منشأ تغيير مدلول ((السبائي)):

ولو بحثنا عن منشأ تغيير مدلول لفظ (السبائي) من الدلالة على الانتساب إلى قبائل قحطان اليمانية، إلى المدلول المذهبي الجديد لوجدناه ينتهي إلى زمن تجمُّع القبائل السبئية، من شعية عليّ في الكوفة بعد نصرتها إياه في الجمل وصفّين وغيرهما بقيادة رؤوسهم وأشرافهم أمثال:

1 ـ عمَّار بن ياسر العَنسي السبائي.

2 ـ مالك الاشتر وكميل بن زياد النخعيين السبائيين وأفراد قبيلتهما.

3 ـ حجر بن عديّ الكندي السبائي وأفراد قبيلته وجماعته وتلاميذه.

4 ـ عديّ بن حاتم الطائي السبائي وأفراد قبيلته.

5 ـ قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي السبائي والخزرجيّين من الانصار معه.

6 ـ ذي‌الشهادتين خزيمة بن ثابت، وسهل بن حنيف، وعثمان بن حنيف السبائيّين وسائر الاوسيين من الانصار معهم.

7 ـ عبداللّه بن بديل، وعمرو بن الحمق، وسليمان بن صرد الخزاعيين السبائيين وأفراد قبيلتهم.

هؤلاء إلى عشرات الالوف من قبائلهم السبائية كانوا من ألدّ الخصوم للسلطة الاموية القرشية العدنانية منذ عصر عثمان وحتَّى آخر يوم من عصر الدولة الاُموية، وإلى آخر ساعة من حياة كلّ فرد من أولئك الشيعة.

كان كلُّ أُولئك سبائيين بالنسب، وقيل لهم: (السَّبئيُّون) تعييرا ونبزا بالالقاب ابتداء من عصر زياد بن أبيه في الكوفة.

كما ورد في كتاب زياد الاتي إلى معاوية:

((بسم اللّه الرَّحمن الرحيم: لعبد اللّه معاوية أمير المؤمنين.

أما بعد، فإنّ اللّه قد أحسن عند أمير المؤمنين البلاء فكاد له عدوّه وكفاه مؤونة من بغى عليه، إنّ طواغيت من هذه الترابية السبائية رأسهم حُجر بن عديّ؛ خالفوا أمير المؤمنين، وفارقوا جماعة المسلمين، ونصبوا لنا الحرب، فأظهرَنَا اللّه عليهم وأمكننا منهم، وقد دعوت خيار أهل المصر وأشرافهم وذوي السنّ والدين منهم؛ فشهدوا عليهم بما رأوا وعملوا، وقد بعثت بهم إلى أمير المؤمنين، وكتبت شهادة صلحاء أهل المصر وخيارهم في أسفل كتابي هذا)).

لمّا وصف زياد حُجرا وجماعته بـ (الترابية السبائية) استشهد أهل مصرهم عليهم فشهدوا عليهم بما يلي استجابة لرغبته:

روى الطبري قال:

((بعث زياد إلى أصحاب حُجر حتّى جمع منهم اثني عشر رجلا في السجن، ثمَّ إنّه دعا رؤوس الارباع فقال: اشهدوا على حجر بما رأيتم منه.

وكان رؤوس الارباع يومئذ:

عمرو بن حريث على ربع أهل المدينة.

وخالد بن عرفطة على ربع تميم وهمدان.

وقيس بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة على ربع ربيعة وكندة.

وأبو بردة بن أبي موسى ـ الاشعري ـ على مَذحج وأسد.

فشهد هؤلاء الاربعة بما يلي:

إنّ حُجرا جمع إليه الجموع وأظهر شتم الخليفة ودعا إلى حرب أمير المؤمنين وزعم أنَّ هذا الامر لا يصلح إلاّ في آل أبي طالب، ووثب بالمصر وأخرج عامل أمير المؤمنين، وأظهر عذر أبي تراب والترحّم عليه والبراءة من عدوّه وأهل حربه. وإنَّ هؤلاء النفر الّذين معه هم رؤوس أصحابه وعلى مثل رأيه وأمره)).

قال الطبري:

((ونظر زياد في شهادة الشهود فقال: ما أظن هذه الشهادة قاطعة، وإنّي لاحب أنّ تكون الشهود أكثر من أربعة)).

ثمَّ روى الطبري الشهادة الّتي نظمها زياد كما يلي:

((بسم اللّه الرحمن الرحيم: هذا ما شهد عليه أبو بردة بن أبي موسى للّه ربّ العالمين، شهد أنَّ حُجر بن عديّ خلع الطاعة وفارق الجماعة ولعن الخليفة ودعا إلى الحرب والفتنة وجمع إليه الجموع يدعوهم إلى نكث البيعة وخلع أمير المؤمنين معاوية وكفر باللّه عزَّ وجلَّ كفرةً صلعاء))(8).

*          *          *

فقال زياد: على مثل هذه الشهادة فاشهدوا. أما واللّه لاجهدنَّ على قطع خيط‍ عُنق الخائن الاحمق، فشهد رؤوس الارباع على مثل شهادته، وكانوا أربعة. ثمَّ إنَّ زيادا دعا الناس فقال اشهدوا على مثل شهادة رؤوس الارباع .

قال الطبري: قال زياد: ((ابدأوا بقريش ثمَّ اكتبوا اسم من نعرفه ويعرفه أمير المؤمنين بالنصحية والاستقامة. فشهد عليه سبعون رجلا، فقال زياد: القوهم إلاّمن عرف...)).

ثمَّ ذكر الطبري أسماء من أثبت من الشهود وفيهم عمر بن سعد، وشمر بن ذي الجوشن، وشبث بن ربعي، وزجر بن قيس (9).

قال الطبري:

وشهد شدّاد بن المنذر بن الحارث بن وعلة الذّهلي، وكان يدعى ابن بزيعة(10).

فقال زياد: أما لهذا أب ينسب إليه؟ ألغُوهُ من الشهود، فقيل له: إنّه أخو  الحصين بن المنذر، فقال: انسبوه إلى أبيه. فنسب، فبلغ ذلك شدَّادا، فقال: والهفاه على ابن الزانية! أو ليست أُمّه أعرف من أبيه؟ فهو واللّه ما ينسب إلاّ إلى أمّه سُميّة.

قال الطبري: وكتب في الشهود شريح بن الحارث، وشريح بن هاني (11) فأما شريح بن الحارث فقال: سألني عنه فقلت: أما إنّه كان صوّاما قوّاما.

وأما شريح بن هانئ فقال: بلغني أنَّ شهادتي كُتبت فأكذبته ولمته. وكتب كتابا إلى معاوية وبعث به إليه بيد وائل بن حجر، وفي الكتاب:

بلغني أنَّ زيادا كتب شهادتي، وإنَّ شهادتي على حجر أنّه ممّن يقيم الصّلاة، ويؤتي الزَّكاة، ويديم الحجَّ والعمرة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حرام الدّم والمال، فإنّ شئت فاقتله، وإنّ شئت فدعه.

فلمّا قرأ معاوية الكتاب، قال: ما أرى هذا إلاّ قد أخرج نفسه من شهادتكم.

وكتب شهادة السري بن وقاص الحارثي وهو غائب في عمله.

*          *          *

وصف زياد حُجرا وجماعته بـ (الترابية السبائية) واستشهد عليهم من شهد عليه بما مرَّ! فمن هو حُجر؟ وما هي قصة سبائيته؟

هو حُجر بن عديِّ بن معاوية من بني معاوية بن كندة من قبائل سبأ بن يشجب.

قالوا في ترجمته ما يلي:

في طبقات ابن سعد وأُسد الغابة والاصابة:

وفد على النبيّ هو وأخوه هانئ وشهد القادسية، وهو الذي افتتح مرج عذراء(12).

 

* في طبقات ابن سعد:

كان جاهليا إسلاميا وكان في ألفين وخمسمائة من العطاء. وكان ثقةً عينا ولم يرو عن غير عليّ شيئا.

 

* في المستدرك للحاكم:

أحد الصحابة العدول، راهب أصحاب محمّد.

 

* في الاستيعاب:

كان من فضلاء أصحاب محمّد، وكان مستجاب الدعوة.

 

* في أُسد الغابة:

وكان من فضلاء الصحابة، وكان على كندة بصفّين، وعلى المسيرة يوم النهروان، وشهد الجمل ـ أيضا ـ مع عليّ، وكان من أعيان الصحابة.

وقال: وهو المعروف بحجر الخير.

 

* في سير النبلاء:

كان شريفا مطاعا أمارا بالمعروف مُقدّما على الانكار، من شعية عليّ (رض) شهد صفّين أميرا وكان ذا صلاح وتعبُّد.

 

* في تاريخ الاسلام للذهبي:

لحجر صحبة ووفادة، وكان صالحا عابدا. يلازم الوضوء ويكثر الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

* في تاريخ أبن كثير:

وفد إلى رسول اللّه وكان من عُبّاد اللّه وزهّادهم، وكان بارّا بأُمّه.

وكان كثير الصّلاة والصيام، وما أحدث إلاّ توضّأ (13)، وما توضّأ إلاّ صلّى.

 

* وفي الاصابة:

صحب عليّا فكان من شيعته، وشهد موت أبي ذرّ بالربذة.

وروى:

أنّه أصابته جنابة، فقال للموكَّل به:

أعطني شرابي أتطهَّر به، ولا تُعطني غدا شيئا.

فقال: أخاف أنّ تموت عطشا فيقتلني معاوية.

قال: فدعا اللّه فانسكبت له سحابة بالماء، فأخذ منه الّذي احتاج إليه.

فقال له أصحابه: أُدْع اللّه أنّ يخلِّصنا!

فقال: اللّهمّ خِرْ لنا.

هذا هو حُجر. وأما قصّة سبائيته، فقد روى الطبري في أوَّل باب أحداث سنة إحدى وخمسين وقال في (حديث حُجر وأصحابه):

إنَّ معاوية بن أبي سفيان لمّا ولَّى المغيرة بن شعبة الكوفة في جمادي سنة 41 دعاه وقال له:

قد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة فأنا تاركها اعتمادا على بصرك بما

يرضيني ويسعد سلطاني ويصلح به رعيتي، ولست تاركا إيصاءك بخصلة: لا تتحمَّ (14) عن شتم عليّ وذمّه، والترحُّم على عثمان والاستغفار له، والعيب على أصحاب عليّ والاقصاء لهم وترك الاستماع منهم، وبإطراء شيعة عثمان رضوان اللّه عليه والادناء لهم والاستماع منهم.

فقال المغيرة:

قد جَرَّبتُ وَجُدِّيتُ، وعملتُ قبلك لغيرك فلم يذمم بي دَفْعٌ ولا رَفْعٌ ولا وضْعٌ، فستبلو فتحمِد أو تذمّ. قال معاوية: بل نحمد إنّ شاء اللّه.

قال الطبري (15): وأقام المغيرة عاملا لمعاوية سبع سنين وأشهرا وهو من أحسن شي‌ء سيرةً وأشدَّه حبّا للعافية غير أنّه لا يدع ذمَّ عليّ والوقوع فيه، والعيب لقتلة عثمان واللعن لهم، والدُّعاء لعثمان بالرحمة، والاستغفار له، والتزكية لاصحابه، فكان حُجر بن عَديُّ إذا سمع ذلك، قال: بل إيّاكم فذمّم اللّه ولعن، ثمَّ قام، فقال: إنّ اللّه عزَّ وجلَّ يقول: (كونوا قوّامين بالقسط شهداء للّه)، وأنا أشهد أنَّ من تذمُّون وتعيِّرون لاحَقُّ بالفضل، وأنَّ من تُزكُّون وتُطرُون أولى بالذَّمّ. فيقول المغيرة:

يا حُجر، لقد رُمي بسهمك إذ كنتُ أنا الوالي عليك! يا حُجر ويحك! اتَّقِ السلطان! اتَّقِ غضبه وسطوته! فإنَّ غضبة السلطان أحيانا ممّا يهلك أمثالك كثيرا، ثمَّ يكفُّ عنه ويصفحُ، فلم يزل حتّى كان في آخر إمارته، قام المغيرة فقال في عليٍّ وعثمان كما كان يقول، وكانت مقالته:

اللّهمّ أرحم عثمان بن عفّان، وتجاوز عنه، واجزه بأحسن عمله فإنّه عمل بكتابك، واتَّبَعَ سُنَّة نبيك (ص)، وجمع كلمتنا، وحقن دماءنا وقتل مظلوما، اللّهمّ فارحم أنصاره وأولياءه ومحِبّيه والطالبين بدمه. ويدعو على قتلته (16).

فقام حُجر بن عدي فنعر نعرةً بالمغيرة سمعها كل من كان في المسجد وخارجا منه وقال:

إنك لا تدري بمن تَوَلَّع من هَرَمك! أيّها الانسان! مر لنا بأرزاقنا وأُعطياتنا، فإنَّك قد حبستها عنّا وليس ذلك لك، ولم يكن يطمع في ذلك من كان قبلك، وقد أصبحت مولَعا بذمّ أمير المؤمنين وتقريض المجرمين.

قال: فقام معه أكثر من ثُلِثي الناس يقولون: صدق واللّه حُجر وبرَّ، مُرْ لنا بأرزاقنا وأعطياتنا، فإنا لا ننتفع بقولك هذا، ولا يجدي علينا شيئا. وكثروا في مثل هذا القول ونحوه. فنزل المغيرة واستأذن عليه قومه فأذن لهم، فقالوا: علامَ تترك هذا الرجل يقول هذه المقالة، ويجترئ عليك في سلطانك هذه الجرأة؟! إنَّك تجمع على نفسك بهذا خصلتين:

أمّا أوَّلهما(17) فتهوين سلطانك!، وأما الاُخرى: فإنَّ ذلك إن بلغ معاوية كان أسخط له عليك.

قال: فقال لهم المغيرة بن شعبة:

إنّي قد قتلته، إنّه سيأتي أمير بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به شبيها بما ترونه يصنع بي، فيأخذه عند أوَّل وهلة فيقتله شرَّ قتلة، إنّه قد اقترب أجلي وضعف عملي، ولا أُحِبُّ أنّ ابتدئ أهل هذا المصر بقتل خيارهم وسفك دمائهم، فيسعدوا بذلك وأشقى، ويعزُّ في الدُّنيا معاوية، ويذلُّ يوم القيامة المغيرة، ولكنّي قابل من محسنهم وعافٍ عن مسيئهم، وحامد حليمهم وواعظ سفيههم حتّى يفرِّق بيني وبينهم الموت، وسيذكرونني لو قد جرَّبوا العمّال بعدي.

روي الطبري وقال:

((فولي المغيرة الكوفة سنة 41 في جمادي وهلك سنة 51 فجمعت الكوفة والبصرة لزياد بن أبي سفيان فأقبل زياد حتّى دخل القصر بالكوفة)).

في طبقات ابن سعد والنبلاء للذهبي:

ولمّا قدم زياد واليا دعا بحجر فقال:

تعلم أنّي أعرفك، وقد كنت أنا وإيَّاك على ما قد علمت من حبّ عليّ بن أبي طالب، وإنَّه قد جاء غير ذلك. وإنّي أُنشدك اللّه أن تقطر لي من دمك قطرة فأستفرغه كلّه، إملك عليك لسانك وليسعك منزلك، وهذا سريري فهو مجلسك،  وحوائجك مقضيَّة لديَّ، فأكفني نفسك فإنّي أعرف عجلتك. فأُنشدك اللّه يا أبا عبد الرَّحمن في نفسك، وإيّاك وهذه السفلة وهؤلاء السفهاء أنّ يستزلوُّك عن رأيك، فإنّك لو هُنت عليَّ أو استخففتُ بحقّك؛ لم أخصَّك بهذا من نفسي.

فقال حجر: قد فهمتُ. ثمَّ انصرف إلى منزله فأتاه إخوانه من الشيعة فقالوا: ما قال لك الامير؟ قال: قال لي كذا وكذا، قالوا: ما نصح لك. فأقام  وفيه بعضالاعتراض (18) وكانت الشيعة يختلفون إليه ويقولون: إنّك شيخنا وأحق النّاس بإنكار هذا الامر، وكان إذا جاء إلى المسجد مشوا معه. فأرسل إليه عمرو بن حريث ـ وهو يومئذ خليفة زياد على الكوفة وزياد بالبصرة ـ:

أبا عبد الرحمن! ما هذه الجماعة وقد أعطيت الامير من نفسك ما قد علمت؟!

فقال للرسول:

تنكرون ما أنتم فيه، إليك! وراءك أوسع لك!

فكتب عمرو بن حريث بذلك إلى زياد.

وكتب إليه: إن كانت لك حاجة في الكوفة فالعجل!

فأغذَّ زياد السير حتّى قدم الكوفة.

وروى الطبري وقال:

فشخص إلى الكوفة حتّى دخلها فأتى القصر فدخله ثمَّ خرج فصعد المنبر وعليه قباء سُندس ومطرف خزّ أخضر قد فرق شعره، وحُجر جالس في المسجد حوله أصحابه أكثر ما كانوا. فحمد اللّه وأثنى عليه ثمَّ قال:

أما بعد: فإنّ غبَّ البغي والبغيّ وخيم، إنَّ هؤلاء جموا فأشروا وأمنوني فاجترأوا عليَّ، وايم اللّه لئن لم تستقيموا لاُداويَنَّكُمْ بدوائكم!

وقال: ما أنا بشي‌ء إنّ لم أمنع باحة الكوفة من حُجر، وأدعه نكالا لمن بعده! ويلُ أُمّك يا حجر! سقط العشاء بك على سرحان.

وفي رواية أُخرى بعدها قال:

خطب زياد يوما في الجمعة فأطال الخطبة وأخّر الصّلاة فقال له حُجر بن عديّ: الصّلاة، فمضى في خطبته، ثمَّ قال: الصّلاة، فمضى في خطبته. فلمّا خشي حجر فوت الصّلاة(19) ضرب بيده إلى كفّ من الحصا وثار إلى الصّلاة وثار النّاس معه، فلمّا رأى ذلك زياد نزل فصلّى بالنّاس، فلمّا فرغ من صلاته كتب إلى معاوية في أمره وكثَّر عليه؛ فكتب إليه معاوية أنّ شُدَّه في الحديد واحمله إليَّ. وقال في رواية أُخرى بعدها ما ملخّصها أنّ زيادا أرسل إليه الشرطة ليأتوه به.

فقال أصحابه: لا يأتيه ولا كرامة.

فأمر صاحب الشرطة نفرا فأتوه فقالوا: أجب الامير، فسبّوهم، قال: فوثب زياد بأشراف أهل الكوفة، فقال:

يا أهل الكوفة! أتشجّون بيد وتأسون بأُخرى؟! أبدانكم معي وأهواؤكم مع حُجر! هذا الهجاجة الاحمق المذبوب (20)! انتم معي وإخوانكم وأبناؤكم وعشائركم مع حُجر! هذا واللّه من دحسكم وغشّكم! واللّه لَتُظْهِرُنَّ لي براءتكم أو لاتينّكم بقوم أُقِيمُ بهم أودَكم وصعَركم!

فوثبوا إلى زياد، فقالوا: معاذ اللّه سبحانه أن يكون لنا في ما هاهنا رأي إلاّطاعتك وطاعة أمير المؤمنين! وكلُّ ما ظننّا أنَّ فيه رضاك وما يستبين به طاعتنا وخلافنا لحُجر، فمرنا به!

قال: فليقم كل امرئٍ منكم إلى هذه الجماعة حول حُجر فليدعُ كلُّ  رجل منكم أخاه وابنه وذا قرابته ومن يطيعه من عشيرته حتّى تقيموا عنه كلَّ من استطعتم أن تقيموه. ففعلوا ذلك فأقاموا جلَّ من كان مع حُجر بن عديّ، فلمّا رأى زياد أنّ جلَّ من كان مع حُجر أُقيم عنه قال لامير شرطته: انطلق إلى حُجر فإن تبعك فأتني به، وإلا  فَمُرْ من معك فلينتزعوا عَمَدَ السو ق ثمَّ يشدُّوا بهاعليهم حتّى يأتوني به ويضربوا من حال دونه.

فأتاه رئيس الشرطة فقال: أجب الامير.

فقال أصحاب حجر: ولا نُعمة عين، لا نجيبه!

فقال لاصحابه: شُدُّوا على عمد السوق! فاشتدُّوا إليها، فأقبلوا بها قد

انتزعوها.

فقال عمير بن يزيد الكندي من بني هند وهو أبو العَمرطة:

إنّه ليس معك رجل معه سيف غيري وما يغني عنك!

قال: فما ترى؟

قال: قم من هذا المكان فالحق بأهلك يمنعك قومك.

فقام زياد ينظر إليهم وهو على المنبر فغشوا بالعمد فضرب رجل من الحمراء ـ يقال له: بكر بن عبيد ـ رأس عمرو بن الحمق بعمود(21) فوقع فحمله رجلان من الازد وأتيا به دار رجل من الازد فخبّأه بها فلم يزل بها متواريا حتّى خرج منها.

قال الطبري:

وانحاز أصحاب حُجر إلى أبواب كندة، وضرب رجل من الشرطة عبداللّه ابن خليفة الطائي بعمود فصرعه وهو يرتجز:

       قد علمت يوم الهياج خُلّتي‌

                                 أنّي إذا ما فئتي تولّتِ

       وكثرتْ عُداتُها أو قلّت‌

                                 أنّيَ قَتَّالٌ غَدَاةَ بَلَّتِ

وخرج أصحاب حُجْر من تلقاء أبواب كندة فركب حُجر وانتهى إلى

داره واجتمع إليه ناس كثير من أصحابه ولم يأته من كندة كثير أحد، وقاتلوا دون حُجر فقال لهم حُجر: لا أباً لكم، تفرَّقوا لا تقاتلوا فإنّي آخذ في بعض السكك ثمَّ آخذ طريقا نحو بني حرب، فسار حتّى انتهى إلى دار رجل منهم يقال له سليم بن يزيد فدخل داره، وجاء القوم في طلبه حتّى انتهوا إلى تلك الدار فأخذ سليم سيفه ثَّم ذهب ليخرج إليهم، فبكت بناته.

فقال له حَجر: ما تريد؟!

قال: أُريد واللّه [أنْ] أسألهم أن ينصرفوا عنك، فإن فعلوا وإلا ضاربتهم بسيفي هذا ما ثبت قائمه في يدي دونك!

قال حُجر: لا أبا لغيرك، بئس ما دخلت به إذا على بناتك.

قال: إنّي واللّه ما أمونهنَّ ولا أرزقهنَّ، إن هو إلا على الحيّ الّذي لا يموت، ولا أشتري العار بشي‌ء أبدا، ولا تخرج من داري أسيرا أبدا وأنا حيُّ أملك قائم سيفي، فإن قُتلت دونك، فاصنع ما بدا لك!

قال حُجر: أما في دارك هذه حائط أقتحمه، أو خوخة أخرج منها عسى أن يسلّمني اللّه عزَّ وجلَّ منهم، ويسلّمك، فإذا القوم لم يقدروا عليّ عندك لم يضرُّوك.

قال: بلى! هذه خوخة تخرجك إلى دور بني العنبر وإلى غيرهم من قومك، فخرج حتّى انتهى إلى النخع، وأقبل إلى دار عبداللّه بن الحارث أخي الاشتر، فأحسن لقاءه، فبينما هو عنده إذ أُتي فقيل له: إنَّ الشَّرَطَ تسأل عنك في النخع، وذلك أنَّ أمة سوداء لقيتهم فقالت: من تطلبون؟ فقالوا: حُجر بن عدي، فقالت: هو في النخع، فأنصرفوا نحو النخع. فخرج من عند عبداللّه متنكَّرا وركب معه عبداللّه بن الحارث ليلا حتى أتى دار ربيعة بن ناجد الازدي في الازد، فنزلها يوما وليلة، فلمّا أعجزهم أنّ يقدروا عليه؛ دعا زياد  بمحمَّد بنالاشعث فقال له: يا أبا ميثاء! أما واللّه لتأتيّني بحُجر أو لا أدع لك نخلة إلاّ قطعتها، ولا دارا إلاهدمتها، ثمَّ لا تسلم منّي حتّى أقطعك إربا إربأ! قال: أمهلّني حتّى أطلبه. قال: قد أمهلتك ثلاثا، فإنَ جئت به، وإلاّ  عُدَّ نفسك مع الهلَكَى.

وأُخرج محمَّدٌ نحو السجن منتقع اللون يتلُّ تلاّ ً عنيفا، فقال حُجر بن يزيد الكندي لزياد: ضمِّنِّيه وخلّ سبيله يطلب صاحبه فإنّه مُخَلّى سِربُه أحرى أن يقدر عليه إذا كان محبوسا!

فقال : أتضمنه؟!

قال: نعم.

قال: أما واللّه لئن حاص عنك لاُزيرنّك شعوب (22) وإن كنت الان عليَّ كريما.

قال: إنّه لا يفعل.

فخلّى سبيله، وأحضر قيس بن يزيد أسيرا، فقال له:

إني قد علمت أنّك لم تقاتل مع حُجر إلا حميّة، قد غفرتها لك لمّا أعلم من حسن رأيك وحسن بلائك ـ كان مع معاوية في صفين ـ ولكن لن أدعك حتى تأتيني بأخيك عمير.

قال: أجيئك به إنّ شاء اللّه.

قال: فهات من يضمنه لي معك.

قال: هذا حُجر بن يزيد يضمنه لك معي.

قال حُجر بن يزيد: نعم أضمنه لك على أن تؤمنه على ماله ودمه. قال: ذلك لك.

فأنطلقا فأتيا به وهو جريح، فأمر به فأُوقر حديدا ثمَّ أخذته الرجال ترفعه حتّى إذا بلغ سورها ألقوه فوقع على الارض، ثمَّ رفعوه وألقوه  ففعلوا به ذلك مرارا، فقام إليه حُجر بن يزيد، فقال: ألم تؤمنه على ماله ودمه أصلحك اللّه؟!

قال: بلى قد آمنته على ماله ودمه، ولست أهريق له دما ولا آخذ له مالا!

قال: أصلحك اللّه! يُشْفى به على الموت، ودنا منه، وقام من كان عنده من أهل اليمن(23) فدنوا منه وكلّموه.

فقال: أتضمنونه لي بنفسه فمتى ما أحدث حدثا أتيتموني به؟!

قالوا: نعم!

فخلّى سبيله. ومكث حُجر بن عديّ في منزل ربيعة الازدي يوما وليلةً ثمَّ بعث إلى محمّد بن الاشعث: إنّه قد بلغني ما استقبلك به هذا الجبّار العنيد، فلا يهولنَّك شي‌ء من أمره، فإنّي خارج إليك، اجمع نفرا من قومك ثمَّ أدخل عليه فاسأله أن يؤمنني حتّى يبعث بي إلى معاوية فيرى فيَّ رأيه.

فخرج ابن الاشعث إلى حُجر بن يزيد وإلى جرير بن عبداللّه وإلى عبداللّه بن الحارث أخي الاشتر فأتاهم فدخلوا إلى زياد فكلّموه وطلبوا منه أنّ يؤمنه حتّى يبعث به إلى معاوية فيرى فيه رأيه ففعل، فبعثوا إليه يعلمونه أن قد أخذنا الّذي تسأل، وأمروه أن يأتي. فأقبل حتّى دخل على زياد.

فقال زياد: مرحبا بك أبا عبد الرحمن! حرب في أيّام الحرب، وحرب وقد سالم الناس، على أهلها تجني براقش!(24).

قال: ما خالعت طاعة، ولا فارقت جماعة، وإنّي لعلى بيعتي!

فقال: هيهات! هيهات يا حُجر! تشجّ بيد وتأسو بأخرى وتريد إذا أمكن اللّه منك أنّ نرضى، كلا واللّه.

قال: ألم تؤمنّي حتى آتي معاوية فيرى فيَّ رأيه؟!

قال: بلى! قد فعلنا، انطلقوا به إلى السجن، فلمّا قُفّي به من عنده، قال زياد: أما واللّه لولا أمانه ما برح أو يلفظ مهجة نفسه.

وقال زياد: وا للّه لا حرصنَّ على قطع خيط رقبته.

ولمّا قُفّيّ بحُجر من عند زياد نادى بأعلى صوته:

اللّهمَّ! إنّي على بيعتي ! لا أقيلها ولا أستقيلها! سماع اللّه والناس، وكان عليه برنس في غداة باردة، فحبس عشر ليالٍ وزياد ليس له عمل إلاّ طلب رؤساء أصحاب حُجر.

وخرج عمرو بن الحمق ورفاعة بن شدّاد حتّى أتيا أرض الموصل فأتيا جبلا فكمنا فيه، وبلغ عامل الرستاق أنّ رجلين قد كمنا في جانب الجبل، فاستنكر شأنهما، فسار إليهما في الخيل فلمّا انتهى إليهما خرجا. فأما عمرو بن الحمق فكان قد استسقى بطنه(25) ولم يكن عنده امتناع، وأما رفاعة  فكان شاباقويا فركب فرسه ليقاتل عن عمرو، فقال له عمرو: ما ينفعني قتالك، أُنجُ بنفسك.

فحمل عليهم فأفرجوا له فنجا، وأُخذ عمرو أسيرا، فسألوا: مَن أنت؟

فقال: مَن إن تركتموه كان أسلم لكم. وإن قتلتموه كان أضرَّ عليكم. ولم يخبرهم، فبعثوا به إلى عامل الموصل وهو عبد الرَّحمن بن عبداللّه بن عثمان الثقفي الّذي يعرف بابن أمّ الحكم وهو ابن أخت معاوية، فعرفه، فكتب فيه إلى معاوية.

فكتب إليه: إنّه زعم أنّه طعن عثمان تسع طعنات بمشاقص(26) كانت معه وإنّا لا نريد أنّ نعتدي عليه، فاطعنه تسع طعنات كما طعن عثمان(27) فمات في الاولىمنهنَّ أو في الثانية.

*          *          *

وعمرو بن الحمق (28) هذا كان قد هاجر إلى النبيّ بعد الحديبية وصَحبه وحفظ عنه أحاديث، وسقى النبيّ فقال: ((اللّهمّ أمتعه بشبابه)) فمرّت عليه ثمانون سنةً لا ترى في لحيته شعرة بيضاء.

وكان ممّن سار إلى عثمان وهو أحد الاربعة الذين دخلوا عليه الدار، وصار بعد ذلك من شيعة عليّ وشهد مشاهده كلّها: الجمل وصفّين والنهروان.

وأعان حُجر بن عديّ وكان من أصحابه وخاف من زياد فهرب منه إلى المَوْصل.

وقطع عامل الموصل رأسه فبعث به زياد إلى معاوية، وكان أوَّل رأس حمل في الاسلام من بلد إلى بلد.

فبعث به معاوية إلى زوجته آمنة بنت الشرّيد في السجن وكان قد حبسها معاوية في سجن دمشق زمانا حتّى وجّه إليها رأس عمرو بن الحم ق فأُلقي في حجرها فارتاعت لذلك ثمَّ وضعته في حجرها ووضعت كفّها على جبينه ثمَّ لثمت فاه، ثمَّ قالت:

((غيّبتموه عنّي طويلا ثمَّ أهديتموه إليَّ قتيلا، فأهلا به من هديّة غير قالية ولا مقليَّة)) وكان قتله سنة خمسين.

وروى الطبري وقال:

وجّه زياد في طلب أصحاب حُجر فأخذوا يهربون منه ويأخذ من قدر عليه منهم.

قال: وجاء قيس بن عبّاد الشيباني إلى زياد فقال له: إنَّ امءرا منا

من بني همّام يقال له صيفي بن فسيل من رؤوس أصحاب حُجر وهو أشدَّ الناس عليك! فبعث إليه زياد فأُتي به.

فقال له زياد: يا عدوَّ اللّه! ما تقول في أبي تراب؟!

قال: ما أعرف أبا تراب!

قال: ما أعرفك به!

قال: ما أعرفه!

قال: أما تعرف عليّ بن أبي طالب؟!

قال: بلى!

قال: فذاك أبو تراب!

قال: كلا! ذاك أبو الحسن والحسين (ع)!

فقال له صاحب الشرطة: يقول لك الامير: ((هو أبو تراب)) وتقول أنت: لا!

قال: وإنّ كذب الامير، أتريد أنّ أكذب وأشهد له على باطل كما شهد؟!

قال له زياد: وهذا ـ أيضا ـ مع ذنبك! عليَّ بالعصا، فأُتي بها.

فقال: ما قولك؟!

قال: أحسن قول أنا قائله في عبد من عباد اللّه المؤمنين!

قال: اضربوا عاتقه بالعصا حتّى يلصق بالارض.

فَضُرِب حتّى لزم الارض.

ثمَّ قال: أقلعوا عنه، إيه! ما قولك في عليّ؟!

قال: واللّه لو شرّحتني بالمواسي والمُدى، ما قلت إلا ما سمعت منّي!

قال: لتلعننَّه أو لاضربَّن عنقك!

قال: إذا تضربها واللّه قبل ذلك! فإن أبيت إلاّ أن تضربها رضيت باللّه وشقيت أنت!

قال: ادفعوا في رقبته! ثمَّ قال: أوقروه حديدا وألقوه في السجن!

ثمَّ بعث إلى عبداللّه بن خليفة الطائي ـ وكان شهد مع حَجر وقاتلهم قتالا شديدا ـ فبعث إليه زياد بكير بن حمران الاحمري (29) ـ وكان تبيع العمّال ـ فبعثه في أُناس من أصحابه فأقبلوا في طلبه فوجدوه في مسجد عديٌ بن حاتم فأخرجوه، فلمّا أرادوا أن يذهبوا به ـ وكان عزيز النفس ـ امتنع منهم، فحاربهم وقاتلهم فشجُّوه ورموه بالحجارة حتّى سقط، فنادت ميثاء أُخته:

يا معشر طى‌ٍّّء! أتسلمون ابن خليفة لسانكم وسنانكم؟! فلمّا سمع

الاحمري نداءها خشي أنّ تجتمع طي‌ّء، فيهلك فهرب، وخرج نسوة من طي‌ّء فأدخلنه دارا، وانطلق الاحمري حتّى أتى زيادا فقال: إنَّ طيّئا اجتمعت إليَّ فلم أُطقهم فأتيتك، فبعث زياد إلى عديّ وكان في المسجد فحبسه، وقال: جئني به.

فقال عديّ: كيف آتيك برجل قد قتله القوم؟!

قال: جئني به حتّى أرى أن قد قتلوه. فأعتلَّ له وقال: لا أدري اين هو، ولا ما فعل.

 فحبسه، فلم يبق رجل من أهل المصر ومن أهل اليمن وربيعة ومضر إلاّفزع لعديّ، فأتوا زيادا فكلّموه فيه.

فأرسل عبداللّه بن خليفة إلى عديّ: إنّ شئت أنّ أخرج حتّى أضع يدي في يدك فعلت.

 فبعث إليه عديّ: واللّه إنّ كنت تحت قدميَّ ما رفعتهما عنك. فدعا

زياد عديّا، فقال له: إنّي أخلّي سبيلك على أنّ تنفيه إلى جبلي طي‌ّء. قال:

نعم.

فأرسل عدي إلى عبداللّه أن اخرج فإذا سكن غضبه كلّمته فيك. فخرج.

وأُتي زيادٌ بكريم بن عفيف الخثعمي (30) فقال:

ما اسمك؟

قال: أنّا كريم بن عفيف.

قال: ويحلك! أو ويلك! ما أحسن أسمك واسم أبيك، وأسوأ عملك ورأيك!

قال: أما واللّه إنَّ عهدي برأيك لمنذ قريب.

*          *          *

وهكذا جمع زياد أصحاب حُجر في السجن حتّى بلغوا اثني عشر رجلا، ثمَّ دعا رؤوس الارباع ونظم شهادةً عليهم كما مرَّ ذكرها ثمَّ سيرّهم إلى الشام وأتبعهم باثنين آخرين فتمُّوا أربعة عشر رجلا، فلمّا بلغوا بهم جبّانة عرزم (31) نظر قبيضة ابن ضبيعة العبسي إلى داره وهي في جبانة عَرْزَم فإذا بناته مشرفات، فاستأذن الحرس أن يوصي أهله، فأذنوا له. فلمّا دنا منهنَّ وهنَّ يبكين سكت عنهنَّ ساعة ثمَّ قال: أُسكتن، فسكتن فقال:

اتَّقِينَ اللّهَ عزَّ وجلَّ واصبرن، فإني أرجو من ربّي في وجهي هذا إحدى الحُسنيين: إما الشهادة وهي السعادة، وإمّا الانصراف إليكُنَّ فى عا فية، وإنَّ الذي كان يرزقكنَّ ويكفيني مؤونتكُنَّ هو اللّه تعالى وهو حيّ لا يموت أرجو أن لا يضيّعكُنَّ وأن يحفظني فيكُنَّ.

ثمَّ انصرف فمرَّ بقومه فجعل القوم يدعون اللّه له بالعافية.

فقال: إنَّ لمَّما يعدل عندي خطر ما أنا فيه، هلاك قومي حيث لا ينصرونني.

وكان رجا أن يخلّصوه!

ومرّوا بهم على عبيد اللّه بن الحرّ الجعفي فقال:

ألا عشرة رهط أستنقذ بهم هؤلاء؟

ألا خمسةٌ!؟ فجعل يتلهف فلم يجبه أحد من الناس!

فمضوا بهم حتّى انتهوا بهم إلى مرج عذراء وبينها وبين دمشق اثنا عشر ميلا! فحبسوا هناك.

فلمّا همَّ رسول زياد أن ينصرف منهم إلى معاوية قام إليه حُجر يرسف في قيوده فقال: أبلغ معاوية أنَّ دماءنا عليه حرام، وأخبره أنّا قد أُومنّا وصالحناه فليتّق اللّه ولينظر في أمرنا، واستشفع فيهم جماعة عند معاوية، فأمر بتخلية سبيل ستّة منهم وأرسل إليهم بأمره فأتوهم عند المساء ورأى الخثعمي أحدهم أعور فقال: يقتل نصفنا وينجو نصفنا. فقال سعد بن نمران:

اللّهمّ اجعلني ممن ينجو وأنت عني راضٍ.

فقال عبد الرحمان بن حسّان العنزي:

اللّهمّ اجعلني ممن تكرم بهوانهم وأنت عني راضٍ، فطالما عرضت نفسي للقتل فأبى اللّه إلاّ ما أراد. فجاء رسول معاوية إليهم بتخلية ستّة وبقتل ثمانية.

فقال لهم رسول معاوية:

أنّا قد أُمرنا أنّ نعرض عليكم البراءة من عليّ واللعن له، فإنّ فعلتم

تركناكم وإنّ أبيتم قتلناكم، وأنّ أمير المؤمنين يزعم أنّ دماءكم قد حلّت له بشهادة أهل مصركم عليكم، غير أنّه قد عفا عن ذلك فابرأوا من هذا الرجل نُخل سبيلكم!

قالوا: اللّهمّ إنا لسنا فاعليّ ذلك!

فأمر بقبورهم فحُفرت، واُدنيت أكفانهم، وقاموا الليل كلّه يصلون. فلمّا أصبحوا، قال أصحاب معاوية:

يا هؤلاء! لقد رأيناكم البارحة قد أطلتم الصلاة، وأحسنتم الدعاء،

فاخبرونا ما قولكم في عثمان؟!

قالوا: هو أول من جار في الحكم، وعمل بغير الحق!

فقال أصحاب معاوية: أمير المؤمنين كان أعلم بكم! ثمّ قاموا إليهم فقالوا:

تبرأون من هذا الرجل؟!

قالوا: بل نتولاّه ونتبرّأ ممن تبرّأ منه.

فأخذ كل رجل منهم رجلا ليقتله، ووقع قبيصة في يدي أبي شريف البدي.

فقال له قبيصة:إنّ الشرّ بين قومي وقومك آمن، فليقتلني سواك!

فقال له: برَّتك رحم! فأخذ الحضرمي فقتله، وقتل القضاعي قبيصة ثمّ إنَّ حُجرا قال لهم: دعوني أتوضَّأ.

قالوا له: اتوضَّأ: فلمّا أنّ توضَّأ، قال لهم:

دعوني أُصلّ ركعتين. فأيمُنُ اللّه ما توضَّأتُ قطُّ إلا صلَّيتُ ركعتين.

قالوا: ليصلّ، فصلّى ثمّ انصرف.

فقال: واللّهِ ما صلَّيت صلاةً قط أقصر منها، ولولا انّ تروا أنّ ما بي جزع من الموت لاحببت أن استكثر منها.

ثمّ قال: اللّهمّ إنّا نستعديك على أُمتنا؛ فإنّ أهل الكوفة شهدوا علنيا، وإنّ أهل الشام يقتلوننا!

أما واللّه لئن قتلتموني بها إنّي لاوَّلُ فارس من المسلمين هلك في واديها، وأوَّلُ رجل من المسلمين نبحَتْهُ كلابها (32).

فمشى إليه الاعور هدبة بن فيّاض بالسيف فأُرعِدت خصائلُه.

فقال: كلا! زعمت أنّك لا تجزع من الموت، فأنا أدعك فابرأ من صاحبك !فقال: مالي لا أجزع وأنا أرى قبرا محفورا وكفنا منشورا وسيفا مشهورا، وإنيّ واللّه إن جزعت من القتل لا أقول ما يسخط الربّ.

فقتله، وأقبلوا يقتلونهم واحدا واحدا حتّى قتلوا ستة.

فقال عبد الرَّحمن بن حسّان العنزي وكريم بن عفيف الخثعمي:

ابعثوا إلى  أمير المؤمنين فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته.

فبعثوا إلى معاوية يخبرونه بمقالتهما، فبعث إليهم أنّ ائتوني بهما. فلمّا دخلا عليه قال الخثعمي:

اللّهَ اللّهَ! يا معاوية! فإنّك منقول من هذه الدّار الزائلة إلى الدار الاخرة الدائمة ثمَّ مسؤول عمَّا أردت بقتلنا، وفيم سفكت دماءنا.

فقال معاوية: ما تقول في عليّ؟

قال: أقول فيه قولك!

قال: أتبرأ من دين عليّ الّذي كان يدين اللّه به، فسكت وكره معاوية أن يجيبه، فقام ابن عم له فاستوهبه من معاوية. فحبسه شهرا ثمَّ خلّى سبيله على أنّ لا يدخل الكوفة.

ثمَّ أقبل على عبد الرحمن العنزي فقال:

إيه يا أخا ربيعة ما قولك في عليّ؟!

قال: دعني ولا تسألنتي فإنّه خير لك قال: واللّه لا أدعك حتّى تخبرني عنه!

قال: أشهد أنّه كان من الذاكرين اللّه كثيرا، ومن الامرين بالحق والقائمين بالقسط والعافين عن الناس!

قال: فما قولك في عثمان؟!

قال: هو أوَّل من فتح باب الظلم وأرتج ابواب الحق!

قال: قتلت نفسك.

قال: بل إيّاك قتلت ولا ربيعة بالوادي (33)!

فبعث به معاوية إلى زياد وكتب إليه:

أما بعد، فإنَّ هذا العنزي شرُّ من بعثت، فعاقبه عُقوبته الّتي هو أهلها واقتله شرَّ قتلة.

فلمّا قدم به على زياد بعث زياد به إلى قسّ الناطف فدفن به حيّا (34).  


 

8  الصلعاء كل خطة مشهورة، والداهية، ويقصد بكفرة حجر نكثه البيعة وخلعه معاوية على حد زعم ابن أبي موسى الاشعري ربيب نعمة الامويين.
ونظير هذا قول الحجّاج في ابن الزبير بعد قتله فإنّه قال في خطبته لاهل مكة:
((أيها الناس! إنّ عبداللّه بن الزبير كان من خيار هذه الاُمة حتّى رغب في الخلافة ونازعها أهلها وألْحَدَ في الحرم فأذاقه اللّه حر الحديد...)) تاريخ ابن كثير 8 / 331 ـ وقال لامِّه: ((إنَّ ابنك ألْحَدَ في هذا البيت...)) تاريخ الاسلام للذهبي 3 / 136 وكان يقصد من إلحاد ابن الزبير في البيت والحرم منازعته بني أمية الخلافة وهو في البيت والحرم كما هو ظاهر من قوله.
9  عمر بن سعد القرشي الزهري قائد الجيش الذي أرسله ابن زياد لقتال الحسين في كربلاء، قتله المختار.
وشبث بن ربعي تأتي ترجمته وزجر بن قيس كلاهما كانا في ذلك الجيش وشمر بن ذي الجوشن قاتل الامام الحسين (ع).
10  شداد بن المنذر من بني عامر بن ذهل بن ثعلبة من قبائل بكر بن وائل العدنانية.
11  القاضي شريح بن الحارث الكندي أبو أمية نسبه في جمهرة ابن حزم (ص 425) وترجمته في طبقات ابن سعد.
وشريح بن هانئ بن يزيد من بني الحارث من قبائل مالك بن أدد القحطاني من أصحاب عليّ. له رواية (أنساب ابن حزم ص 417).
12  القادسية وقعة للمسلمين مع الفرس في العراق في عصر الخليفة عمر بقيادة سعد ابن أبي وقاص.
ومرج عذراء قرية بغوطة دمشق.
13  في ترجمته بطبقات ابن سعد حدَّث غلام لحجر قال: قلت لحجر: إني رأيت ابنك دخل الخلاء ولم يتوضأ، قال: ناولني الصحيفة من الكوة، فقرأ: بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما سمعت عليّ بن أبي طالب يذكر: أنّ الطهور نصف الايمان.
14  لا تتحَّم ، تحمَّى : امتنع .
15  نقصد بـ (قال) في ما يلي ما ورد في روايته.
16  حذف الطبري من الخبر شتمه ولعنه وكتب محلهما جملة (ويدعو على قتلته).
17  كذا ورد في تاريخ الطبري، والاصح أن يقال: (أُولاهما) لانّ الخصلة مؤنثة. (م)
18  يقصد فأقام وفيه بعض الاعتراض على لعنهم الامام عليّا وهذا هو المقصود في قول الشيعة له:
(وأحق الناس بإنكار هذا الامر) وقول حجر لرسول عمرو بن حريث: (تنكرون ما أنتم فيه).
19  قال ابن عبد البر في الاستيعاب:
((ولمّا ولَّى معاوية زيادا العراق وما وراءها وأظهر من الغلظة وسوء السيرة ما أظهر خلعه حجر ولم يخلع معاوية، وتابعه جماعة من أصحاب عليّ وشيعته ، وحصبه يوما في تأخير الصلاة...)).
وأكَّد ذلك ـ أيضا ـ كلُّ من ابن الاثير في أُسد الغابة، وابن حجر في الاصابة.
20  تشجّون بيد: تحزُّون بيد. وتأسون بيد وتداوون الجرح بيد، والهجهاجة: الكثير الشر الخفيف العقل، والمذبوب: المجنون.
21  روى الطبري عن عبداللّه بن عوف الاحمر: أنّه بينما كان يدخل الكوفة بعد مقتل مصعب بعام، قال:
((فإذا أنا بأحمري يسايرني وواللّه ما رأيته من ذلك اليوم الذي ضرب فيه عمرو بن الحمق وما كنت أرى لو رأيته أن أعرفه فلمّا رأيته ظننت أنّ هو، وذاك حين نظرنا إلى أبيات الكوفة فكرهت أن أسأله: أنت الضارب عمرو بن الحمق بالعمود في المسجد فيكابرني، فقلت له: ما رأيتك من اليوم الذي ضربت فيه رأس عمرو بن الحمق في المسجد إلى يومي هذا، ولقد عرفتك الان حين رأيتك. فقال لي: لا تعدم بصرك! ما أثبت نظرك! كان ذلك أمر الشيطان. أما إنّه قد بلغني أنّه كان امءرا صالحا، ولقد ندمت على تلك الضربة فأستغفر اللّه. فقلت له: ألا ترى، لا واللّه لا أفترق أنا وأنت حتى أضربك على رأسك مثل الضربة التي ضربتها عمرو بن الحمق أو أموت أو تموت، فناشدني اللّه وسألني اللّه فأبيت عليه، ودعوت غلاما لي يدعى رشيدا من سبي أصبهان، معه قناة له صلبة فأخذتها منه ثمّ أحمل عليه بها فنزل عن دابته وألحقه حين استوت قدماه بالارض فأصفع بها هامته فخر لوجهه ومضيت وتركته فبرأ بعد فلقيته مرتين من الدهر كل ذلك يقول: اللّه بيني وبينك. وأقول: اللّه عزَّ وجلَّ بينك وبين عمرو بن الحمق)).
22  شعوب: اسم علم للمنية.
23  يقصد القبائل السبائية من أهل اليمن.
24  يضرب في المثل قيل اسم كلبه سمعت وقع حوافر دواب فنبحت فاستدلوا بنباحها على القبيلة فاستباحوهم، وقيل غير ذلك. راجع لغة برقش من التاج.
25  ماء يجتمع في البطن من علة معروفة يعرف بالاستسقأ.
26  المشاقص: جمع المشقص بالكسر نصل عريض يرمى به الوحش.
27  في الاستيعاب (2 / 478) بترجمة عثمان بن عفان:
((واختلف في من باشر قتله بنفسه ـ أي قتل عثمان ـ فقيل: محمد بن أبي بكر ضربه بمشقص، وقيل: بل حبسه محمد بن أبي بكر وأسعده غيره وكان الذي قتله سودان بن حمران، وقيل: بل إنّ محمد بن أبي بكر أخذ بلحيته فهزها، وقال: ما أغنى عنك معاوية، وما أغنى عنك ابن أبي سرح، وما أغنى عنك ابن عامر،
فقال له:
يا ابن أخي! أرسل لحيتي فواللّه إنك لتجذب لحية كانت تعز على أبيك، وما كان أبوك يرضى مجلسك هذا مني.
فيقال: إنّه حينئذ تركه وخرج عنه.
ويقال: إنّه حينذ أشار إلى من كان معه فطعنه أحدهم وقتلوه)).
28  أخذنا هذه الترجمة من الاستيعاب وأُسد الغابة والاصابة، وقصة بعث رأس عمرو إلى زوجته من أُسد الغابة خاصة.
29  الاحمري والحمراء: العجم يقال لهم ذلك لبياض لونهم.
30  بنو خثعم بن أنمار من قبائل قحطان السبائية ونسب كريم في جمهرة أنساب ابن حزم (391) وقتل هذا مع حُجر في مرج عذراء.
31  في معجم البلدان : الجبان : الصحرأ وأهل الكوفة يسمون المقابر جبانة ، وبالكوفة محال تسمى بهذا الاسم وتضف إلى القبائل منها جبانة عرزم .
32  يقصد تقتلون بسيفكم في هذه الارض من فتحها لكم بسيفه وكان أول مسلم وطأتها قدماه!!! وهلك في واديها: مشى فيها.
33  قال ذلك لمّا رأى الخثعمي كلم معاوية في شأن ابن عمه ولم يكن له أحد يكلم معاوية في شأنه.
34  ما أوردناه إلى هنا من أمر حُجر وأصحابه ملخص ممّا أورده الطبري في حوادث سنة 51ه‍‍ (2 / 111 ـ 143) وقد أشرنا إلى مصدرنا في كل ما أخذنا من غيره.