اسطورة سيف

هذه النصوص كلُّها تتّفق في الدلالة على أنَّ السبئية كانت نبزا بالالقاب، ولم تكن اللفظة يومذاك تدلُّ على المعنى المذهبي الّذي اشتهرت به بعد ذلك، كما لم نجد السبئية استُعملت في النبز في غير الكوفة وما والاها إلى ذلك التاريخ.

هكذا كان الامر منذ عصر ابن زياد حتّى أوائل القرن الثاني الهجري حين اختلق سيف بن عمر التميمي العدناني ـ الّذي كان يسكن الكوفة ـ الاُسطورة السبئية، وطوَّر في ما اختلق مدلول السبئية من الانتساب إلى سبأ بن يشجب إلى الانتساب إلى عبداللّه بن سبأ الّذي زعمه يهوديا يمانيا قد أظهر الاسلام زمن عثمان وجاء بعقيدة الوصاية والرجعة، وزعم أنّه تبعه جماعات، وأنّهم الذين سمُّوا بالسبئية، وأنَّ الذين سبق ذكرهم من خاصّة عليّ وشيعته،  كانوا من أعلام السبئيين، أي من أتباع عبداللّه بن سبأ، وقال: إنَّ السبئيين أتباع عبداللّه بن سبأ هم الذين قتلوا عثمان وبايعوا عليّا، وهم الّذين أقاموا حرب الجمل بعد أن تمَّ أمر الطرفين على الصلح. أدرج كلَّ ذلك في كتابه: (الجمل ومسير عليّ وعائشة).

اختلق سيف هذه الاُسطورة في أوائل القرن الثاني الهجري، وتتفرَّد بروايتها، ولم تنتشر إلاّ بعد أن نقلها عن سيف علماء كبار مثل الطبري ال متوفّي 310ه‍‍ في تاريخه. وبينما كانت السبئية قبل ذلك تدلُّ على الانتساب إلى القبائل السبائية كما شاهدنا ذلك في الرواة الذين سبق ذكرهم ممّن روى أصحاب الصحاح عنهم الحديث.

وكانت تذكر أحيانا في محيط الكوفة بصورة نبز للقبائل السبائية من شيعة عليّ، وإذا بها ـ بعد اشتهار أُسطورة سيف ـ تدلُّ على الانتساب إلى الفرقة الّتي اتّبعت عبداللّه بن سبأ اليهودي اليماني الّذي جاء بعقيدة الوصاية والرجعة، وبعد أن اشتهرت السبئية في الفرقة المذهبية الّتي اختلقها سيف؛ أُهمل استعمالها بالنسبة إلى قبائل قحطان اليمنية ونُسيت.

ثمَّ تطوَّر مدلول السبئية متدرِّجا بما حيكت حوله من أساطير شعبية حتّى دلّت على الفرقة القائلة بأُلوهية عليّ بعد أن كانت عند سيف تدلُّ على القائلين بأنّه وصي النبيّ فحسب.

وتفصيل القول في ذلك: أنَّ سيف بن عمر كان يعيش في الكوفة ووضع أساطيره أوائل القرن الثاني الهجري، وكان يدفعه إلى اختلاق أساطيره أمران:

أ ـ تعصّبه للعدنانية ضدَّ القبائل القحطانية اليمانيّة.

ب ـ قصده التشويش على التاريخ الاسلامي بدافع الزندقة!

ولمّا كان أنصار الامام وشيعته من القبائل السبائية اليمانية هم الذين كانوا يشكّلون الحزب المعارض للحكم العدناني القائم منذ عصر الامام عليّ حتّى الخلافة الاُموية الّتي كان يعيش سيف في كنفها، وكان هؤلاء يعتقدون بأنَّ النبيّ عيَّن الامام عليّا وصيّا من بعده.

أراد سيف ـ أستجابةً منه لدوافعه الّتي ذكرنا ـ أنّ يشكّك في منشأ عقيدتهم بوصية النبيّ للامام، ويشوّش في نسبتهم إلى السبئية فاخترع أُسطورة عبداللّه بن سبأ وجعله من صنعاء اليمن وقال: إنّه هو الّذي أسَّس هذه العقيدة دون النبيّ، وإنَّ السبئية هم الّذين اتّبعوه على هذا الرأي، ثمَّ ذكر في عداد هؤلاء السبئية رؤساء القبائل السبئية اليمنية كما ذكرناه سابقا.

ولو كانت لفظة السبئية في عصر سيف تدلُّ في أوساط الكوفة على الاعتقاد بأُلوهية الامام لمّا فات سيفا روايتها، ولا احتاج إلى اختلاق أُسطورة تدُّل على عقيدة السبئيين بوصيّة النبيّ لعليّ وهي دون الاولى في التنكيل بهم.

أضف إليه أنّا لم نجد إلى أُخريات القرن الثالث الهجري مؤلَّفا يذكر للسبئية معنى غير ما قصده سيف. وإنّما وجدنا في أُخريات القرن الثالث و أوائل القرن الرابع مؤلّفات لاصحاب كتب الملل والنحل والفرق وغيرهم تذكر بأنَّ عبداللّه بن سبأ كان يعتقد بأنَّ عليّا لم يقتل ولن يقتل! وأنّه إله وأنَّ الامام أحرقه أو أحرق بعض جماعته بالنّار!

إذا فقد تطوَّر مدلول السبئية متدرجا من الدلالة على الانتساب إلى قبائل عربية إلى الدلالة على الانتساب إلى فرقة مذهبية تعتقد بأن عليّا وصيّ النبيّ، ثمَّ إلى الدلالة على فرقة مذهبية تدين بأُلوهيته.

ثمَّ حيكت حول السبئية وابن سبأ أساطير لا تكاد تقف عند حدّ!

أما كيف وقع ذلك؟ وَلِمَ؟ فنقول:

إنّا نرى أنّ سيف بن عمر إنّما وضع أسطورة السبئية موافقة لرغبة قبائل عدنان بما نسب جميع الشرور والاثام إلى أفراد من قبائل قحطان السبائية ودافع عن سادة عدنان، وكانت السلطة في قبائل عدنان مدى عصور الخلافة الاسلامية إلى آخر خليفة عباسي.

وموافقة ـ أيضا ـ لرغبة عامّة في كلّ عصر بما موَّه ذلك بزينة الدفاع عن الصحابة ـ الولاة ـ في كلّ ما أوخذوا عليه.

فمن ثمَّ ضمن لاسطورته الرواج على مرّ العصور.

ولهذا ما أن انتشر تأليف سيف كتاب (الجمل) الّذي يحوي هذه الاسطورة؛ حتّى تداولته الايدي وتناقلت الالسن أساطيره، ونقلت الاقلام عنه في الكتب.

ثمَّ بقي ما نقلته أقلام علماء ـ كالطبري ـ من أسطورة السبئية على حالها كما اختلقها سيف دونما زيادة.

وما تناقلته الالسن من الاسطورة قد نما في أوساط الناس وتطوَّر حتّى أصحبت أُسطورة ابن سبأ أُسطورتين:

الاولى: أُسطورة سيف.

والثانية: الاسطورة الّتي تطوَّرت على أفواه الناس.

ولمّا بدأ العلماء يحرِّرون في الملل والنحل، وتكاثروا في بيان عدد الفرق؛ أخذوا من أفواه الناس ما يعتقدون ويتقوّلون، كما ظهر كتّاب آخرون ـ كابن قتيبة وابن عبد ربّه ـ يكتبون في مختلف فنون الادب دونما عناية بالبحث عن أسانيد أخبارهم بل نقلها بعضهم عن بعض، فأخذ قسم من هؤلاء الاسطورة السبئية من أفواه الناس ودوَّنوها في كتبهم مع غيرها من الاساطير الشعبية. ونقل آخرون عن هؤلاء.

هكذا انتقلت تلك الاساطير من أفواه الناس إلى الكتب.

وهكذا أصبحت أسطورة ابن سبأ أُسطورتين: أُسطورة سيف الباقية على حالها. وأُسطورة أفواه الناس المتطوّرة المتنامية.

وكذلك  تعدّد ـ أيضا ـ ابن سبأ تبعا لتعدّد أُسطورته كما سنذكره في ما يلي: