والفرقة الرابعة من السبئية:
يقولون بإمامة محمّد بن عليّ،
ويقولون هو في جبال رضوي حيّ لم يمت، ويحرسه على باب الغار الّذي هو فيه تِنّين
وأسدَ، وإنّه صاحب الزمان يخرج ويقتل الدَّجَّال ويهدي الناس من الضَّلالة ويصلح
الارض بعد فسادها.
وهؤلاء الفرق كلُّهم يقولون
بالبداء، وبأنّ اللّه تبدو له البدوات، وكلاما لا أستجيز شرحه في كتاب، ولا أقدر
على النطق به، وهؤلاء كلّهم أحزاب الكفر.
وعاد إلى القول عنهم في (باب ذكر
الروافض وأجناسهم ومذاهبهم) ونقل عن أبي عاصم أنّه قال:
الرافضة خمسة عشر صنفا، ثمَّ تفترق
على ما يمقتهم اللّه فروعا كثيرة؛ فمنهم صنف زعموا أنّ عليّا إله من دون اللّه
تعالى ـ إلى قوله ـ: فمنهم عبداللّه بن سبأ من بلاد صنعاء نفاه إلى ساباط.
والصنف الذي يقال لهم السبائية
يزعمون أنّ عليّا شريك النبيّ (ص) في النبوّة وأنَّ النبيّ (ص) مقدَّم عليه إذا كان
حيا فلمّا مات ورث النبوَّة فكان نبيا يوحى إليه ويأتيه جبريل (ع) بالرسالة، كذب
أعداء اللّه، محمّد (ص) خاتم النبيين.
والصنف الذي يقال لهم المنصورية
يزعمون: أنَّ عليّا في السحاب وأنّه لم يمت...))(9) انتهى.
* * *
وقال عبد القادر البغدادي المتوفّي
(429ه) في كتابه (الفَرْقُ بين الفِرَق):
(10).
((الفصل الاوَّل في ذكر قول
السبئية وبيان خروجها عن ملّة الاسلام)) السبائية أتباع عبداللّه بن سبأ الذي غلا
في عليّ بن أبي طالب، وزعم أنّه كان نبيا ثمَّ غلا فزعم أنّه إله، ودعا إلى ذلك
قوما من غواة الكوفة. ورفع خبرهم إلى عليّ (رض) وأمر عليّ بإحراق قوم منهم في
حفرتين حتّى قال بعض الشعراء في ذلك:
لترم بي الحوادث
حيث شاءت
إذا
لم ترم بي في الحفرتين
ثمَّ إنَّ عليّا (رض) خاف من
إحراق الباقين منهم اختلاف أصحابه عليه، فنفى ابن سبأ إلى ساباط المدائن، فلمّا
قُتل عليّ زعم ابن سبأ أنَّ المقتول لم يكن عليّا بل كان شيطانا تصوّر للنّاس في
صورة عليّ، وأنَّ عليّا صعد إلى السماء كما صعد إليها عيسى ابن مريم (ع).
((وكما كذبت اليهود والنصارى في
دعواهما قتل عيسى كذلك كذبت النواصب(11) والخوارج في دعواهما قتل عليّ (ع) وإنّما
رأت اليهود والنصارى شخصا مصلوبا شبّهوه بعيسى، وكذلك القائلون بقتل عليّ (رض) رأوا
قتيلا يشبه عليّا فظنوا أنّه عليّ، وعليّ قد صعد إلى السماء وأنّه سينزل إلى
الدُّنيا وينتقم من أعدائه)).
قال: ((وزعم بعض السبئية أنّ عليّا
في السحاب وأنّ الرعد صوته والبرق سوطه)) ومن سمع من هؤلاء صوت الرعد قال: ((عليك
السّلام يا أمير المؤمنين)).
قال: ((وقد روى عن عامر بن
الشراحيل الشعبي
(12) أنّ ابن سبأ قيل له: إنّ عليّا قد قتل، فقال: إنّ جئتمونا
بدماغه في صرَّة لم نصدّق بموته، لا يموت حتّى ينزل من السماء ويملك الارض
بحذافيرها)).
قال:
((وهذه الطائفة تزعم أنّ المهدي
المنتظر هو عليّ دون غيره)).
قال: وفي هذه الطائفة قال إسحاق بن
سويد العدوي
(13):
برئت من الخوارج لست
منهم
من الغزَّال منهم وابن باب
ومن قوم إذا ذكروا عليّا
يردّون السّلام على السحاب
ولكنّي أُحِبُّ بكلّ
قلبي
وأعلم أنَّ ذاك من الصواب
رسول اللّه والصدّيق
حقّا
به أرجو غدا حسن الثواب
إلى هنا كان البغدادي يتحدث عن
عبداللّه بن سبأ والسبئيين ثمّ تحدّث بعد ذلك عن عبداللّه بن السّوداء وقال:
((إنَّ عبداللّه بن السّوداء كان
يعين السبئية على قولها، وكان أصله من يهود الحيرة فأظهر الاسلام)) وأراد أن يكون
له عند أهل الكوفة سوق ورياسة فذكر لهم: ((إنّه وجد في التوراة أنَّ لكلّ نبيّ
وصيّا وأنّ عليّا وصي محمّد...)).
ثم قال البغدادي:
((فلما سمع منه ذلك شيعة علي قالوا
لعلي ((انه من محبيك )) فرفع قدره وأجلسه تحت درجة منبره، ثم بلغه عنه غلوه فيه فهم
بقتله، فنهاه ابن عباس عن ذلك، وقال: ان قتلته اختلف عليك اصحابك وانت عازم على
قتال أهل الشام وتحتاج إلى مداراة أصحابك، فلمّا خشي من قتله وقتل عبداللّه بن سبأ
الفتنة الّتي خافها ابن عباس نفاهما إلى المدائن. فافتتن بهما رعاع الناس بعد قتل
عليّ (رض) وقال لهم ابن السوداء:
واللّه لينبعنَّ لعليَّ (ع) في
مسجد الكوفة عينان تفيض إحداهما عسلا
والاخرى سمنا يغترف منهما شيعته)).
وقال:
((قال المحقّقون من أهل السنة: إنّ
ابن السوداء كان على هوى دين اليهود وأراد أنّ يفسد على المسلمين دينهم بتأويلاته
في عليّ وأولاده لكي يعتقدوا فيه ما اعتقدت النصارى في عيسى، فانتسب إلى الرافضة
السبئية حين وجدهم أعرق أهل الاهواء في الكفر)).
وقال في المختار:
((خدعته السبئية الغلاة من
الرافضة، فقالوا له: أنت حجّة هذا الزمان وحملوه على ادّعاء النبوّة فأدَّعاها عند
خواصّه...)).
9 الملطي، التنبيه والردّ، ص 25 ـ 26 وص 148.
10 قد أوردنا أقواله بإيجاز.
11 من المفروض أنّ هذا الكلام قاله ابن سبأ زمان وفاة الامام في حين أنّ إطلاق
(النواصب) على أعداء الامام متأخر عن عصره بدهر.
12 أبو عمرو عامر بن الشراحيل الشعبي ـ من شعب همدان ـ الحميري الكوفي ولد في
النصف الثاني من خلافة عمر وتوفي بعد المائة.
روى عن جماعة من الصحابة مثل الامام عليّ في حين أنّهم صرحوا بأنّه لم يسمعهم
وإنّما رآهم رؤية ـ راجع ترجمته في التهذيب (5 / 65 ـ 69).
وممّا يضعّف الرواية أنّ الشعبي هذا كان قد توفي على أكثر تقدير في السنة التاسعة
بعد المائة من الهجرة، والبغدادي توفي سنة (429ه) وبينهمّا ثلاثمائة سنة فكيف روى
البغدادي عنه؟ وإن كان البغدادي قد رواه عن الشعبي بوسائط فمن هم الوسائط؟!.
13 إسحاق بن سويد بن هبيرة العدوي التميمي البصري، مات بالطاعون سنة (131ه) كان
يتحامل على عليّ تحاملا شديدا. وقال: لا أحب عليّا ـ التهذيب (1 / 236) والعدوي
نسبة إلى بني العدوية وهي أمهم وكانت من بني عدي الرباب وأبوهم تميمي ـ راجع لغة
العدوي من أنساب السمعاني.