارا عبّأ فيه كلّ
المقاتلين من أجناد الكوفة بعد أن خدَّر أحاسيس حثالات رؤساء القبائل المناوئة له
بالاغراء والتهديد، وسقط آل الرسول وخاصّتهم شهداء صرعى بكربلاء.
وهلك يزيد، واستيقظ ضمير أهل
الكوفة من سباته العميق، فثاروا على أنفسهم بقيادة المختار، والتفّ حوله القبائل
السبئية بقيادة إبراهيم بن الاشتر السبائي، فأخذ يقطف رؤوس رؤساء العدنانية من قتلة
الحسين أمثال عمر بن سعد وابن زياد وشمر بن ذي الجوشن، ونظرائهم.
والتفّت العدنانية حول أحد أبنائها
(مصعب بن الزبير) وحاربت السبئية وأحلافها الموالى حتى قضوا على المختار وثورته،
واُغمد السيف، وبقي سلاح الاراجيف التي حاربوا بها المختار مشهورا تتناقلها الالسن
جيلا بعد جيل، وتسجّله أقلام الكُتَّاب في المؤلّفات حتى زعموا أنّه ادّعى تلقّي
الوحي والنبوّة.
ولم يكن أنصاره من أفراد القبائل
السبئية بمنأىً عن الغمز واللمز
(25).
بدأ الامر هكذا في المدينة
(26)
وفي الكوفة، ثمّ انتشر الشرّ بين قبائل عدنان وقحطان وتوسّع حتى شملهما في كلّ
مكان. اُريقت فيه دماء، واُزهقت فيه نفوس، ونظمت على أثره قصائد في المدح والهجاء،
ثمّ اشتدّت الخصومة بينهما في اُخريات العهد الاُموي.
في هذا الجو الملتهب بالتنافر
والتناحر ظهر سيف بن عمر التميمي العدناني في الكوفة، وقدَّم مؤلَّفين كبيرين في
التاريخ: أوّلهما في (الردّة والفتوح)، والثاني في (الجمل ومسير عليّ وعائشة) وقد
حشاهما بأنواع من التحريف والتصحيف والاختلاق والدسّ والتزييف، اختلق فيهما اُمّة
من الشعراء واُخرى من رواة الاحاديث، وكذلك من الصحابة والتابعين وقادة الفتوح، جعل
فيهما كل صاحب منقبة ممّا اختلق من قبيلته تميم خاصة، ومن قبائل عدنان عامة، ونسب
كل منقصة للسبائيين واختلق لهم المعايب، ومن أهمّ ما اختلق في معايب قحطان:
الاسطورة السبئية، حيث جعلهم فيها
أتباع عبداللّه بن سبأ، ابن الامة
السوداء، وحرّف بذلك مدلول كلمة
(السبئية) من الدلالة على الانتساب إلى قبيلة قحطان؛ إلى المدلول المذهبي الجديد
الذي اخترعه هو، أي الانتساب إلىعبداللّه ابن سبأ وأنهم من أتباعه.
ونسب إلى السبئية جميع آثام عصر
عثمان، فهم الذين نشروا الاكاذيب على الولاة من بني أُميّة العدنايين، وأثاروا
المسلمين عليهم في كلّ مكان، ثمّ تجمّعوا في المدينة وقتلوا عثمان.
وهم الذين أنشبوا حرب الجمل دون
علم رؤساء الجانبين من العدنانيين.
وبذلك نزّه العدنانيين (مروان
وسعيدا والوليد ومعاوية وعبداللّه بن سعد بن أبي سرح وطلحة والزبير وعائشة، وعشرات
غيرهم) مما انتُقدوا عليه، ونسب كل ذلك إلى السبائية.
وفي عمله هذا فاق سيف جميع اُدباء
عصره من أفراد القبائل السبائية والعدنانية الذين نظموا القصائد في مدح قبيلتهم وذم
المنافسة لها، فإنّه غيّر وجه التاريخ الاسلامي على حساب قبيلته، وأربى على ذلك حين
اختلق اُمّةً من
الشعراء روى عنهم الشعر في الحرب
والسلم في مدح عدنان وعيب قحطان.
* * *
حرّف سيف مدلول كلمة السبئية إلى
المدلول المذهبي الجديد، وصحّف كذلك (عبداللّه السبائي) إلى (عبداللّه بن سبأ)
ليجعله مؤسس السبئية.
هكذا اختلق الاُسطورة واختلق
بطلها!!! وراجت الاُسطورة وشاعت، واشتهر عبداللّه بن سبأ في مقابل عبداللّه بن
وَهْب السبائي، بينما كانت السبئية في عصر الامام تدلّ على الانتساب إلى القبائل
السبئية، وكان احد أفرادها عبداللّه السبائي رأس الخوارج أصبحت اللفظة ـ بعد انتشار
اُسطورة سيف ـ تدلّ على الفرقة المذهبية التي أسّسها عبداللّه بن سبأ، والتي تؤمن
بالرجعة والوصاية للامام.
ثمّ أُهمل استعمال السبئية في
المسنوبين إلى قبائل قحطان وخاصة في بلاد العراق موطن اختلاق الاُسطورة، فلا نجد
فيه ـ بعد هذا ـ من يُلَّقب بالسبائي لانتمائه إلى سبأ بن يشجب بن يعرب، كما نجد
ذلك في اليمن ومصر والاندلس حيث نجد فيها ـ خلال القرنين الثاني والثالث الهجري ـ
جمعا من رواة الحديث ممّن روى عنهم أصحاب الصحاح من يُلقَّب بالسبئي لانتسابهم إلى
سبأ بن يشجب وليس إلى عبداللّه بن سبأ اليهودي الذي ألقى الفتنة في البلاد وبين
العباد، على حد زعم سيف.
ثمّ بعد أن نقل علماء ـ كالطبري ـ
الاُسطورة السبئية عن سيف في كتبهم وانتشرت كتبهم في البلاد؛ اُهمل استعمال السبئية
في المنسوب ين إلى قبائل قحطان في كل مكان ونسي هذا المدلول، ودلّت السبئية ـ في
الكتب ـ علىاتّباع عبداللّه بن سبأ فحسب، وإن لم يكن لهم ـ يوما ما ـ وجود في
الخارج.
ثمّ تطوّر مدلول كلمة السبئية بعد
ذلك وتعدّد مؤسّسها، فبينما كانت السبئية في أوائل القرن الثاني تدلّ ـ عند مختلقها
سيف ـ على من يؤمن بالوصاية لعلي، إذا بها في اُخريات القرن الثالث تدلّ على من
يعتقد بألوهيته!
وبينما كان عبداللّه بن سبأ هو ابن
السوداء عند مختِلق الاُسطورة؛ وإذا بهما يصبحان شخصين في أوائل القرن الخامس،
وتعدّدت ـ أيضا ـ أخبارهما.
ونستطيع أن نحدد مداليل تلك
الالفاظ في القرن الخامس فما بعد بما يلي:
1 ـ عبداللّه بن وهب السبائي رأس
الخوارج، وهو غير مشهور إلاّ عند بعض العلماء.
2 ـ عبداللّه بن سبأ والمنعوت بابن
السوداء، وهو عند رواة سيف مؤسّس الفرقة السبئية التي تؤمن بالرجعة وبالوصاية لعلي
والتي أثارت البلاد على الولاة حتى قتل عثمان، ثمّ أنشبوا القتال في حرب الجمل.
وقد احتفظ هذان المفهومان بحدودهما
في الكتب منذ وجود الاول في عصر الامام واختلاق الثاني من قبل سيف.
3 ـ عبداللّه بن سبأ مؤسس الفرقة
السبئية التي تعتقد الاُلوهية لعلي.
وخبر هذا لم يقف عند حدّ منذ
تدوينه في الكتب في اُخريات القرن الثالث حتّى أوائل القران التاسع للهجرة.
* فهو الذي قال للامام في اول
خطبته له بعد بيعته: ((أنت خلقت الخلق وأنت بسطت الرزق)). فأبعده من المدينة إلى
المدائن، ثمّ عرف أحد عشر رجلا من السبئية فأحرقهم بالنار وقبورهم هناك في الصحراء
مشهورة.
* وهو الذي غلا في الامام وزعم
أنّه إله ودعا قوما من غواة الكوفة، فأحرق الامام قوما منهم في حفرتين، فأنشد في
ذلك:
لترم بي الحوادث حيث شاءتإذا لم
ترم بي في الحفرتين
ونُفي ابن سبأ إلى المدائن. فلمّا
قُتل الامام زعم أنّ المقتول لم يكن عليّا بل كان شيطانا تصّور للناس بصورته، وأنّ
عليّا (ع) قد صعد إلى السماء كعيسى وسينزل وينتقم من أعدائه.
* وهو الذي ادّعى النبوّة لنفسه،
وأنّ أمير المؤمنين هو اللّه تعالى، فحبسه الامام واستتابه ثلاثة أيام فلم يتب،
فأحرقه بالنار وأنشد فيه ((لمّا رأيت الامر أمرا منكرا...)).
* وهو الذي جاء به المسيّب بن
نُجبة إلى الامام متلبّيا به لتكهّنه بالغيب فصحّح الامام تكهنه.
* وهو الذي قال للامام لمّا وصّى
برفع اليدين في الدعاء إلى السماء:
((أليس اللّه بكل مكان؟)).
* وهو الذي جاء إلى الامام مع
جماعته وقالوا له مشافهة: ((أنت اللّه)) فأحرقهم بالنار، فجعلوا يقولون وهو
يُرمَون بالنار: ((الان صحّ عندنا أنّه اللّه لانّه لا يعذّب بالنار إلاّ ربّ
النار)).
* وهو الذي كان أول من أظهر الطعن
على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة، وتبّرأ منهم ، فجاء به المسيّب بن نجبة متلبّبا
به، فأثنى الامام على أبي بكر وعمر وقال: ((لا يفضّلني أحد عليهما إلاّ جلدته حدّ
المفتري)) وسَيَّرَه إلى المدائن.
* وهو الذي لمّا بلغه نعي عليّ وهو
بالمدائن قال للذي نعاه: ((كذبت يا عدو اللّه لو جئتنا واللّه بدماغه في صرّة فأقمت
على قتله سبعين عدلا ما صدّقناك ولعلمنا أنّه لم يُقتل ولا يموت حتى يملك الارض))
ثمّ ذهب مع جماعته من يومه إلى باب دار الامام يستأذن عليه استئذان الواثق بحياته،
وأنكر على أهل بيته قولهم بوفاته.
* وهو ـ أي عبداللّه بن سبأ ـ
بنفسه عبداللّه بن السوداء وهو ـ أيضا ـ غير ابن السوداء بل هما اثنان وأنّ الاخير
كان من يهود الحيرة فأراد أنّ يُفسد على المسلمين دينهم بتأويلاته في عليّ واُولاده
ليعتقدوا فيهم عقيدة النصارى في عيسى، وأراد أنّ يترأّس على أهل الكوفة فذكر لهم
أنّه مكتوب في التوراة ((لكلّ نبّي وصيّ، وأنّ عليّا وصّي محمّد...)) فقالوا
للامام: إنّه من محبيك، فرفع قدره وأجلسه تحت منبره، فلمّا بلغه غلّوه وخاف من قتله
اختلاف أصحابه عليه نفاه إلى المدائن مع ابن سبأ، وأنّه انتسب إلى الرافضة السبئية
حين وجدهم أعرق أهل الاهواء في الكفر.
والفرقة السبئية التي أسسها
عبداللّه بن سبأ الاخير هي التي كانت تقول: أنّ عليّا في السحاب وانّ الرعد صوته
والبرق سوطه. وهم الذين يقولون عند سماع الرعد: ((السلام عليك يا أمير المؤمنين)).
وهم الذين يزعمون أنّ الامام عليّ
بن أبي طالب هو المهدي.
وهم الذين يقولون بالتناسخ وانّ
الائمة أبعاض من أبعاض اللّه تعالى.
وهم الذين يزعمون أنّ في عليّ
الجزء الالهي.
وهم الذين يقولون أنّ القرآن جزء
من تسعة أجزاء وعلمه عند
عليّ.
وهم الذين يزعمون مع الناووسية أنّ
الامام جعفر بن محمد كان عالما بجميع معالم الدين.
وهم الذين حملوا المختار على
ادّعاء النبوّة.
وهم الطيارة الذين يزعمون أنّ
موتهم طيران نفوسهم وأنّ روح القدس انتقلت من عيسى إلى محمّد، ومنه إلى عليّ، ثمّ
إلى الحسن ثمّ الحسين، ثمّ إلى أولاده من الائمة.
وهم أصحاب عمر بن الحارث الكندي
الذي أمر أصحابه بسبع عشرة صلاة في كل يوم وليلة، في كل صلاة خمس عشرة ركعة، وقالوا
بانّ عليّا توارى عن خلقه سخطا عليهم، وأنّه سيظهر.
وهم الخشبية أصحاب المختار! وهم
الممطورة! وهم... وهم...!
* * *
رأينا في استعراضنا أخبار السبئية
وابن سبأ أنّ عبداللّه السبائي رئيس الخوارج والذي ذكرناه أولا لم ينم خبره ولم
يزدد.
كما لم يتم ولم يتطوّر خبر
عبداللّه بن سبأ، مؤسّس فرقة السبئية، القائلة بوصاية عليّ، والذي ذكرناه ثانيا.
بينما ازداد وتطوّر خبر عبداللّه
بن سبأ الثالث مؤسّس عقيدة الاُلوهية على مرّ الزمن وتكاثر، وكذلك تعدّد شخصه! فما
السبب في ذلك؟!
نرى أنّ السبب في ذلك أنّ الاول
كان موجودا حقيقةً ودُوِّن خبره في الكتب كما وجد.
والثاني دَوَّن مختلقه ـ سيف ـ
خبره في تأليفه كما تخيّله وتخيّل خبره، ونقل العلماء أخبارهما كما وجدوها فلم يزدد
خبراهما على مرّ القرون عما دوّن في أول يوم.
بينما أخذ العلماء أخبار الثالث من
أفواه الناس على مرّ العصور؛ فنمت وتطوّرت على قدر تقوّل الناس فيها، ومدى أخذ
العلماء عنهم. ويبدو أنّ بعضم قد تبرّع لوضع سند لبعض تلك الاخبار المختلفة، كما
وضع الاخرون سندا لقصة النسناس ونظائرها من الاساطير.
* * *
وإن قيل: كيف أمكن تصحيف عبداللّه
السبائي إلى عبداللّه بن سبأ، وكيف خفي تحريف خبره على العلماء مدى العصور؟ أو
بالاحرى كيف خفي عليهم هذا التحريف والدسّ والاختلاق؟ فنقول:
إنّ التصحيف والتحريف لم يقتصرا
على هذه الاسماء وأخبارها حتى يُستبعد ذلك، بل كثر وشاع حتى ألّف في بيانها جماعة
من العلماء، مثل:
أبي أحمد العسكري، المتوفّى
(382ه) الذي ألّف ((شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف))(27) وقال في مقدمته:
((شرحت في كتابي هذا الالفاظ
المشكلة التي تتشابه في صورة الخطّ فيقع فيها التصحيف ويدخلها التحريف)).
وقال أيضا: ((وكنت عملت في شرح ما
يشكل ويقع فيه التصحيف كتابا كبيرا جامعا لمّا يحتاج إليه أصحاب الحديث... من أسماء
الرواة والصحابة والتابعين ومن بعدهم... ثمّ إنّي سُئلت إفراد ما يحتاج اليه أصحاب
الحديث ممّا
يحتاج إليه ثمّ أهل الادب فجعلته
كتابين...)).
ثمّ بوَّب فيه لذكر أوهام كبار
العلماء أمثال الخليل والجاحظ والسجستاني وذكر ما يصحّف في الانساب، و...الخ.
كما ألّف قبله ابن حبيب، المتوفّى
(245ه) في مختلف أسماء القبائل
وأنسابها.
وكذلك ابن التركماني، المتوفّى
(749ه).
وألّف الامدي، المتوفّى (370ه)
المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء.
والداقطني المتوفّى (385ه) في
أسماء الرواة.
وألّف في المؤتلف والمختلف في
الاسماع والكنى والالقاب ابن الفرضي، المتوفّى (403ه)، وعبد الغني، المتوفّى
(409ه) وابن الطحّان الحضرمي، المتوفّى (414ه).
وأشهرها وأجمعها الاكمال، لابن
ماكولا، المتوفّى (487ه)(28).
كما ألّف في مشتبه النسبة كل من:
الماليني، المتوفّى (412ه).
والزمخشري، المتوفّى (548ه).
والحازمي، المتوفّى (584ه).
وابن باطيش، المتوفّى (640ه).
والفرضي، المتوفّى (700ه).
والذهبي، المتوفّى (748ه)(29).
وابن حجر، المتوفّى (852ه).
وجاء بعد هؤلاء علماء استدركوا
عليهم ما فاتهم من موارد
وأخطاء في ما ذكروا، مثل ما استدرك
على عبد الغني كل من:
المستغفري، المتوفّى (436ه) في
كتابه (الزيادات).
والخطيب، المتوفّى (463ه) في
كتابه (المؤتنف).
كما استدرك على الاكمال ابن نقطة
المتوفّى (629ه) في كتابه (المستدرك).
وذيل على ابن نقطة كل من:
الحافظ منصور، المتوفّى (677ه).
وابن الصابوني، المتوفّى (680ه).
ومغلطاي، المتوفّى (762ه).
واستدرك على الذهبي ابن ناصر
الدين، المتوفّى (842ه) في كتابه (الاعلام بما في مشتبه الذهبي من الاوهام).
ومع كل ما بذل هؤلاء الاعلام
وغيرهم (30) من جهد مشكور في البحث والتحقيق لو أراد باحث أن يستدرك اليوم ما فاتهم
لجاء بمؤلّف ضخم! وكم ترك الاول للاخر؟
* * *
لو بحثنا في جلّ ما ذكره هؤلاء
العلماء في تآلفيهم من التحريف
والتصحيف لوجدناها قد وقعت خطأ من
أهلها، ولم يكن لهم ـ على الاغلب ـ دافع ما في نشرها وإذاعتها، مثل ما كان لهم في
نشر اُسطورة ابن سبأ والسبائية من دافع. فقد كان للناس والسلطات على مرّ العصور
أكثر من دافع قوي في نشرها وإذاعتها، لانّها كانت تدافع عن الصحابة في ما انتقدوا
عليه. وهذا ما يرغب فيه السلطان والناس بمختلف طبقاتهم على مرّ العصور.
كما كانت تنسب العيوب والاثام إلى
قبائل قحطان، وتنشر في بعض أخبارها فضائل عدنان، وكانت السلطات من قريش العدنانية
حتى آخر الخ لافة العباسية.
والاهم من ذلك كلّه أنّها كانت
تدمغ معارضي حكومة الخلفاء ـ شيعة ائمّة أهل البيت ـ في جميع العصور حتى الخلفاء
العباسيين، بل وحتّى اليوم، بِسِمات من الكفر والالحاد والمروق عن الدين ممّا كان
يسهّل على الحكومات ـ في ما مضى ـ الاجهاز عليهم والتخلّص من مضايقاتهم. وواضح كم
ترغب السلطات في مثل تلك الوسيلة وتثيب على تأييدها وتدعيمها.
ولهذا كله لم يكلف أحد نفسه عناء
البحث عن واقعها، وكشف زيفها، كما وفّق اللّه في هذا العصر وللّه الحمد والمنّة.
ولم ينحصر ما اختلقه سيف في ابن
سبأ وأُسطورته لتكون مثارا للتعجّب والاستغراب، وإنّما اختلق من الرواة والصحابة
وقادة الفتوح ما عقدنا لبيانه مؤلّفات، مثل (خمسون ومائة صحابي مختلق) و(رواة
مختلقون) و(عبداللّه بن سبأ) ـ هذا الكتاب بقسميه ـ وفي ما ذكرناه، جواب عن التساؤل
عن سبب وقوع التحريف والتصحيف في هذه الاسماء وأخبارها، وعن سبب سكوت العلماء عنها
على مرّ العصور. وقد رأينا في فصل (تحريف وتصحيف) أنّ سيف بن عمر استطاع أنّ يحرّف
اسم ابن مُلجَم قاتل الامام من عبد الرحمن إلى خالد، وأن يجعله من رؤوس السبائيين
المغالين في حق الامام، وأن يجعل خزيمة بن ثابت الانصاري اثنين: أحدهما ذو
الشهادتين، والاخر غير ذي الشهادتين، وأن يجعل من سِماك بن خرشه الانصاري ـ ايضا ـ
اثنين: أحدهما أبو دجانة والاخر ليس بأبي دجانة، وأن يجعل من عبداللّه السبائي ـ
أيضا ـ اثنين: أحدهما
ابن وهب الذي كان موجودا، وابن سبأ
الذي اختلقه هو. وليس غريبا من سيف هذا الدسّ والتحريف والاختلاق وليس بمستغرَب من
العلماء السكوت عنه.
ويكفي مثلا لوقوع نظائره ـ ايضا ـ
اُسطورة الصحابي القائد الشاعر الملهم القعقاع بن عمرو بن مالك التميمي الاُسيّدي
العمري الذي بلغت ترجمته ثمانيا وسبعين صفحة، في كتابنا (خمسون ومائة صحابي مختلق)
وترجم له أعلام السنة والشيعة في كتبهم.
ومثل ابن عمّه نافع بن الاسود بن
قطبة بن مالك التميمي الاُسيّدي العمري.
وزياد بن حنظلة التميمي العمري.
وطاهر بن أبي هالة ابن خديجة ربيب
رسول اللّه (ص).
مثل هؤلاء الصحابة الذين وردت
أخبارهم وتراجمهم في كتب أعلام الشيعة والسنة، أمثال:
1 ـ سيف بن عمر التميمي المتوفّى
حدود (170ه) (31) في كتابيه (الفتوح) و (الجمل).
2 ـ الطبري، المتوفّى (310ه) في
تاريخه الكبير.
3 ـ البغوي، المتوفّى (317ه) في
معجم الصحابة.
4 ـ الرازي، المتوفّى (327ه) في
الجرح والتعديل.
5 ـ ابن السكن، المتوفّى (353ه)
في حروف الصحابة.
6 ـ الاصبهاني، المتوفّى (356ه)
في الاغاني.
7 ـ المرزباني، المتوفّى (374ه)
في معجم الشعراء.
8 ـ الدار قطني، المتوفّى (385ه)
في المؤتلف والمختلف.
9 ـ أبو نعيم، المتوفّى (430ه)
في تاريخ اصبهان.
10 ـ ابن عبد البرّ، المتوفّى
(463ه) في الاستيعاب.
11 ـ ابن ماكولا، المتوفّى
(475ه) في الاكمال.
12 ـ ابن بدرون، المتوفّى (560ه)
في شرح قصيدة ابن عبدون.
13 ـ ابن عساكر، المتوفّى (571ه)
في تاريخ مدينة دمشق.
14 ـ الحموي، المتوفّى (626ه) في
معجم البلدان.
15 ـ 16 ـ ابن الاثير، المتوفّى
(630ه) في:
أ ـ تاريخه الكامل.
ب ـ أُسد الغابة.
17 ـ 18 ـ الذهبي، المتوفّى
(748ه) في:
أ ـ النبلاء.
ب ـ تجريد أسماء الصحابة.
19 ـ ابن كثير، المتوفّى (770ه)
في تاريخه.
20 ـ ابن خلدون، المتوفّى (808ه)
في تاريخه.
21 ـ ابن حجر، المتوفّى (852ه)
في الاصابة.
22 ـ الحميري، في الروض المعاطر.
تاريخ التأليف 900ه.
23 ـ ابن بدران، المتوفّى
(1346ه) في تهذيب تاريخ ابن عساكر.
ومن الكتب المذكورة آنفا أخذ
(32)
علماء الشيعة الاتية أسماؤهم تراجم الصحابة المذكورة وما ذكروه عنهم في كتبهم
(33)
وهم:
1 ـ نصر بن مزاحم، المتوفّى
(212ه) في كتابه وقعة صفين. روى ن صر عن سيف بن عمر ما أورده في كتابه.
2 ـ الشيخ الطوسي، المتوفّى
(460ه) في رجاله.
3 ـ القهبائي، في مجمع الرجال فرغ
منه (1016ه).
4 ـ الاردبيلي، المتوفّى (1101ه)
في جامع الرواة.
5 ـ المامقاني، المتوفّى (1352ه)
في تنقيح المقال.
6 ـ السيّد شرف الدين، المتوفّى
(1377ه) في الفصول المهمّة.
7 ـ التستري المعاصر في قاموس
الرجال.
* * *
خفي على علماء الشيعة والسنة على
مدى العصور تحريف سيف في ابن سبأ والسبئية واختلاقه أخبارهما، كما خفي عليهم اُولئك
الصحاب ة الاربعة واختلاق أخبارهم.
12 مثل ربيعة التي ذكرت ـ احيانا ـ ضمن السبئية كما اشرنا إلى ذلك سابقا.
13 البحث التمهيدي الثالث من (خمسون ومائة صحابي مختلق) ط. بغداد.
14 فصل السقيفة من الجزء الاول من هذا الكتاب.
15 يظهر ذلك من ملاحظة اسماء الولاة على البلاد وامراء الاجناد في عصر أبي بكر
وعمر وعثمان.
16 فصل حكومة الامام من باب ((على عهد الصهرين)) من كتاب (أحاديث أم المؤمنين
عائشة).
17 قال ابن الاثير في (3 / 334) من تاريخه في ذكر عمال الامام سنة 40ه: ((وكان
على المدينة ابو ايوب وقيل سهل بن حنيف)).
18 تاريخ ابن الاثير (3 / 153 ـ 353) في ذكر حوادث سنوات حكم الامام.
19 صفين: لنصر بن مزاحم ص 12.
20 نهج البلاغة (1 / 103) الخطبة المرقمة (167).
21 الخطبة المرقمة (33).
22 الكتاب المرقم (36) في (2 / 68) من نهج البلاغة.
23 قال ابن خلدون في تاريخه (2 / 29): ((ولمّا جاء اللّه بالاسلام افترق كثير من
همدان في ممالكه، وبقي منهم من باليمن، وكانوا شيعة لعلي كرم اللّه وجهه ورضي عنه
لمّا شجر بين الصحابة ما شجر وهو المشند فيهم متمثلا: ((فلو كنت بوابا على باب جنة*
لقلت لهمدان ادخلي بسلام)) ولم يزل التشيع دينهم ايام
الاسلام كلها)).
24 استطاع معاوية ان يستميل بعض فروع القحطانيين الموجودين في الشام إلى جانبه
باسم الطلب بدم الخليفة عثمان فلقي اولئك بصورة استثنائية من بين قبائل اليمن
الحظوة لدى الحكام إلى عصر بني مروان، حيث وقعت المنافرة في كل مكان بين العدنانية
والقحطانية حتى سقطت الدولة المروانية وتكونت على انقاضها الخلافة العباسية ـ راجع
صفين لنصر بن مزاحم، والبحث التمهيدي الثالث من كتابنا (خمسون ومائة صحابي مختلق).
25 كما مر علينا في حديث شبث بن ربعي مع سعر الحنفي. وكانت السبئية تطلق قبل ذلك
ويقصد منها تعيير القبائل السبئية على أنّهم ترابية اي شيعة عليّ بن ابي طالب الذي
كانوا يطلبون لعنه والبراءة من دينه كما رأينا ذلك في قصة حجر مع زياد.
غير انّها بعد القضاء على ثورة المختار اخذت تدل على معنى من اللمز يساوي ما رمي به
المختار من ادعاء النبوة. فالسبائية بعد ذاك يمانية حاربوا العدنانية وآمنوا
بالمختار!
26 في تنافرهما في غزوة بني المصطلق ثمّ في سقيفة بني ساعدة.
27 لدينا نسخة منه بتحقيق عبد العزيز احمد وط. مصطفى الحلبي عام 2383ه.
28 لدينا ستة اجزاء منه ط. حيدرآباد عام 1381 ـ 1386ه بلغ إلى حرف العين.
29 لدينا منه نسخة بتحقيق علي محمد البجاوي، وط. الحلبي عام 1962 ه.
30 مثل موضح اوهام الجميع والتفريق للخطيب ولدينا نسخة منه في 3 اجزاء، ولابن ناصر
الدين شرح مشتبه الذهبي، وكذلك لغيرهم. راجع مقدمة مصحح الاكمال. ط. حيدر آباد.
31 حسب ما ارتآه الذهبي ، ولم نر ذلك على ما ذكرناه في البحوث التمهيدية من كتاب
(خمسون ومائة صحابي مختلق).
32 ينقل علماء الشيعة من كتب علماء السنة في غير الفقه كثيرا مثل تفسير القرآن
والسير والتراجم والتاريخ العام.
33 راجع تراجم الصحابة الاربعة في كتابنا (خمسون ومائة صحابي مختلق) تجد شرح ما
ذكرناه وتفصيله.