ثانيا: عبداللّه بن سبأ:

كلمة عبداللّه بن سبأ، اسم مركب من أربعة ألفاظ: (عبد) و(اللّه) و(ابن) و(سبأ) والالفاظ الاربعة خاصّة باللغة العربية (49) ويدلُّ هذا على أنَّ الاب والابن المزعومين كليهما كانا عربيين، أضف إليه بأنَّ المختلِق الاوَّل لاُسطورة ابن سبأ ـ وهو سيف أيضا ـ صرَّح بأنَّ (ابن سبأ) كان من صنعاء اليمن.

وحدَّد الجميع زمن نشاط ابن سبأ بعهدَي الخليفة عثمان والامام عليّ ولا يتعدّى الزمن الّذي ذكروا لنشاطه العقد الرابع من القرن الاوَّل الهجري، ثمَّ إنَّ مجموع ما حيك حوله من أساطير يدلُّ على أنّه كان من مشاهير عصره.

أذا فهو عربي ابن عربي، ومن سكّان الجزيرة العربية، ومن مشاهير الرجال في العقد الرابع من القرن الاوَّل الهجري؛ ولا نجد عربياً في الجزيرة العربية في العصر الاسلامي الاول وإلى العصر الاموي، يعرف اسمه واسم أبيه ومحلّ نشاطه، ولا يعرف اسم جدّه ولا سلسلة آبائه! في حين أنَّ العرب قد  غالوا في حفظ أنسابهم، وألَّفوا في الانساب عشرات المؤلّفات، حتّى أنّهم عنوا بحفظ‍ أنساب خيولهم، وألفَّ العلماء فيها، مثل ابن الكلبي المتوفّى (204ه‍‍) (50).

وفي متناول أيدينا آلاف الكتب المخطوطة والمطبوعة في التاريخ الاسلامي العام والخاص، وكتب التراجم والانساب، وسائر فنون الادب؛ ول ا نجد في أحدها نسب عبداللّه بن سبأ؟! إذاً فمن هو عبداللّه بن سبأ؟ وما اسم جدّه؟ ومن هم سلسلة آبائه؟ ومن هم قبيلته؟ وَلِمَ لَمْ يذكر أحد من العلماء في تأليفه شيئا من ذلك على شدة اهتمامهم بذكر الاساطير التي حيكت حوله؟!

بحثنا عشرات السنوات في مختلف مصادر الدراسات الاسلامية فلم نجد عن نسبه حرفا واحدا.

نعم وجدنا في بعض الكتب ما يلي:

في باب ما كتب عليّ لاهل العراق من كتاب الامامة والسياسة لابن قتيبة (ت: 276ه‍‍): فقام حُجر بن عديّ وعمرو بن الحمق وعبداللّه بن وَ هْب الراسبي على عليّ فسألوه عن أبي بكر وعمر. (51)

وفي أنساب الاشراف للبلاذري (ت: 279ه‍‍):

وأما حُجر بن عديّ الكندي وعمرو بن الحمق الخزاعي وحبّة بن جوين البَجَلي ثمّ العرني وعبداللّه بن وَهْب الهمداني ـ وهو ابن سبأ ـ فإنهم أتوا عليّا فسألوه عن أبي بكر وعمر (52).

وفي الغارات للثقفي (ت: 283ه‍‍):

دخل عمرو بن الحمق وحُجر بن عديّ وحبّة العرني والحارث الاعور وعبداللّه ابن سبأ على أمير المؤمنين بعد ما افتتحت مصر وهو مغموم حزين، فقالوا له: بَيّنْ لنا ما قولك في أبي بكر وعمر (53)...؟

قد ورد في هذا الخبر عبداللّه بن وهب الراسبي في الامامة والسياسة، وعبداللّه ابن سبأ في الغارات ، وقال البلاذري: عبداللّه بن وَهب هو ابن سبأ.

وقال سعد بن عبداللّه الاشعري (ت: 300 أو 301ه‍‍) في ذكر الفرق الغالية من كتاب المقالات والفرق:

((وأول من قال منها بالغلو، وهذه الفرقة تسمى بالسبئية أصحاب عبداللّه بن سبأ وهو عبداللّه بن وَهْب الراسبي...)).

وقال ـ أيضا ـ: ((فأضاف الغلاة المتقدمة: السبئية وهم أصحاب عبداللّه بن سبأ الراسبي)).

ووجدنا بمادة السبئي من:

الاكمال لابن ماكولا (ت: 475ه‍‍) يقول ضمن تعداده السبائيين:

((وعبداللّه بن وَهب السبئي رأس الخوارج)).

وقال المؤرخ الكبير السمعاني (ت: 562ه‍‍) في كتابه الانساب: ((السبئي؛ هذه النسبة بفتح السين المهملة والباء المنقوطة من تحتها بنقطة واحدة وفتحها، هذه النسبة إلى سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان وهم رهط ينسبون إليه، عامتهم مصريون: أبو هبيرة عبداللّه بن هبيرة بن أسعد بن سهل السبائي، ثمّ عد السبائيين إلى قوله: وعبداللّه بن وَهْب رئيس الخوارج وهو الذي قال لعلي أنت

الالـه حتّى نفاه إلى المدائن، وتزعم أصحابه أنّ عليّا في السحاب وأنّ الرعد صوته والبرق سوطه...)).

وقال الذهبي (ت: 748ه‍‍) في المشتبه:

((وعبداللّه بن وَهب السبئي رأس الخوارج)).

وقال الذهبي ـ أيضا ـ في ذكر حوادث سنة 38ه‍‍ من العبر:

((وفيها كانت وقعة النهروان بين عليّ والخوارج، فقتل رأس الخوارج عبداللّه بن وَهب السبائي)) (54).

وقال المقريزي المتوفّى (848ه‍‍) في خططه:

وقام في زمانه ـ أي زمان الامام عليّ (رض) ـ عبداللّه بن وهب بن سبأ المعروف بأبن السوداء السبئي، وأحدث القول بوصية رسول اللّه (ص) لعلي بالامامة من بعده بالنص، وأحدث القول برجعة عليّ والنبيّ، وأنّه حيُّ وأنَّ فيه الجزء الالهي، ومن أبن سبأ هذا تشعبت أصناف الغلاة من الرافضة (55).

وقال ابن حُجر المتوفيّ (852ه‍‍) في تبصير المنتبه:

((السبئي طائفة منهم عبداللّه بن وَهْب السبئي رأس الخوارج)).

*          *          *

فمن هو عبداللّه السبئي هذا؟ وما هو نسبه؟ وما هي قصته؟

هو عبداللّه بن وَهْب بن راسب بن مالك بن ميدعان بن مالك بن نصر بن الازد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ.

فهو لذلك سبائي، أزدي، راسبي.

قيل له: عبداللّه بن وَهْب نسبة إلى أبيه، وعبداللّه بن سبأ نسبة إلى من ينتمي إليه، كما قيل في صبيغ: صبيغ بن شريك نسبة إلى أبيه صبيغ بن عسل نسبة إلى من ينتمي إليه. فإنّه صبيغ بن شريك بن المنذر بن قطن بن قشع بن عسل بن عمرو بن يربوع التميمي.

قال ابن حجر: القولان صحيحان. راجع: مادة عسل من تبصير المنتبه (3 / 954).

لُقَّب عبداللّه السبائي هذا بذي الثفنات لمّا صار على كفيه وركبتيه كَثَفَنَاتِ البعير لكثرة سجوده.

كان مع عليّ في حروبه، ولمّا وقع التحيكم بعد معركة صفّين وأنكره الخوارج، أصبح عبداللّه منهم، وكان من بغضه عليّا مايسِمّيه إلاّ الجاحد.

واجتمع الخوارج في منزله، فخطب فيهم وزهَّدهم في الدُّنيا، ورغّبهم في الاخرة، ثمَّ قال:

((أُخرجوا بنا ـ إخواننا ـ من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال، أو إلى بعض هذه المدائن؛ منكرين لهذه البدع المضلَّة)) (56).

فبايعوه لعشرة خلون من شوال سنة 37ه‍‍ وسمَّوه بالخلافة، ثمَّ خرجوا متسّللين من الكوفة ولحقهم الامام بجيشه دون النهروان وقاتلهم، وقتل عبداللّه بن وهب السبائي الراسبي في المعركة. قتله هاني بن زياد الخصفي وزياد بن خصفة، وقتل من كان معه ولم يفلت منهم إلا أقلُّ من العشرة.

*          *          *

هذا هو عبداللّه السبائي الذي كان في عصر الامام ولم يوجد غيره بهذا الاسم، ولم يعرف التاريخ الصحيح أحدا آخر بهذا الاسم (57).

وعلى هذا فأي خبر جاز أن يصدق على عبداللّه بن وَهب السبائي وينسب إليه؛ جاز وقوعه، وأيُّ خبر لا يصح صدوره من هذا؛ لم يقع ولم يكن بتاتا.

ولم يكن عبداللّه هذا مؤسس فكرة الوصاية للامام عليّ ، ولا مؤسس عقيدة الالوهية فيه، وإنّما كان رأس الخوارج الذين حاربوا عليّا (58). وعلى هذا لا يصدق جميع ما رواه سيف في شأنه وأخذ منه المؤرخون! كما لا يصح جميع ما ذكره أهل الملل والنحل فيه.

بينما يصدق في شأنه بعض روايات كتب حديث الشيعة مثل الرواية الّتي ذكرت أنَّ ابن سبأ اعترض على الامام رفع اليدين إلى السماء في الدُّعاء، والاُخرى الّتي ذكرت جلبه إلى الامام لمقال له وتصحيح الامام قوله وأمره بإخلاء سبيله.

هذا ما توصّلنا إليه في أمر عبداللّه بن سبأ نتيجةً للبحوث المقارنة.


 

49  خلافا لابراهيم وإسماعيل من الكلمات العجمية الّتي تسمّى العرب بها.
50  ألف أنساب الخيل كل من ابن الكلبي وأبو عبيد القاسم بن سلام المتوفي (224ه‍‍) وألف ابن الاعرابي المتوفي (231ه‍‍) أسماء الخيل وكذلك غيرهم.
51  الامامة والسياسة (1 / 142).
52  أنساب الاشراف (2 / 383) ط / مؤسسة الاعلمي، بيروت سنة: 1394ه‍‍.
53  الغارات ((منشورات)) انجمن آثار ملّي 114: 1 / 302.
54  كان عبداللّه هذا مشهورا عندهم بالسبئي كما ورد عند هؤلاء وعند غيرهم. قال المعلماني بهامش الاكمال (4 / 536):
((ذكره عبد الغني، وذكر في الانساب وفي المشتبه والتوضيح والتبصير)).
55  أوردنا هنا ملخص أقواله وقد مر تفصيلها في الفصل السابق.
56  قال ابن حزم:
((عبداللّه بن وهب ذو الثفنات أول من قدَّم الخوارجُ على أنفسهم يوم النهروان وكان من خيار التابعين فقتل يومئذ ـ نعوذ باللّه من الخذلان)) جمهرة الانساب ص 386.
57  سيأتي في الخاتمة ـ إنَّ شاء اللّه ـ كيف جاز تصحيف الكلمة من عبداللّه السبائي إلى عبداللّه بن سبأ.
58  مثل عبداللّه السبائي هذا في روايات سيف كمثل ابن ملجم فإنّ ابن ملجم كان من القراء ومن رؤوس الخوارج، وهو الذي قتل الامام عليّا ولكن سيفا جعله من رؤوس السبئية القائلين بأنّ عليّا وصي النبيّ، واختلق له أسطورة مع السبائية جعل عمار من تلك الاُسطورة ينضم إليه وإلى جماعته في مصر، وحرَّف ـ أيضا ـ اسمه كما حرف عبداللّه بن وهب السبائي ـ راجع قبله فصل (تحريف وتصحيف).