حَقيقة أكَاذيب

تناقض أقوال أهل الملل والنحل:

((السبئيون يزعمون أنّ عليّا في السحاب، وإذا سمعوا صوت الرعد قالو:

السلام عليك يا أمير المؤمنين)).

وقولهم: ((السبئيون يعتقدون بأُلوهية عليّ)).

والحقيقة:

أنّ النبيّ كانت له عمامة تسمى السحاب، فتّوّج بها عليّا وربما جاء عليّ فيها فيقال: أتى عليّ في السحاب.

وحرّف عوام الناس هذه الحقيقة إلى أُسطورة صدّقها أهل الملل ونقلوها عنهم في كتبهم.

 

مصادر البحث
  ذكرنا في بحوثنا السابقة بهذا الكتاب وغيره كثيرا من الاكاذيب الشائعة لدى العلماء (1) وجماهير المسلمين خلال أحقاب طويلة من الدهر، وبيّنا زيفها وكشفنا واقعها بفضله تعالى، وفي ما يلي ـ أيضا ـ نستعرض شيئا من أكاذيب انتشرت في كتب أهل الملل والنحل وغيرها تحت عنوان (جاء عليّ في السحاب) ونبيّن زيف ما كتبوا ونكشف عن حقيقة الخبر بحوله تعالى، وبه نختم بحوث هذا الكتاب.

قال مسلم(ـ 261ه‍‍) في رواية رواها في صحيحه:

((إنّ الرافضة تقول: إنّ عليّا في السحاب، فلا نخرج مع من خرج من ولده حتى ينادي منادٍ من السماء ـ يريد عليّا أنّه ينادي‌ـ. اخرجوا مع فلان...)).

وقال الاشعري (ـ 301ه‍‍) في المقالات:

((وزعمت فرقة من الكيسانية: أن عليّا في السحاب...)).

وقال أبو الحسن الاشعري (ـ 330ه‍‍) في ذكر السبئية من مقالات الاسلامين:

((وهؤلاء ـ السبئية ـ يقولون عند سماع الرعد: السلام عليك يا أمير المؤمنين)).

وقال أبو الحسين الملطي ( ـ 377ه‍‍):

((والفرقة الثانية من السبئية يقولون: إنّ عليّا لم يمت، وإنّه في السحاب، وإذا نشأت سحابة بيضاء صافية منيرة مبرقة مرعدة قاموا إليها يبتهلون ويتضرّعون ويقولون: قد مرّ بنا في السحاب))!

وقال البغدادي ( ـ 419ه‍‍) في الفّرْق بين الفِرَق:

((وزعم بعض السبئية أنّ عليّا في السحاب، وأنّ الرعد صوته والبرق سوطه، ومن سمع من هؤلاء صوت الرعد قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، وروى عن الشاعر أنّه تبرّأ منهم وقال:

ومن قومٍ إذا ذكروا عليّايردّون السلام على السحاب))

وقال ابن حزم ( ـ 454ه‍‍) في الفصل:

((وقالت السبائية أصحاب عبداللّه بن سبأ الحميري اليهودي في عليّ... وإنّه في السحاب)).

وقال صاحب البدء والتاريخ:

((وأما السبئية فإنّهم يقال لهم الطيارة، يزعمون انهم لا يموتون وإنمّا موتهم طيران نفوسهم في الغلس، وأنّ عليّا لم يمت وانه في السحاب، وإذا سمعوا صوت الرعد، قالوا: غضب عليّ)).

وقال الاسفرائيني ( ـ 471ه‍‍) عن السبئية:

((وقال بعضهم هو في الغيم، والرعد صوته والبرق سوطه، وإذا سمعوا صوت الرعد قالوا: السلام عليك يا أمير المؤمنين)).

ثمّ ذكر البيت ((ومن قوم إذا سمعوا...).

وقال أبو محمّد عثمان العراقي (ت: نحو 500ه‍‍):

((وأما السحابية: فهم طائفة يزعمون أنّ عليّا، 2، مع كل سحاب، والرعد صوت عليّ. وما من نكاح إلاّ ويحضره عليّ، وإنمّا تنعقد الانكحة بشهادته، وبعض هذه الطائفة يزعمون بأنّ شهادة اللّه ورسوله كافية في الانكحة، ولا افتقار إلى شهادة الادميين.

ويزعمون أيضا أنّ عليّا لم يمت، وأنّه سيرجع عن قريب وينتقم من أعدائه)).

وقال بعد هذا في تعريف السبائية:

((وأما السبائية: هم طائفة ينسبون إلى عبداللّه بن سبأ، وهم يزعمون بأنّ عليّا حيّ لم يمت، وهو مع كل سحاب يدور، والرعد صوته، وسيرجع عن قريب فينتقم من أعدائه.

وابن سبأ، هذا كان يدعي أنّ عليّا إله العالمين)).

وقال في جواب من تخيّلهم بالسبائية بعد هذا:

((روى أنّه لمّا قتل عليّ، (رض)، قال ابن سبأ، إنّ عليّا حي وهو مع كل سحاب، والرعد صوته. فقيل له: فمن الذي قتله الملعون ابن مُلجَم؟ قال: كان ذلك شيطانا في صورة عليّ، فقيل له: لو كان ابن مُلجَم قتل شيطانا لكان يستحقّ المدح، فلماذا تلعنونه وتذمونه؟ فتحيّر ابن سبأ ولم يبد جوابا، وباللّه التوفيق)).

وقال الشهرستاني (ـ 548ه‍‍) في تعريف السبائية من الغلاة: إنهم أصحاب عبداللّه بن سبأ الذي... زعم أنّ عليّا حيّ لم يمت ففيه الجزء الالهي ولا يجوز أن يستولي عليه الموت، وهو الذي يجي‌ء في السحاب، والرعد صوته والبرق تبسّمه، وأنّه سينزل إلى الارض بعد ذلك فيملا الارض عدلا كما مُلئت جورا.

وقال السمعاني (ـ 562ه‍‍) في ترجمة السبائي من أنسابه:

و [عبداللّه بن ] (2) سبأ هو الذي قال لعلي: أنت الالـه حتى نفاه إلى المدائن، وزعم أصحابه أنّ عليّا في السحاب وأنّ الرعد صوته والبرق سوطه. ومن هنا قال قائلهم:

ومن قومٍ إذا ذكروا عليّايردّون السلام على السحابِ وقال ابن أبي الحديد (ـ 655ه‍‍) في شرح الخطبة (27) من نهج الب لاغة بعدكلام عن السبائية:

((وقالوا: إنّ عليّا لم يمت، وإنّه في السماء، والرعد صوته، والبرق سوطه، وإذا سمعوا صوت الرعد قالوا: السلام عليك يا أمير المؤمنين)).

وقال ابن خلدون (ـ 808ه‍‍): بعضهم يقول: هو حيّ لم يمت إلاّ أنّه غائب عن أعين الناس ـ إلى قوله ـ: وأنّه في السحاب والرعد صوته والبرق سوطه.

ونقل الجرجاني (ـ 816ه‍‍) في (التعريفات) عن ابن سبأ أنّه قال:

((وعليّ في السحاب والرعد صوته والبرق سوطه، وأنّه ينزل بعد هذا إلى  الارض ويملاها عدلا، وهؤلاء يقولون عند سماع الرعد: وعليك السلام يا أمير المؤمنين)).

وقال المقريزي (845ه‍‍) في ذكر الروافض من خططه:

((والفرقة الخامسة السبائية اتباع عبداللّه بن سبأ الذي قال شفاها لعلي بن أبي طالب: أنت الالـه... وزعم أنّ عليّا لم يَقتل، وأنّه حيّ لم يمت، وأنّه  في السحاب وأنّ الرعد صوته والبرق سوطه وأنّه ينزل بعد حين، قبّحه اللّه)).

وأعاد القول كذلك في (ذكر الحال في عقائد أهل الاسلام...).

ونقل غير هؤلاء ـ أيضا أقوال هؤلاء مثل:

فريد وجدي (ـ 1373ه‍‍) الذي نقل في لغة عبداللّه بن سبأ من دائرة معارفه ألفاظ البغدادي بعينها في الفَرْق.

والبستاني ( ـ 1300ه‍‍) الذي نقل أقوال بعض من سبق ذكر أقوالهم في دائرة معارفه.

*           *          *

لست أدري ألم يفكر هؤلاء العلماء الاجلّة الاثبات بعقولهم فيما يكتبون بأقلامهم؟!

ألم ينتبهوا إلى أنّ الامام عليّا إذا كان عند السبئية إله العالمين كما قاله سعد الاشعري (3)

وكان ابن سبأ يقول: ((هو الالـه في الحقيقة)) كما قال الجرجاني والمقريزي!

أو قال له ((أنت اللّه)) كما قال ابن أبي الحديد!

وأنهم أصرّوا على هذا القول حتى أحرقهم الامام، أو أحرق بعضهم كما ذكرته الروايات!

إذا كانت هذه عقيدتهم في الامام فكيف كانوا يسلّمون عليه وهو ـ بزعمهم ـ‍ في السحاب بقولهم: ((السلام عليك يا أمير المؤمنين)).

أكان عليّ عندهم إله العالمين أم أمير المؤمنين!؟

لست أدري كيف لم ينتبه هؤلاء العلماء المحقّقون إلى التناقض الواضح في ما ينقلون؟! وصدّقوا هذه الاكاذيب! وتصدّى بعضهم للرّد عليها! مثل البغدادي الذي قال في الفَرْق:

((وقلنا لهم كيف يصحّ دعواكم أنّ الرعد صوت عليّ والبرق سوطه وكان صوت الرعد مسموعا والبرق محسوسا في زمن الفلاسفة قبل زمان الاسلام، ولهذا ذكروا الرعد والبرق في كتبهم واختلفوا في علّتها؟)).

ومثل ابن حزم الذي قال في الفصل:

((فليت شعري في أيّة سحابة هو من السحاب؟! والسحاب كثير في أقطار الهواء المسخّر بين السماء والارض، كما قال تعالى؟!)).

هكذا حرّر هؤلاء العلماء الاجلاّء هذه الاكاذيب السخيفة في كتبهم مصدّقين إيّاها! وفي ما يلي نكشف عن حقيقة تلك الاكاذيب بحوله تعالى.  


 

1  مثل ما مر في تهاويل انتشرت عن حروب الردة، وأكاذيب في الفتوح، وأساطير من خرافة وغيرها في هذا الكتاب وكذلك ما مر في فصول كتبنا الاخرى بـ (خمسون ومائة صحابي مختلق) و(عبداللّه بن سبأ ـ‍ ج 1).
ما بين المعقوفين ساقط من الاصل.
3  قد أشرنا إلى أقوال قبل هذا في فصل (عبداللّه بن سبأ في كتب أهل المقالات).