عدم اعتماد عامّة علماء المسلمين على الروايات السابقة:

من الغريب أنَّ أحدا من فقهاء المسلمين لم يعتمد هذه الروايات ويفتي بأنَّ حكم المرتدّ الحرق. بل أفتوا جميعا: أنَّ حكم المرتدّ القتل استنادا إلى الروايات المعارضة لها والمرويّة عن رسول اللّه (ص) والائمة من أهل بيته.

أما علماء أهل السنّة فقد قال أبو يوسف في فصل حكم المرتدّ من كتاب الخراج: اختلفوا في المرتدّ عن الاسلام إلى الكفر، وكذلك الزنادقة الذين يلحدون بعد أنّ أظهروا الاسلام، واليهودي والنصراني والمجوسي أنّ من أسلم ثمّ ارتد فمنهم من يرى استتابته ومنهم من لا يرى ذلك.

ثمّ أورد أدلّة الطرفين من حديث رسول اللّه، وذكر في أدلّة من يرى استتابة المرتدّين ما روى عن عمر في فتح تستر أنّهم أخبروه أنّ رجلا من المسلمين لحق بالمشركين فأخذوه فقال لهم:

ـ ((فما صنعتم به؟)) قالوا: ـ ((قتلناه)) قال:

ـ ((أفلا أدخلتموه بيتا وأغلقتنم عليه بابا وأطعمتموه كل يوم رغيفا

واستتبتموه ثلاثا، فإنّ تاب وإلاّ قتلتموه...)).

وروى أنّ معاذاً دخل على أبي موسى وعنده يهودي، فقال: ما هذا؟ قال: يهودي أسلم ثمّ ارتدَّ، وقد استتبناه منذ شهرين فلم يتب.

فقال معاذ: لا أجلس حتى أضرب عنقه، قضاء اللّه وقضاء رسوله.

وقال أبو يوسف:  وأحسن ما سمعناه في ذلك واللّه أعلم: أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا ضُربت أعناقهم على ما جاء في الاحاديث المشهورة وما عليه مَن أدركناه من الفقهاء. قال:

فأمّا المرأة اذا ارتدَّت عن الاسلام فنأخذ فيها بقول ابن عباس: ((لا يقتل النساء إذا ارتددن عن إسلام، ولكن يحبسن ويُدْعَيْنَ الاسلام ويُجبَرْن عليه)).

وجدنا في ما ذكر أبو يوسف اتّفاقا من العلماء على أنّ حدّ المرتدّ القتل، وأوضح أنَّ كيفيته أن يضرب عنقه، وكان خلافهم في أنّه يجري عليه الحدّ قبل استتابته أم بعدها مع إصراره على الارتداد.

وقال ابن رشد في باب حكم المرتّد من كتابه بداية المجتهد:

((والمرتّد إذا ظفر به قبل أن يحارب، فاتّفقوا على أنّه يُقتل الرجل لقوله عليه الصّلاة والسلام: من بدّل دينه فاقتلوه)) (91).

وأما علماء الشيعة فقد رووا في ذلك ما رواه الكليني والصدوق والشيخ الطوسي عن أبي عبداللّه أنّ أمير المؤمنين قال:

((المرتدّ تعزل عنه امرأته، ولا تؤكل ذبيحته، ويستتاب ثلاثة أيام فإن تاب وإلاّ قتل يوم الرابع)) (92).

وبعده في الفقيه: ((إذا كانَ صحيح العقل)) (93).

وعن أبي جعفر وأبي عبداللّه ـ أنهما قالا ـ في المرتدّ:

يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، والمرأة إذا ارتدَّت عن الاسلام استُتيبت فإن تابت ورجعت وإلا خُلّدت في السجن وضُيّق عليها في حبسها (94).

وعن أبي الحسن الرّضا في جواب من سأل عن رجل ولد في الاسلام ثمَّ كفر وأشرك وخرح عن الاسلام، هل يُستتاب، أو يُقتل ولا يستتاب؟ فكتب: ((يُقتل))(95).

وكتب أمير المؤمنين في جواب عامل له كتب إليه: وإنّي أصبت قوما من المسلمين زنادقة، وقوما من النصارى زنادقة.

فكتب إليه: ((أما من كان من المسلمين ولد على الفطرة ثمَّ تزندق فاضرب عنقه ولا تستتبه. ومن لم يولد على الفطرة فاستتبه، فإن تاب وإلاّ فاضرب عنقه، وأما النصارى فما هم عليه أعظم من الزندقة)) (96).

وكتب في جواب محمّد بن أبي بكر حين سأله:

وعن زنادقة فيهم من يعبد الشمس والقمر، وفيهم من يعبد غير ذلك وفيهم مرتدّ عن الاسلام.

فكتب الامام إليه: ((وأمره في الزنادقة أن يقتل من كان يدّعي الاسلام ويترك سائرهم يعبدون ما شاءوا))(97).

وبالاضافة إلى الروايات التي صرَّح الائمة فيها أنَّ حدَّ المرتد القتل نجد رواية بتنفيذ الامام هذا الحدَّ في المرتد.

روى الكليني عن أبي عبداللّه قال: أُتيَ أمير المؤمنين (ع) بزنديق فضرب علاوته (98)، فقيل له: إنّ له مالا كثيرا، فلمن تجعل ماله؟

قال: لولده ولورثته ولزوجته(99).

*          *          *

وروى أنَّ شيخا تنصّر فقال له عليّ (ع): (ارتددت؟).

فقال: نعم. فقال له: لعّلك أردت أن تصيب مالا ثّم ترجع.

قال: لا.

قال: لعّلك ارتددت بسبب امرأة خطبتها فأبت عليك فأردت أنّ تتزوَّج بها.

قال: لا.

قال: فارجع.

قال: لا حتّى ألقى المسيح. فقتله. (مبسوط الشيخ، كتاب المرتد).

هذه الروايات إلى كثير غيرها تعارض الروايات السابقة التي صرَّحت بأنَّ الامام حرَّق ناسا من المرتدين لانّها تنصُّ على أن حدَّ المرتد القتل، وتصرّح بأنَّ الامام نفُّذ حدَّ القتل في المرتدّ.

والقتل إماتة بآلة كالسيف أو الرمح أو الصخر أو الخشب أو بالسمّ.

في مقابل الاحراق الذي هو إماتة بالنار.

والصلب الذي هو إهلاك الشخص برفعه على خشبة الصليب.

*          *          *

لنقف قليلا عند الروايات ونناقش محتوياتها، وَنَرَ: هل تثبت للنقد!؟

لنتساءل: متى ابتلي الحسين بالمختار وقد استشهد قبل أنّ يظهر المختار؟ وكيف يكون قتل المختار لقتلة الحسين، ابتلاء للحسين!؟

وكيف يكون ذلك من المختار عملا منه في تكذيب الحسين؟!

وهل وضع هذا الحديث انتصارا لقتلة الحسين؟!

ثمَّ كيف تكون عقيدة ابن سبأ في عليّ عملا منه في تكذيب عليّ؟! وهل روى أحد عنه أنّه قال: أمرني عليّ أنّ اعبده، ليكون ذلك منه افتراء على  عليّ وعملا في تكذيب صدقه؟! ومن هي أم عمرو العنزية زوجة الامام؟ وكيف لم يعرفها أحد غير هذا الراوي؟!

وفي ما روى عن قتل عليّ للقائلين بألوهيته؛ هل قتلهم موتا بالدخان

بالقائهم في آبار خرق بعضها إلى بعض ثمَّ طَمَّ رؤوسها وألقى النار في واحدة ليسوا فيها، فماتوا جميعا بالدخان؟! أم ضرب أعناقهم ثمَّ أحرق أجسادهم بالنار؟؟ أم خدَّ في الارض خدّا ألقى فيه حطبا ونارا حتّى صار نارا تتوقدّ ثمَّ أمر قنبرا فحملهم رجلا رجلا وألقاهم في النّار حتّى أحرقهم بالنار جميعا!! وهل ألَّهه ابن سبأ وحده فأحرقه وحده؟ أم كانوا سبعين فأحرقهم جميعا؟ أم كانو سبعين فأحرق السبعين؟! أم أنّه أحرق مرَّة شخصا واحدا وهو ابن سبأ وحده، وأُخرى عشرة! وأُخرى سبعين! وأُخرى اثنين؟! وهل أحرق من قال بأُلوهيته!؟ أم أحرق اثنين سجدا لصنم!؟  وهل حرّق من حرّق عند ما كان في البصرة وبعد فراغه من القتال ؟أم عندما كان في الكوفة عندما أُخبر وهو في دار زوجته العنزية؟! وهل صحّ أنَّ ابن عباس لمّا بلغه ذلك قال: لم اكن أُحرَّقهم بالنار لقول رسول اللّه: ((لا تعذّبوا بعذاب اللّه)) وكنت قتلتهم لقوله (ص): ((من بدَّل دينه فاقتلوه)) فبلغ قوله عليّاً، فقال: ((ويح ابن أُمِّ الفضل! إنَّه لغواصٌ على الهنات)) (100) ! أكان الامام غافلا عن هذه الهنات حتّى عرَّفه ابن أم الفضل؟! أم إنَّ هذه الروايات وضعت (101) لتري فعل الامام في هذه الهنات نظير فعل الخليفة أبي بكر حين حرَّق الفجاءة السَّلمي وغيره (102) وانتُقد عليه، وكي لا يكون أبو بكر وحيدا في ما انتُقد عليه من احراق الناس، بل يكون عليّ شريكه في ذلك! ويكون نظيرا لفعل خالد حين حرَّق جمعا من مانعي الزكاة (103).

وكيف أحرق الامام المرتدّين مع تصريحه بأنَّ حدَّ المرتد القتل وتنفيذه ذلك؟!

والشعر الذي ذكروه للامام:

         لمّا رأيت الامر أمرا منكر

                                  اأوقدت ناري ودعوت قنبرا

هل أنشده الامام هكذا وفي هذه الحوادث؟!

أم قاله ضمن قصيدة بصفّين وأنشده كما يلي:

           يا عجبا لقد سمعت منكر

                                اكذبا على اللّه يشيب الشعرا

إلى أربعة أبيات ثمَّ قال بعدها:

           إنّي إذا الموت دنا وحضرا

                             شمّرت ثوبي ودعوت قنبرا

          لمّا رأيت الموت موتا أحمرا

                            عبّأت هَمدان وعبّوا حِميرا!؟(104)

ثمَّ هل كان عبداللّه بن سبأ مغاليا في الامام ومؤلّها إياه كما قالت الروايات السابقة؟! أم كان مغاليا في تنزيه الباري ـ إنّ صح التعبير ـ ويمتنع من رفع يديه إلى السماء في الدعاء؟! ويخالف أمر الامام لمّا أرشده إلى ذلك، لانّه يرى أنّ اللّه في كلّ مكان، كما ورد في الحديث السادس.

أهو مؤِلّه للبشر، أم مغالٍ في التوحيد؟! أو إنّه كان قد تنبّأ بالغيب فجُلب إلى الامام فصحّح الامام تكهّنه، وأمر بإخلاء سبيله؟! وهل كان عبداللّه بن سبأ هذا من الزُّطّ أم من العرب؟ فإنّ كان من الزُّطّ فكيف تكوَّن اسمه واسم أبيه من أربعة ألفاظ عربية: (عبد) (اللّه) (ابن) (سبأ).

وإن كان من العرب، فهل سمع في العرب منذ الجاهلية البعيدة في القدم حتّى  عصر الامام عربيا يؤلّه بشرا معاصرا له؟بل إنّ عادة تأليه البشر المعاصر تنتشر في الامم العريقة في التمدّن كالروم والفرس والصين واليابان، أمَّا العربي الذي لم يألف الخضوع والخنوع في شبه الجزيرة العربية، فانّه كان يسجد للصنم ويؤلّه الجنَّ والملائكة لكنّه يتمرَّد على الركوع والسجود أمام بشر مثله.

ثمَّ إنَّ هذا المؤلّةِ للبشر، إما أنّه يريد من وراء قوله غاية دنيوية، فكيف يثبت على قوله حين يرى زوال نفسه من الدنيا لهذا القول!؟

كيف يصرّ على رأيه، ولا يقبل النكول عن قوله حتّى يحرق ويخسر الدُّنيا بما فيها!!؟ وإما أنّه يقول به عن عقيدة، وإذا كان قوله عقيدة بشخص معبوده البشري فكيف يبقى متمسكا بعقيدته بعد قوله لالهه: أنت ربِّي! وأنت خلقتني! وأنت ترزقني! ومجابهة الاله له بالتكذيب والبراءة من قوله!؟ كيف يصدّقٍ عاقل بهذا! ومردُّه أنَّ هذا المؤلّه يقول لالهه: إنّك يا إلهي مخطئُ في إنكارك الاُلوهية لنفسك!! فأنت إله ولست تدري! إنّك إله رغم أنفك!!! أيُّ عاقل يُصدّق هذا؟! وهل سمع في البشر نظيره مدى التاريخ؟! بلى قد يؤلّه النّاسُ إنسانا لا يرضى بنسبة الالوهية لنفسه غير أنّ ذلك يكون بعد عصره كما هو الشأن في عيسى بن مريم وعليّ بن أبي طالب.

أمّا أنّ يؤلّه إنسان ويُعبَد في عصره وبمحضر منه مع عدم رضاه فلم يكن ذلك ولن يكون!!! ولست أدري ـ إنّ صحّ ما قالوه ـ كيف خفيت تلك الحوادث الخطيرة على المؤرخين؟! كيف خفي كلُّ ذلك على مؤرخين أمثال:

 1 ـ ابن خيّاط المتوفيّ (240ه‍‍).

2 ـ اليعقوبي المتوفيّ (284ه‍‍).

3 ـ الطبري المتوفيّ (310ه‍‍).

4 ـ المسعودي المتوفيّ (346ه‍‍).

5 ـ ابن الاثير المتوفيّ (630ه‍‍).

6 ـ ابن كثير المتوفيّ (774ه‍‍).

7 ـ ابن خلدون المتوفيّ (808ه‍‍).

كيف خفي عليهم ذلك ولم يوردوا شيئا منها في تواريخهم، مع ذكرهم إحراق أبي بكر الفجاءة السلمي بكل تفاصيله بلا خلاف من أحد منهم فيه!!

*          *          *

ولابدّ لنا في سبيل معرفة الحقيقة الضائعة خلال الروايات السابقة من بيان شأن الرواية في كتب الشيعة الامامية في ما يلي:

 شأن الرواية في كتب الامامية:

دوّن أصحاب أئمّة أهل البيت مؤلّفات متنوّعة في مختلف العلوم، منها ما سمّي بالاصول (والاصل هو الكتاب الذي جمع فيه مصنّفه الاحاديث التي رواها عن المعصوم، أو عن الراوي عنه) (105)، ولا تكون أحاديثه منقولة عن كتاب آخر.

وقد بلغ عدد الاصول أربعمائة أصل أو أكثر، ووصلت تلك الاصول ـ يدا بيد ـ إلى علمائنا في القرن الرابع الهجري، ونقل منها الكليني في موسوعته الحديثية المسمّاة بالكافي.

وجمع ما كان منها في الاحكام؛ الصدوق في كتاب (من لا يحضره الفقيه).

والشيخ الطوسي في كلٍّ من كتابيه: الاستبصار في ما اختلف من الاخبار، وتهذيب الاحكام في شرح المقنعة للشيخ المفيد المتوفّي (413ه‍‍).

كما أخذ منها ابن بابويه المتوفّى (329ه‍‍) وابنه الصدوق (ع) وغيرهما مواد كتبهم الحديثية.

وبقيت المجاميع الحديثية الاربعة السابقة الذكر مرجعا للعلماء حتّى  اليوم.

وبقي من عصرهم ـ أيضا ـ الكتب الرجالية الاربعة: اختيار رجال الكشّي للشيخ الطوسي، ورجال الشيخ الطوسي وفهرسته، وفهرست النجاشي.

وكان لاصحاب الائمّة عدا ما ذكرنا من الاصول الاربعمائة آلاف من الكتب في مختلف العلوم.

فقد ألّفوا في أخبار الاوائل: كأخبار ولد آدم، وأصحاب الكهف وتفرُّق عاد.

وفي أخبار الجاهليّة مثل كتاب الخيل والسيوف والاصنام وأيّام العرب وأنسابها، ونواقل القبائل (106) ومنافراتها.

وفي أخبار البلدان وأسماء الارضين والجبال والمياه.

وفي أخبار ما قارب الاسلام كأخبار الاحلاف ومناكح العرب... إلخ.

وأخبار الاسلام كيوم السقيفة والردّة والجمل وصفين ووقعة الطف والمختار والتوابين وما قبلها وما بعدها.

آلاف من الكتب في هذه الاخبار وأمثالها وفي أنواع أُخرى من العلوم من أصحاب الائمة ذهبت مع الايّام، وأصبحنا لا نجد غير أسمائها وأسماء مؤلّفيها في كتب الفهارس كفهرست النديم والنجاشي والشيخ الطوسي والذريعة! وكان سبب هذا الضياع أمرين:

أوَّلُّهما إرهاب الحكام ومن سار في ركابهم مدى العصور لاتباع مدرسة أئمّة أهل البيت ـ علماء الشيعة ـ إلى حد قتل النفوس وإحراق المكتبات بما فيها من آلاف الكتب مثل خزانة كتب (بين السُورين) ببغداد، قال الحموي: ((لم يكن في الدُّنيا أحسن كتبا منها كانت كلّها بخطوط الائمة المعتبرة واصولهم المحرَّرة واحترقت في ما أُحرق من محالّ الكرخ عند ورود طُغُرل بَكْ أوَّل ملوك السَّلجوقية إلى بغداد سنة 447)) (107).

ذهبت من كتب الشيعة في أمثال هذه الفتن ما لا يحصيها إلا اللّه.

والامر الثاني:

انصراف علماء الشيعة في جانب التخصُّص العلمي إلى تحصيل العلوم الممهّدة لاستنباط الاحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية، ومن ثمَّ عنوا بتدارس آيات الاحكام، وروايات الاحكام دراسة وافية مستوعبة جيلا بعد جيل حتّى عصرنا الحاضر، إلى حدّ يحصل معه الاطمئنان عند الباحث المتتبّع أنّ الاحكام الاسلامية ـ مع كل تلك العناية الشديدة على مرّ العصور في المحافضة عليها وتدارس رواياتها ـ وصلت إلينا سليمة في هذا العصر.

وفي مقابل هذه العناية الشديدة بروايات الاحاكم ورواتها وكتبها جيلا بعد جيل، نجد تقصيرا معيبا في تدارس روايات السيرة والتاريخ والتفسير والاداب الاسلامية، وغيرها من صنوف العلوم الاسلامية. وكان نتجية ذلك: أولا ـ ضياع مصادر الدراسات الاسلامية من مصنَّفات أصحاب  أئمة أهلالبيت كما ذكرناه.

ثانيا ـ تسامح علماء الشيعة لدى رجوعهم إلى روايات التواريخ والسير والتفسير ومعرفة البلاد وفنون أخرى واعتمادهم ـ أحيانا ـ على كتب مثل تاريخ الطبري(108) رويات كعب الاخبار، ووهب بن منبه (109) ونظائرهما في التفسير.

ومتابعة أهل كتب الملل والنحل في رجوعهم إلى ما يتقوَّله الناس في ما ألّفوا  في هذا الباب! وهكذا تسرَّبت بعض أخبار الزنادقة المنتشره في أمثال تاريخ الطبري إلى كتب تاريخهم (110).

وتسرَّبت بعض الاسرائيليات عن طريق بعض التفاسير التي أخذت من كعب الاحبار ونظائره إلى تفاسيرهم.

وتسرَّبت أساطير الخرافة إلى تآليفهم في الملل والنحل.

مُنو ا بكلّ ذلك بسبب تسامحهم في ما يرجعون إليه من أخبار هذه لعلوم خلاف دأبهم في ما يرجعون إليه من روايات الاحكام لشدَّة تثبّتهم وفحصهم صحيحها من سقيمها، وتدارس ما يعمل لدى تعارض بعضها مع بعض، أو مع آي من القرآن، وتوضيحهم قواعد العمل في عامّها وخاصّها، ومجملها ومبيّنها إلى غير ذلك من بحوث واسعة في هذا الفنّ.

وكان من نتيجة هذا التسامح انتشار روايات غير صحيحة في بعض كتب التراجم مثل رجال الكشّي، والمقالات للاشعري.

فقد روي الكشّي في ترجمة المغيرة بن سعيد عن يونس، عن هشام بن الحكم أنّه سمع أبا عبداللّه يقول: (كان المغيرة بن سعيد يتعمّد الكذب على أبي، ويأخذ كتب أصحابه ، وكانأصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدسّ فيها الكفر والزندقة، ويسندها إلى أبي! ثمَّ يدفعها إلى أصحابه فيأمرهم بأنّ يبثّوها في الشيعة...) الحديث.

وقال يونس:

(وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر (ع) ووجدت أصحاب أبي عبداللّه (ع) متوافرين فسمعت منهم، وأخذت كتبهم، فعرضتها من بعد على أبي الحسن الرضا (ع) فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أحاديث أبي عبداللّه (ع) وقال لي: لعن اللّه أبا الخطّاب! وكذلك أصحاب أبي الخطّاب يدسّون هذه الاحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبداللّه...) الحديث(111).

*          *          *

أمثال هذه الروايات سواء أصحّت وثبت أنَّ الزنادقة دسُّوها في أمثال كتب الكشّي، أو أنَّ الكشّي وَهَمَ في إيراد أمثال هذه الروايات الكاذبة في كتابه ـ‍ على كلا التقديرين ـ تُثْبِتُ انتشار روايات غير صحيحة في أمثال كتاب رجال الكشّي(112).

هذا وبالاضافة إلى ما ذكرنا فإنّ أخبار غير الاحكام مثل أخبار السيرة والتاريخ؛ لم تدرس دراسة وافية ليعرف صحيحها من سقيمها.

وأخبار إحراق أمير المؤمنين الغلاة من ضمن الاخبار التي لم تدرس، وهي معارضَة بالاخبار التي تصرّح بأنّهم كانوا زنادقة كما وردت في رواية عن الامام الصادق:

(أنّه أُتيَ بالزنادقة من البصرة فعرض عليهم الاسلام فأبوا...) الحديث(113).

وفي صحيح البخاري: (أتي عليّ (رض) بزنادقة فأحرقهم (114)...) الحديث.

وفي فتح الباري: ((إنّ عليّا أحرق المرتدّين يعني الزنادقة))(115).

وعن أحمد: أنّ عليّا أتي بقوم من هؤلاء الزنادقة ومعهم كتب فأمر بنار فأجّجت ثمَّ أحرقهم وكتبهم(116).

وكذلك نرى أنّ روايات الاحراق ـ أيضا ـ جانبت الصواب، والصواب ما ذكرته أمثال الرواية الاتية: عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه عليّ بن الحسين: أنّ عليّا (ع) رُفع إليه الهوان ثلاثة أيّام، وفي كلّ ذلك [يطعمه] من طعامه، ويسقيه من شرابه)) فأخرجه يوم الرابع فأبى أن يسلم فأخرجه إلى رحبة المسجد فقتله، وطلب النصارى جثّته بمائة ألف فيه فأبى (ع) فأمر به فأُحرق بالنار، وقال: ((لا أكون عونا للشيطان عليهم))(117).

وفي رواية أخرى بعده: ((ولا ممّن يبيع جثّة كافر))(118).

وفي بعض أحاديث الاحراق غير هذا ـ أيضا ـ أنّ الامام أحرق أجسادهم بعد القتل، والحديث الاخير يبيّن حكمة فعل الامام وهي خشية أنّ يُتَّخذ قبره وثنا. ويبدو أنّ الوضّاعين حرّفوا هذه الاخبار حتّى انقلبت إلى أساطير لا يتقبّلها العقل. 


 

91 بداية المجتهد (2 / 295)، والرواية في صحيح البخاري (2 / 115) باب: لا يعذّب بعذاب اللّه من كتاب الجهاد، و(4 / 130) منه، باب حكم المرتدّ، من كتاب استتابة المرتدّين، وابن ماجة (2 / 848) الحديث 2535 من باب: المرتدّ عن دينه من كتاب الحدود، والترمذي (6 / 242).

92 الكافي (7 / 258) الحديث 17 من باب حدّ المرتدّ، والتهذيب (10 / 138) الحديث 7 من باب حدّ المرتدّ، والاستبصار (4 / 255) الحديث 6.

93 الفقيه (3 / 548).

94 الكافي (7 / 256) الحديث 3 من باب حدّ المرتدّ والتهذيب  (10 / 137) الحديث 4 من باب حدّ المرتدّ، والاستبصار (4 / 253) الحديث 4 من باب حدّ المرتدّ، والوافي (9 / 70) أبواب حدّ المرتدّ.

95 الكافي (7 / 256) باب حدّ المرتدّ، والتهذيب (10 / 139) الحديث 10، والاستبصار (4 / 254) والوافي (9 / 70).

96 الفقيه (3 / 91) والتهذيب (10 / 139) الحديث 11 من باب حدّ المرتدّ، والوافي (9 / 70).

97 الغارات للثقفي (1 / 230 ـ 231) والوسائل (18 / 415 ـ 416).

98  علاوته بالكسر: رأسه.

99 الكافي (7 / 258) الحديث 5 من باب حدّ المرتدّ، وفي ص 257 الحديث 6 باختصار، والوافي (9 / 70).

100  الهنات: خصلات من الشر.

101  قد كان في الزنادقة من يغفل الشيخ فيدسّ في كتابه ما ليس من حديثه فيرويه ذلك الشيخ طنّا منه أنّه من حديثه ـ راجع آخر فصل الزنادقة من البحوث التمهيدية من كتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق) ص 50 ـ 51 ط. بيروت / 1400ه‍. ويأتي ـ أيضا ـ بعد هذا مزيد توضيح له.

102  الفجاءة السلمي هو إياس بن عبداللّه بن عبد ياليل السلمي، أخذ من ابي بكر سلاحا وظهرا ليحارب المرتدين، فخرج يستعرض الناس يقتل ويسلب، فجلبه أبو بكر وأمر فأوقدوا نارا في البقيع فقذفه فيها.

وقال ابو بكر في مرض موته: ((إني لا آسي على شي‌ء في الدنيا إلاّ على ثلاث فعلتهن، وددت أني تركتهن... وددت أني لمّ أكن حرقت الفجاءة السلمي، وأني كنت قتلته سريحا أو خليته نجيحا)) راجع القسم الاول من هذا الكتاب، فصل التحصن بدار فاطمة.

103  وفي الرياض النضرة (1 / 110): ((كان في بني سلمة ردة فب عث إليهم أبو بكر خالد بن الوليد، فجمعرجالا منهم في الحضائر ثمّ أحرقها عليهم بالنار، فقال عمر لابي بكر: تدع رجلا يعذب بعذاب اللّه...)).

وقد أكثروا من القول في ما ذكرنا من إحراق أبي بكر والدفاع عنه كقول القوشجي في شرح التجريد: ((إحراقه فجاءة بالنار من غلطة في اجتهاده فكم مثله للمجتهدين)).

وما رووا في الاحاديث السابقة من إحراق الامام لجماعات من الناس أعظم مما روى عن أبي بكر وخير دفاع عنه فأنّ عليّا ـ أيضا ـ اجتهد وأخطأ أو قالوا: ((كره ذلك عمر وابن عباس وغيرهما مطلقا)، (وأجازه عليّ وخالد بن الوليد) راجع: فتح الباري (6 / 491) باب لا يعذب بعذاب اللّه من كتاب الجهاد.

104 راجع صفّين ص 43 ط. مصر.

105 التعريف، للوحيد البهبهاني المتوفّى (1205 ه‍ ) نقلا عن كتاب الذريعة (2 / 126).

106 النواقل: هي الجماعة التي تنتقل من قبيلة عربية إلى أخرى وتلتحق بالثانية وتنسب إليها وقد كتب فيهم علماء الانساب وأحصوهم في كتب سمّيت باسم النواقل0

107 معجم البلدان بلغة (بين السورين) كانت هذه المكتبة تحت تصرّف الشيخ الطوسي وبعد هذه الفتنة هاجر الشيخ الى النجف وأسس فيها الحوزة العلمية التي استمرت حتى اليوم.

108 ـ مرَّ علينا في قسمي هذا الكتاب قيمة روايات الطبري.

109  تفاصيله في كتابنا من تاريخ الحديث.

110 نقل الشيخ المفيد في كتابه: (الجمل) ص 47 عن كتاب أبي  خنف في حرب البصرة أنّه روى عن سيف بن عمر قال:  ((بقيت المدينة بعد قتل عثمان خمسة أيام وأميرها الغافقي يلتمسون من يجيبهم...)) والرواية بسندها ومتنها نقلها الطبري في تاريخه (1 / 3073).

111 الروايتان في اختيار معرفة الرجال 224 ـ 225 برقم 401 و 402.

112  لا نقصد من هذا القول ترك روايات كتب أمثال كتاب رجال الكشّي، بل نقول بلزوم الفحص عن هذه الروايات والبحث فيها ونقدها ومقارنتها بغيرها.

113 مستدرك الوسائل (3 / 243) عن دعائم الاسلام والجعفريات.

114 صحيح البخاري 4 / 130 باب حكم المرتدّ، من كتاب استتابة المرتدّين.

115 فتح الباري (6 / 491) شرح (باب لا يعذّب بعذاب اللّه). من كتاب الجهاد.

116 فتح الباري (6 / 492) والحديث في مسند أحمد (1 / 282) برقم 2551، وفي مسند أحمد (1 / 322): أُتي بأُناس من الزطّ يعبدون وثنا فأحرقهم.

117 مستدرك الوسائل (4 / 243) الحديث الثاني من باب (إن المرتدّ يستتاب ثلاثة أيام) عن الجعفريات.

118 مستدرك الوسائل (3 / 243) الحديث الرابع من باب (حكم الزنديق والناصب) عن دعائم الاسلام.