آراء المسلمين في حُجر وقتله:
قال الطبري: ولمّا حمل العنزي
والخثعمي إلى معاوية قال العنزي لحُجر يا حُجر! لا يبعدنّك اللّه، فنعم أخِو
الاسلام كنت!
وقال الخثعمي: لا تبعد ولا تفقد!
فقد كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.
فأتبعهما حُجر بصره وقال: كفى
بالموت قطاعا لحبل القرائن!
وفي ترجمة حُجر من الاستيعاب:
لمّا بلغ ما صنع بهم زياد إلى
عائشة أم المؤمنين (رض) بعثت إلى معاوية عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام تقول:
اللّه اللّه في حُجر وأصحابه،
فوجده عبد الرَّحمن قد قتل هو وخمسة من أصحابه. فقال لمعاوية:
أين عزب عنك حلم أبي سفيان في حُجر
وأصحابه، ألا حبستهم في السجون وعرضتهم للطاعون!؟
قال: حين غاب عنّي مثلك من قومي.
قال: واللّه لا تَعدُّ لك العرب
حلما بعدها أبدا ولا رأيا، قتلت قوما بُعث بهم إليك أُسارى من المسلمين.
قال: فما أصنع؟! كتب إليَّفيهم
زياد، يُشدِّد أمرهم ويذكر أنَّهم سيفتقون عليَّ فتقا لا يُرقع.
وقال:
كانت عائشة أم المؤمنين تقول: أما
واللّه لو علم معاوية أنَّ عند أهل الكوفة منعة ما اجترأ على أن يأخذ حُجرا وأصحابه
من بينهم حتّى يقتلهم بالشام، ولكن ابن آكلة الاكباد علم أنّه قد ذهب الناس! أما
واللّه إن كانوا لجمجمة العرب عدّا ومنعة وفقها، وللّه درُّ لبيد حيث يقول:
ذهب الذين يُعاش في
أكنافهم
وبقيتُ في خَلْفٍ كجلد الاجربِ
لا ينفعون ولا يُرجّى
خيرهم
ويعاب قائلهم وإنّ لم يشغبِ
وقال: لمّا حجّ معاوية جاء إلى
المدينة زائرا فاستأذن على عائشة (رض) فأذنت له، فلمّا قعد قالت له:
يا معاوية! أمنت أن أُخبّئ لك من
يقتلك بأخي محمّد بن أبي بكر!؟
فقال: بيت الامان دخلت!
وقالت: يا معاوية! أما خشيت اللّه
في قتل حُجر وأصحابه؟!
قال: إنّما قتلهم من شهد عليهم!
وفي مسند أحمد(35) أنّه قال في
جوابها:
ما كنتِ لتفعليهِ وأنا في بيت
أمان! وقد سمعت النبيّ (ص) يقول: الايمان قيد الفتك، كيف أنا في الذي بيني وبينك
وفي حوائجك؟!
قالت: صالح.
قال: فدعينا وإيّاهم حتّى نلتقي
عند ربنا عزَّ وجلَّ.
وفي الاسشتيعاب: أنَّ ابن عمر كان
في السِّوق فنعي إليه حُجر، فأطلق حبوته وقام وقد غلب عليه النحيب.
قال: ((ولمّا بلغ الربيع بن زياد
الحارثي من بني الحارث بن كعب، وكان فاضلا جليلا، وكان عاملا لمعاوية على خراسان،
فلمّا بلغه قتل معاوية حُجر بن عدي دعا اللّه عزَّ وجلَّ فقال:
اللّهمَّ إن كان للربيع عندك خير
فاقبضه إليك وعجّل، فلم يبرح من مجلسه حتّى مات ؛)).
وجعل معاوية لمّا حضرته الوفاة
يغرغر بالصوت ويقول: ((يومي منك يا حُجر طويل))
(36).
* * *
هذا هو حُجر وأُولئك أصحابه وتلك
سبئيَّتهم!!!
عبّاد الاُمّة وزُهّادها، من أفاضل
أصحاب النبيّ الابرار وتابعيهم بإحسان، أنكروا على الولاة (أمثال المغيرة بن شعبة،
وزياد بن أبيه) لَعْنهم الامام عليّا على المنابر، ولم يرتضوا تأخيرهم الصّلاة عن
وقتها، أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر؛ فحوربوا حتّى أُسروا وزُوّرتْ عليهم شهادة
الشهود، ثمَّ صُفّدوا بالاغلال وحُملوا من بلد إلى بلد، ثمَّ عُرِضَ عليهم لعن
الامام والبراءة من دينه، فأبوا
لعن أخي الرَّسول وأوَّل القوم
إسلاما، وأبوا أن يتبرّأوا من دينه دين الاسلام؛ فحُفرت أمامهم القبور ونُشرت
أكفانهم.
فمكث هؤلاء حتّى الصباح يُصلّون
لربهم ويدعون، وفي الصباح عُرضَ عليهم لعن عليّ والبراءة مِنْ دينه أو القتل
فأستقبلوا الشهادة واحدا بعد الاخر.
وكان من جملتهم عمرو بن الحمق
الخزاعي الذي فرَّ من ابن زياد والتجأ إلى كهف بالقرب من الموصل، فأدركوه وقطعوا
رأسه وأبردوا به من بلدٍ إلى بلد، ثمّ ألقوه إلى زوجته المسجونة في ولاء عليٍّ
يُرعبونها.
ومنهم من دفنوه حيّا في حبّ عليّ
وولائه.
* * *
وكان وقع فعل جبابرة آل أُمية
عظيما على أعيان المسلمين، فتلك أم
المؤمنين تبادر بإرسال من يقول
لمعاوية: اللّه اللّه في حُجر وأصحابه، ثمَّ تقول فيهم: ((واللّه إنّ كانوا لجمجمة
العرب)).
وتستشهد فيهم بقول لبيد:
ذهب الذين يُعاش في
أكنافهم
وبقيت في خَلْفٍ كجلدِ الاجربِ
وذلك عبداللّه بن عمر يقوم ويطلق
حبوته في السوق وينتحب باكيا، ويدعو فاضل المسلمين الجليل الربيع بن زياد الحارثي
أن يقبضه اللّه إليه فيستجيب اللّه دعاءه.
ويغرغر معاوية عند موته بقوله:
((يومي منك يا حُجر طويل)).
هؤلاء هم السبئية، وهذه أوَّل
مرَّة في التاريخ تطلق السبئية
(37) في نصٍّ رسمي ويقصد منها التعيير للقبائل
السبئية ومن والاها، فما الذي دعا زيادا إلى ذلك؟!
كانت والدة زياد سميّة أمة لدهقان
من دهاقين الفرس، ثمَّ وهبها للحارث بن كلدة الثقفي وزوَّجها هذا من عبد رومي له
اسمه عبيد، وعلى فراش عبيد ولدت سميّة زيادا، وكان زياد ينسب إلى عبيد الرومي هذا،
وزياد بنفسه اشترى والديه وأعتقهما.
ثمَّ دار الزمان دورته وإذا
بمعاوية الخليفة يُلحقه بأبيه أبي سفيان استنادا إلى ادّعاء أبي سفيان أنّه زنى في
الجاهلية بأُمّه سُميَّة زوجة عبيد الرومي فولدت زيادا من مائه وبشهادة أبي مريم
الخمّار السلولي حيث شهد بمحضر معاوية وزياد وغيرهما:
أنّ أبا سفيان حضر عنده وطلب منه
بغيا، وأنّه قال له:
ليس عنده إلاّ سُميّة. فقال له أبو
سفيان: ائتني بها على قذرها ووضرها. قال:
فأتيته بها فخلا معها ثمَّ خرجت من
عنده وإنَّ إسكتيها ليقطران منيّا.
فقال زياد: مهلا أبا مريم! إنّما
بُعثت شاهدا ولم تُبعث شاتما
(38).
هكذا ألحق معاوية زيادا بنسبه،
وتحرَّج أبرار المسلمين من نسبة زياد إلى أبي سفيان وقالوا إنّه ردّ لحكم الرسول
((الولد للفراش وللعاهر الحجر))، وكانوا يقولون فيه: زياد بن أبيه، وعارض معاوية
وزيادا جماعات على عهدهما، ونظم الشعراء في الاستهزاء بذلك؛ الاشعار!
مثل قول عبد الرحمن بن الحكم بن
أبي العاص:
ألا أبلِعْ معاوية بن
حربٍ
مغلغةً من الرجل الهجانِ
أتغضب أن يقال أبوك
عفُّ
وترضى أن يقال أبوك زانِ
فأشهَدُ أنَّ
رحمك من زياد
كرحم الفيل من ولد الاتانِ
وأشهد أنّها ولدت زياداوصخرٌ من
سميّة غير داني فبلغ ذلك معاوية بن حرب، فحلف ألا يرضى عبد الرحمن حتى يرضى عنه
زياد، فخرج عبد الرحمن إلى زياد وأرضاه بأبيات قال فيها:
لانت زيادةٌ في آل حرب
أحبّ إليّ من وسطي بناني
سررتُ بقربه وفرحتُ لمّا
أتاني اللّه منه بالبيانِ
وقلت له أخو ثقة وعمّ
بعون اللّه في هذا الزمانِ
(39)
كلُّ ذلك أوجد في زياد عقدة النقص،
ودفعته هذه العقدة إلى أن يسرف في الشموخ بأنتسابه إلى أُمية ويبالغ في رفع شأنهم
وشأن حلفائهم، ويقع في مناوئيهم من قبائل قحطان وحلفائها.
وكانت ربيعة من حلفاء السبائية،
وذلك لانّهم ـ أيضا ـ كانوا من شيعة عليّ وأنصاره.
ولهم مواقف كريمة في نصرته في
واقعة الجمل وغيرها.
وعقد الامام بين قبائل اليمن
وربيعة حلفا وكتب بينهما ما يلي:
هذا ما اجتمع عليه أهل اليمن
حاضرها (40) وباديها، وربيعة حاضرها وباديها أنّهم على كتاب اللّه يدعون إليه
ويأمرون به، ويجيبون من دعا إليه وأمر به، لا يشترون به ثمنا ولا يرضون به بدلا،
وأنّهم يد واحدة على من خالف ذلك وتركه، أنصارٌ بعضهم لبعض، دعوتهم واحدة، لا
ينقضون عهدهم لمعتبة
(41) عاتب، ولا لغضب غاضب، ولا لاستذلال قومٍ قوما، ولا
لمسبَّة قومٍ قوما. على
ذلك شاهدهم وغائبهم، وسفيههم
وعالمهم، وحليمهم وجاهلهم. ثمَّ إنَّ عليهم بذلك عهد اللّه وميثاقه إنَّ عهد اللّه
كان مسؤولا.
وكتب عليّ بن أبي طالب
(42).
* * *
دخلت ربيعة بعد هذا الحلف في عداد
قبائل اليمن السبئية في العراق وما تابعها، وأصبحوا يدا واحدة على من ناوأهم
(43).
ودفعت عقدة النقص دَعِيَّ بني
أُمية زيادا إلى أن يعيّر القبائل السبائية كما مرَّ علينا في كتابه إلى معاوية،
وأطلق اللقب ـ أيضا ـ على الافراد الذين أعانوهم من غير قبائلهم تغليبا كما يقال
للشمس والقمر: الشمسان والقمران يتغليب أحدهما على الاخر، ولم يكن زيادٌ يقصد من
السبئية غير تعيير القبائل اليمانية ومن أعانها؛ شيئا آخر، ويشهد على ذلك؛ الشهادة
المزوَّرة التي نظمها ضدَّهم يصف فيها عقائدهم وجرائم أعمالهم ليقتلهم بها. فإنَّ
كلَّ ما فيه من الغمز بهم والطعن عليهم أنّهم:
(أظهروا شتم الخليفة ودعوا إلى
حربه) ذكر هذا في تعداد جرائم أعمالهم. وفي
مقام ذكر عقيدتهم قال: ((وزعموا
أنّ الخلافة لال أبي طالب وأظهروا عذر أبي تراب والترحّم عليه)) يقصد عذره في قتل
عثمان الذي يتّهمنونه به.
ولمّا لم تُرض هذه الشهادة زيادا
نظم غيرها وذكر فيها جرائم أعمالهم كما يلي:
((إنّهم خلعوا الطاعة وفارقوا
الجماعة ودعوا إلى حرب الخليفة وجمعوا الجموع ونكثوا البيعة وخلعوا أمير المؤمنين
معاوية)).
وبخلعهم معاوية كفروا كفرةً صلعاء
في حساب دَعيّ بني أُميّة.
وكان ما ذكره في شهاداته المزوَّرة
كلَّ ما استطاع انّ يتّهمهم به من انحراف في العقيدة وجريمة في القول والفعل.
وكان ذلك من زياد الّذي كان مخالطا
للشيعة في عصر الامام، وأميرا عليهم بعده، وممّن يعرفهم ويعرف آراءهم، وقد آلى على
أن يحرص على قطع خيط رقبة حُجر ـ وكان ذلك في سنة خمسين أو إحدى وخمسين أي بعد عشر
سنوات من حكم الامام ـ فلو علم زياد المخالط للشيعة قبل ذلك، والامير عليهم في يومه
ومن ألدّ أعدائهم، لو علم هذا بوجود جماعة كانت تدّعي الاُلوهية للامام، أو برجعة
الرسول، أو غيرهما ممّا ورد في رواية سيف، وكتب أهل الملل والنّحل؛ لمّا تورَّع
زياد عن نسبتها إلى حُجر وجماعته وهو في صدد تعداد جرائمهم ليقتلهم بها.
وكذلك كانت حجّة لمعاوية يدافع بها
عن نفسه في ما ارتكب من جريمة قتلهم فإنّه كان باستطاعته أنّ يرميهم بها فيقول:
كانوا من السبائية.
وعدم رمي زياد ومعاوية أُولئك بها
أعظم دليل على أنَّ أحدا لم يكن يعرف إلى ذلك التاريخ بوجود فرقة مذهبية دانت بما
ذكرها أهل الملل والنحل بعدهم بقرون!
* * *
كانت هذه أوَّل مرَّة أطلقت
السبئية في نصّ رسمي وقصد بها تعيير القبائل السبائية ومن شاركها في ولاء عليّ.
ثمَ وجدنا بعد ذلك في عصر المختار،
وبعد تغلّبه على الكوفة بنصرة القبائل السبائية بقيادة إبراهيم بن الاشتر الهمداني
السبائي، ثمَّ قتله قتلة الحسين أمثال عمر ابن سعد القرشي، وشمر بن ذي الجوشن
الضبابي، وحرملة بن كاهل الاسدي، ومنقذ بن مرَّة العبدي(44) ونظرائهم من مشاهير
العدنانيين.
ثمَّ قتال إبراهيم السبائي لابن
زياد ـ ابن دعيّ بني أُميّة ـ وقتله.
بعد قتل المختار أمثال هؤلاء
بالسيف استنادا إلى أنّهم قتلة ذرّية الرسول وإعلان ذلك ونشر الدعاية ضدّهم.
بعد كلّ ذلك وجدنا خصوم المختار
يتكتَّلون ضدّه ويقابلونه حربا بالسيف ونشرا للاراجيف.
فنسبوا إليه أدّعاء النبوَّة ونزول
الوحي عليه، ونبزوا أنصاره بالسبئية وقصدوا بها أنّهم يمانية آمنوا بالمختار
وصدَّقوا أقواله كما تدلُّ عليه الرواية الاتية:
روى الطبري: أنَّ شبث بن ربعي
عندما كان يقاتل جيش المختار أسر منهم سعر ابن أبي سعر الحنفي، وخليد مولى حسّان بن
يخدج.
فقال شبث لخليد: من أنت؟
فقال: مولى حسان بن يخدج الذهلي.
فقال له شبث: يا ابن المتكاء! تركت
بيع الصِحناة بالكُناسة، وكان
جزاء من أعتقك أنّ تعدو عليه بسيفك
تضرب رقابه! اضربوا عنقه بسيفه.
فقتل
(45).
ورأى سعر الحنفي فعرفه، فقال:
أخو بني حنفية؟!
فقال له: نعم!
فقال: ويحك! ما أردت إلى اتّباع
هذه السبئية؟ قبّح اللّه رأيك! دعوا ذا.
* * *
هذا النصّ يدلّنا على أنَّ
التعيير كان على حساب متابعة قبائل اليمن السبائية لا أكثر من ذلك.
فأنَّ شبث بن ربعي كان تميمّا من
بني يربوع، وسعر بن أبي سعر بكريا من بني حنيفة بن لجيم، وكلاهما عدنانيان، وشبث
يعيِّر سُعَرَ على اتباعه السبئية اليمانية من أتباع المختار حين هو من العدنانية.
* * *
وبعد أن قضوا على المختار وثورته،
وحكم البلد خصومه العدنانيون؛ جالوا في العراق وصالوا، غير أنَّهم لم يستأصلوا شأفة
أنصار المختار السبائيين، بل ظهر هؤلاء قبل ذلك في جيش التوّابين بقيادة سليمان بن
صرد الخزاعي السبائي.
وقاتلوا خصومهم حتّى قُتلوا، وبعده
في ثورات العلويّين.
وقع كلُّ هذا في مجتمع أهل الكوفة
وأمتدَّ بأمتداد احتكاك الجانبين. حتّى إذا كان أوائل القرن الثاني الهجري نجد لفظة
السبئية في نصٍّ رسمي آخر كما يلي.
* * *
قال الطبري: لمّا بويع أبو العباس
بالخلافة صعد المنبر وخطب وقال في خطبته:
((وخصَّنا برحم رسول اللّه
وقرابته، وأنشأنا من آبائه ـ إلى قوله ـ بعد إيراد الايات التي وردت في أهل البيت:
فأعلمهم ـ جلّ ثناؤه ـ فضلنا،
وأوجب عليهم حقّنا ومودّتنا، وأجزل من الفيء والغنيمة نصيبنا؛ تكرمةً لنا وفضلا
علينا واللّه ذو الفضل العظيم، وزعمت السبائية الضُّلال: أنَّ غيرنا أحقّ بالرئاسة
والسياسة والخلافة فشاهت وجوههم ، بِمَ؟ ولِمَ أيّها الناس؟! وبنا هدى اللّه الناس
بعد ضلالتهم، وبَصَّرهُمْ بعد جهالتهم، وأنقذهم بعد هلكتهم، وأظهر بنا الحق وأدحض
بنا الباطل... الخ)).
ولماذا افتتح أبو العباس السفّاح
خلافته بهذا الهجوم؟ نجد الجواب ـ أيضا ـ عند الطبري في ذكر حوادث سنة 132ه من
تاريخه حيث قال ما م لخّصه:
وصل الجيش الّذي أرسله أبو مسلم
إلى العراق وغلبوا على جيش بني أُميّة، ثمَّ توجَّهوا إلى الكوفة، وبايعوا أبا سلمة
حفص بن سليمان مولى السبيع وكان يقال له وزير آل محمّد. وكانت الدَّعوة لابراهيم بن
محمّد، فلمّا قتله مروان وبلغ الخبر أبا سلمة أراد أنّ يحوّل الامر إلى آل أبي
طالب وكان إبراهيم بن محمّد قد أوصى إلى أخيه أبي العباس السفاح، فسار هذا مع أهل
بيته إلى الكوفة فحال
دونهم أبو سلمة وأنزلهم خارج
الكوفة وحجر عليهم وكتم أمرهم عن القُوّاد أربعين ليلةً، وكان إذا سئل عنهم يقول:
لا تعجلوا! ليس هذا وقته، ومدينة واسط(46) لم تفتح بعد.
كان هذا دأبه حتّى علم القُوّاد
بمكان بني العباس، فدخلوا عليهم دون علم أبي سلمة وبايعوا السفّاح بالخلافة، ثمَّ
أخرجوهم وساروا بهم إلى دار الامارة ثمَّ إلى المسجد، وبويع السفّاح في المسجد
بالخلافة، ثمَّ خطب وقال في خطبته ما أوردناه.
وأراد في ما قال أنّ يدمغ خصومه
الذين كادوا أنّ يحوّلوا الخلافة إلى بيت أبناء عمومته فوصفهم بأنَّهم سبائية
ضلاّلٌ (47) ثمَّ شرح عقيدتهم بقوله:
((زعمت أنَّ غيرنا أحقّ بالرياسة
والسياسة والخلافة منّا)).
لم يستطع السفّاح أنّ يدمغ خصومه
بأكثر ممّا وصفهم بأنّهم يرون غيرهم أحقّ بالرياسة والخلافة، ولو أمكنه أنّ يدمغهم
بأكثر من ذلك لمّا تورَّع عنه، ولقال: إنّهم ضُلاّل مرقوا عن الاسلام وقالوا
بألوهية البشر، في حين أنّه لم يتورَّع عن قتل أبي سلمة غيلة
(48).
35 4 / 92.
36 الطبري.
37 أي قول زياد في كتابه إلى معاوية بشأن حجر وأصحابه (الترابية السبئية).
38 راجع تاريخ ابن الاثير (3 / 370 ـ 372) في ذكر حوادث سنة 44ه والجزء الاول
من هذا الكتاب فصل (استلحاق زياد).
39 الاغاني: 13 / 266 ط، بيروت، أخبار عبد الرحمن.
40 الحاضر: ساكن المدينة، والبادي: المتردد في البادية.
41 المعتبة : الغيظ والعاتب المغتاظ. أي لا ينقضون هذا العهد عند غضب بعضهم من بعض
، أو استذلال بعضهم لبعض ، أو سب بعضهم لبعض.
42 الرابعة والخمسون من كتاب الرسائل من النهج (3 / 148).
43 بعد هذا الحلف يرد اسم ربيعة في الحوادث مع قبائل اليمن في العراق، وقد يقال:
قبائل اليمن؛ ويقصد بها القبائل السبئية وحلفاؤهم. ويقال: ((قبائل اليمن وحلفاؤهم
من ربيعة وغيرها)) راجع تاريخ ابن الاثير (5 / 311).
44 هؤلاء قتلة الحسين وأهل بيته، قتل حرملة عبداللّه بن الحسين الرضيع في حجر
أبيه بسهم، وقتل منقذ بن مرة ابنه عليّا المشهور بالاكبر وكانوا جميعا من
العدنانيين.
45 كان شبث بن ربعي مع سجاح التميميَّة حين ادعت النبوة، قيل: كان مؤذنا لها، ثمّ
كان في جيش ابن زياد الذي قتل الحسين ـ جمهرة أنساب العرب ص (227).
و(المتكاء) المرأة العظيمة البطن، والبظراء، المفضاة التي لا تمسك البول،
و(الصحناة) السمك الصغير المملوح، و(الكناسة) موضع الزبالة محلة بالكوفة.
46 مدينة واسط كانت تقع في وسط الطريق بين البصرة والكوفة وفتحها بنو العباس بعد
ذلك.
47 ورد هذا النص في تاريخ ابن الاثير (شامية ضُلال) بدل (سبائية ضُلال) في تاريخ
الطبري ورجحنا صحة نص الطبري لانّ السفاح ذكر بعد ذلك خصومه من بني أُمية بأشد
وأقسى من هذا.
48 ذكر الطبري وغيره أنهم اغتالوا أبا سلمة لموقفه ذاك.