تحريف اسمي معاوية وعمرو بن العاص

وفي سبيل الدفاع عن الصحابيَّين معاوية وعمرو بن العاص ـ أيضا ـ حرّف أسميهما في الخبر الذي رواه أبو برزة الاسلمي (34)، قال:

كنّا مع رسول اللّه (ص) في سفر رجلين يتغنيان وأحدهما يجيب الاخر وهو يقول:

يزال حواري تلوح عظامه‌زوى الحرب عنه أنّ يجنَّ فيقبرا (35)

فقال النبيّ: ((أنظروا من هما؟)).

فقالوا: معاوية وعمرو بن العاص فرفع رسول اللّه يديه، فقال:

((اللّهمّ أركسهما في الفتنة ركسا! ودُعَّهما إلى النار دعّا)) (36) (37).

حرّف سيف هذا الخبر ورواه عن شقران وقال: قال:

(بينما نحن ليلة في سفر إذ سمع النبيّ (ص) صوتا، فقال: ((ما  هذا؟)) فذهبت أنظر فإذا معاوية بن رافع، وعمرو بن رفاعة بن تابوت، يقول:  ((لا يزال حواري...)) البيت قال:

فأتيت النبيّ (ص) فأخبرته، فقال: ((اللّهمّ اركسهما ودُعَّهُما إلى نار جهنّم دعّا))  فمات عمرو بن رفاعة قبل أن يقدم النبيّ (ص) عن السفر (38) (39).

وقال ابن قانع بعد إيراد رواية سيف السالفة:

((وهذه الرواية أزالت الاشكال، وبيَّنتْ أنّ الوهم في الحديث الاوّل في لفظة واحدة، وهي قوله: ((ابن العاص)) وإنّما هو رفاعة أحد المنافقين، وكذلك معاوية بن رافع أحد المنافقين واللّه أعلم)).

*          *          *

تحريف كلمة ( عبد الله بن وهب السبائي)

يبدو أنَّ سيفا حرّف اسمين وخبرين وخلط بعضهما ببعض وأوردهما في صورة خبر واحد ثمَّ ركّب له سندا من عنده فأصبحت هذه الرواية! وقد ذكرنا الخبر الاوَّل آنفا، أما الخبر الثاني فهو خبر موت رفاعة بن زيد بن تابوت، وقد رواه ابن هشام في خبر رجوع رسول اللّه من غزوة بني المصطلق وقال: (... راح رسول اللّه (ص) بالناس، وسلك الحجاز حتّى نزل على ماء بالحجاز فويق البقيع، يقال له: البقعاء، فلمّا راح رسول اللّه (ص) هبّت على الناس ريح شديدة آذتهم وتخوَّفوها، فقال رسول اللّه (ص): ((لا تخافوها فإنّما هبّت لموت عظيم من عظماء الكفّار))، لمّا قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد التابوت أحد بني قينقاع ـ وكان من عظماء اليهود وكهفا للمنافقين ـ مات في ذلك اليوم) (40).

حرّف سيف في الخبر الاوَّل اسم معاوية إلى (معاوية بن رافع) وعمرو بن العاص إلى (عمرو بن رفاعة بن تابوت) كما حرّف خبره من (سمع رجلين يتغنّيان) إلى (سمع صوتا)! (وحرّف في الخبر الثاني (رفاعة بن زيد بن تابوت) إلى (عمرو ابن رفاعة) وخلط خبر موت رفاعة بخبر تغني الصّحابيّين! وجعل من كلّ ذلك خبرا واحدا في رواية واحدة! وأعجب أنّ قانع برواية سيف هذه! لانَّها على حِدّ زعمه: ((أزالت الاشكال وبيّنت أنَّ الوهم وقع في الحديث الاوَّل في (ابن العاص))).

نعم يا ابن قانع ! إنَّ رواية سيف هذه زالت الاشكال بما دفعت عن الصحابيّين (معاوية وابن العاص) دعاء الرسول عليهما بعد أنّ  سمعهما يتغنيّان! ولكنّكم مع هذه الرواية تقعون في أكثر من إشكال! فإنّه يُسأل منكم عن المنافقين معاوية بن رافع وعمرو بن رفاعة بن تابوت في رواية سيف من هما؟ وهل وجدا في غير رواية سيف هذه؟! وكيف كان المنافق المزعوم رفاعة مع النبيّ في السفر وسمعه النبيّ يتغنَّى ومات في المدينة قبل أن يرجع النبيّ!!!؟

هكذا حرَّف سيف وصحّف! وهكذا راجح تحريفه وتصحيفه لدى العلماء مدى القرون لانّه أطَّر كلَّ ذلك بإطار نشر مناقب الصحابة!!!


 

34  أبو برزة الاسلمي اسمه نضلة بن عبيد، أسلم قديما وشهد فتح خيبر ومكة وحنينا مع رسول اللّه، وشهد صفين ونهروان مع عليّ وسكن البصرة وغزا خراسان ومات بها بين الستين والسبعين.

وكان عند يزيد لمّا أتي برأس الحسين ونكت يزيد ثغر الحسين بقضيب في يده! فقال: لقد أخذ قضيبك من ثغره ماخذا ربما رأيت رسول اللّه (ص) يرشفه!، أما أنك يا يزيد! تجي‌ء يوم القيامة وابن زياد شفيعك! ويجي‌ء هذا ومحمد شفيعه، ثمّ قام فولّى ـ طبقات ابن سعد (7 / 2 / 100) والاصابة (3 / 526) الترجمة المرقمة (8718) والتذهيب (10 / 446) الترجمة المرقمة 815 وذكر قصته مع يزيد صاحب أُسد الغابة في ترجمته (5 / 190 ـ 20).

35  (يزال) حذف منه (لا) كما يقال: ((زلت أفعل)) والحواري: الصاحب الناصح، وزوي عنه: منع عنه، ويجن: يكفن ويدفن والمعنى في البيت: لا يزال الناصر الناصح تلوح عظامه منع الحرب عن كفنه ودفنه.

36  أركسه: أعاده إلى الحالة السيئة ونكسه. وفي القرآن الكريم:

(كُلَّما رَدُّوا إلى الفتنة أُركِسُوا فيها) النساء / الاية 91، والدع: الدفع الشديد العنيف.

37 روى هذه الرواية بألفاظها أحمد في مسنده (4 / 421) غير أنه قال: ((فقالوا: فلان وفلان)) ولم يصرح باسميهما، ووردت كاملة في صفين لنصر بن مزاحم ص 219، ورواها أبو يعلى في مسنده كذلك حسب رواية السيوطي عنه في اللالي المصنوعة.

38 السيوطي في اللالي المصنوعة (1 / 327) عن معجم الصحابة لابن قانع.

39  لست أدري كيف سمع النبيّ ((صوت عمرو بن رفاعة في السفر)) ومات ((عمرو بن رفاعة قبل أنّ يقدم النبيّ من السفر)).

40 سيرة ابن هشام 3 / 336 وراجع بقية أخباره فيها في (2 / 137 و 150 و188 و198).