خلاصة البحث:

إنَّ أحاديث عبداللّه بن سبأ في كتب الشيعة تنقسم إلى قسمين، وعبداللّه بن سبأ فيهما ذو شخصيتين متغايرتين: في إحدهما مُغالٍ في حقّ الامام وتأليهه.

وفي ثانيتهما مُغالٍ في ما زعم من تنزيه الباري ونفي ما لا يليق به عنه، مثل الخوارج.

والقسمان يناقض أحدهما الاخر.

وتنحصر أحاديث الشخصية الاُولى برجال الكشّي ومن أخذ عنه من

علماء الرجال والحديث، وقد مرَّ علينا رأي العلماء في كتاب رجال

الكشّي.

وخلاصة رأينا في الشخصية الاولى أنّها لم توجد بتاتا! وإنّما اختلقتها جناية الزنادقة على التاريخ الاسلامي أوّلا، وتقوُّلات العامَّة ثانيا.

ومن هذين المعنيين أخذ من ذكر خبره في تأليفه! أما الشخصية الثانية فسنكشف عن حقيقتها مع مزيد البيان عن الشخصية الاُولى في الفصل الاتي إنّ شاء اللّه تعالى.

*          *          *

أما أحاديث الغلاة ـ ولا تصريح فيها باسم ابن سبأ ـ فمنها ما وردت ـ أيضا ـ في رجال الكشّي، وفيها: إنَّ الامام كان في دار زوجته العنزية حين جي‌ء بالغلاة عنده! ولم يعرف أحد للامام زوجة عنزية ليجيئوا بالغلاة عنده وهو في دارها.

وأُخرى مرويّة عن رجل لم يذكر اسمه، ومن هو الراوي لهذه الرواية.

وهذه الاحاديث ـ أيضا ـ يناقض بعضها بعضا إلى حدّ ينكشف زيفها وبطلانها بأدنى تنبّه ونظر! وبالاضافة إلى ذلك فهي بمجموعها ـ أيضا ـ تخالف الروايات الّتي عيّنت القتل حدّا للمرتد.

ولست أدري كيف خفيت تلك الحوادث الجسام على المؤرّخين فلم يشيروا إليها مع ذكرهم إحراق الخليفة أبي بكر للفجاءة السلمي؟!

وأخيرا فإنّا نرى أنّ تلك الاحاديث مدسوسة في كتبنا، وقد مرَّ علينا أنَّ الزنادقة كانت تدّس في كتب الشيوخ روايات تبثّها بواسطتها بين المسلمين، ولم يُعن العلماء بتحقيق غير روايات الاحكام والمحافظة عليها، وذهب بسبب الفتن والاهمال كثير من تراثنا العلمي في السير والتواريخ والتراجم ونظائرها، وحلّ محلّها الزائف من غيرها.

ولنا أنّ نقول ـ بكلّ تأكيد ـ إنّ الّذي يدرس حالة المجتمع المسلم العربي في بلاد شبه الجزيرة يومذاك، يدرك بوضوح أنّ امتداد التيّار القوي الذي أولده  الاسلام ضدّ الوثنية وتأليه المخلوقين، كان يمنع يومذاك أن يعبد إنسان ما صنما أو يؤلّه بشرا، ووقوعه من قبيل اجتماع النقيضين الذي لا يصدّقه عاقل.

وجائز أن يكون المبحوث عنه زنديقا جُلب من البصرة ـ كما نصّت عليه بعض الروايات ـ لانّ الزندقة وجدت قبل الاسلام وكانت موجودة في البلاد التي احتلّها المسلمون في المناطق المجاورة للبصرة(119)، فلا يستبعد أنّ ينزح بعضهم إلى البصرة على عهد الامام ثمَّ يفتضح أمرهم ويجلبوا إليه ويجري عليهم حكم الاسلام، كما يجوز الارتداد من إنسان كان نصرانيا ثمَّ أسلم ثمَّ أرتدّ إلى

النصرانية كما تشير إليه بعض الروايات.

والاحراق ـ أيضا ـ لا يناسب عصر الامام بعد أن أحرق الخليفة أبو بكر الفجاءة واستنكر عليه، وأظهر هو ندمه عليه.

ومن الجائز أن يحرق الامام جثّة مرتد أُقيم عليه حد القتل خشية أنّ يُتَّخذ قبره وثنا يُعبد من دون اللّه؛ كما أشارت إليه بعض الروايات.

هذا ما نجوّز وقوعه، وهذا ما نراه، وإنّ بقي بعد كلّ ما ذكرناه من لم يكتف به فإلى جولة أُخرى بعد إيراد أقوال العلماء في ابن سبأ والسبئية من كتب أهل الملل والنحل في الفصل الاتي إنّ شاء اللّه تعالى.


 

119 راجع فصل الزندقة من البحوث التمهيدية لكتابنا (خمسون ومائة صحابي مختلق).