تصْحِيفٌ وتحْريفٌ

تحريف سيف اسم عبد الرحمن بن ملجم قاتل الامام عليّ إلى خالد بن ملجم.

اختلاقه صحابيا باسم خُزَيْمة بن ثابت غير ذي الشهادتين مقابل اسم خزيمة ذي الشهادتين.

واختلاق الانصاري سماك بن خَرشَةَ مقابل سماك بن خرشة المكنّى أبا دُجانة.

ووبرة بن يُحَنَّس الخُزاعي مرادف وبر بن يُحنّس الكلبي.

واختلاق الفرقة (السبئية) مرادفا للسبئية القبيلة اليمانية.

وتصحيف كلمة (عبداللّه بن وهب السبائي) اسم رئيس الخوارج إلى عبداللّه بن سبأ واختراع أُسطورة ضخمة له.

وقلب اسم (عبد المسيح بن عمرو) مفاوض خالد في صلح الحيرة إلى (عمرو ابن عبد المسيح).

لقد أجرى سيف عمليـة مسخ وتشويه على كلّ جوانب معالم التاريخ

الاسلامي حتّى استطاع أنّ يغيـر الاشياء إلى أضدادها؛ إلى أشياء

تغايـرها تمـاما بحيث يصعب على الباحث اليـوم معرفة حقيقة ما غيّر وبدَّل وشوّه ومسخ؛ ومن ذلك ما حرّف وصحّف من أسماء أعلام الاسلام والمسلمين، مثل تحريفـه اسم قاتل الامام عليّ مـن عبـد الرَّحمن بـن ملجم إلى خالـد بـن ملجم.

فقد روى عند ذكره استعراض الخليفة عمر بصرار للجيوش الّتي أرسلها لحرب القادسية، وقال:

مرتّ السّكون في أربعمائة فاعترضهم (فإذا فيهم فتية دُلم سباط فأعرض عنهم: ثمَّ أعرض، ثمَّ أعرض، حتّى قيل له مالك ولهؤلاء؟ قال: ((إنّي لمتردّد، وما مرَّ بي قوم من العرب أكره إليَّ منهم)) ثمَّ أمضاهم، فكان بعدُ يكثير أن يتذكَّرهم بالكراهية، وتعجّب الناس من رأي عمر، وكان منهم رجل يقال له ((خالد بن ملجم)) قتل عليّ بن أبي طالب ؛).

(وإذا منهم قوم يُقرّون قتلة عثمان) (26) (27).

وروى في ذكر أحداث سنة 35ه‍‍ أنَّ الخليفة عثمان لمّا وصلته الشكاوي من الامصار بدسيسة السبئيّين؛ فرَّق رجالا إلى الامصار حتّى يرجعوا إليه بالاخبار، وكان منهم عمّار بن ياسر أرسله إلى مصر، فرجعوا جميعا قبل عمّار وقالوا: ما أنكرنا شيئا، ولا أنكر أعلام المسلمين ولا عوامّهم شيئا، وإنَّ اُمراءهم يقسطون بينهم، واستبطأ الناس عمّارا حتّى ظنّوا أنّه اغتيل فلم يفجأهم إلاّكتاب والي مصر يخبرهم أن عماراً قد استماله قوم بمصر وقد انقطعوا إليه، منهم عبداللّه بن السوداء وخالد بن ملجم.(28) وروى في ذكر أحداث سنة 36ه‍‍ أنّ القعقاع بن عمرو سفر قبل وقوع حرب الجمل بالصلح بين الامام وعائشة وطلحة والزبير، وتمَّ عزمهم على الصلح، فاجتمع السبئيّون، ابن السوداء وخالد بن مُلْجم سرّاً وقرّروا أنّ يُنْشِبوا القتال بين الجيشين دون علم الجانبين، ونفّذوا ما قرَّروا (29) (30).

هذا ما رواه سيف. في حين أنَّ قاتل الامام كان أسمه عبد الرحمن بن ملجم المرادي التدؤُلي، شهد مصر واختطَّ بها وكتب الخليفة عمر إلى  والي مصر عمروابن العاص أنّ:

((قرّب دار عبد الرَّحمن بن مُلجم من المسجد ليعلّم الناس القرآن والفقه)).

ولمَّا دعا عليّ بن أبي طالب الناس إلى البيعة جاءه ابن ملجم فردَّه، ثمَّ جاءه فردّه، ثمَّ جاءه فبايعه، ثمَّ قال: ((ما يحبسُ أشقاها؟! أما والذي نفسي بيده لتخضبنَّ هذه ـ وأخذ بلحيته ـ من هذه)) وأخذ برأسه (31).

وكان عليّ إذا رأى أبن ملجم يقرأ:

أُريد حياته ويريد قتلي‌

                           عذيرك من خليلك من مراد (32) (33)

*          *          *

في الخبر السابق حرّف سيف اسم (عبد الرَّحمن) إلى (خالد) وغطّاه بغطاء مُهلهل من نشر مناقب الصحابة ليضمن لتحريفه الرواج والانتشار.

فقد روى في الاُولى:

أنّ عمر بن الخطّاب كره خالد بن ملجم، وتردّد في قبوله في جيشه وتعجّب النّاس من فعله، ثمَّ ظهر صدق فِراسة عمر بعد قتل الامام.

وروى في الثانية: أنَّ الخليفة عثمان ـ لحسن سيرته ـ أرسل رجالا إلى الامصار ليحقّقوا في صدق ما بلغه من شكوى الناس، فرجعوا بثناء الناس على ولاته، عدا عمّار الّذي مال إلى ابن السّوداء، وخالد ابن ملجم وسائر السبئيّين الّذين انتشرت الشكاوي بين المسلمين من دسائسهم.

وروى في الثالثة: أنَّ أمر الصلح تمَّ بين رؤساء الجيشين من الصحابة ثمَّ وقعت الحرب بدسيسة السبئيّين الذين كان خالد بن ملجم أحدهم.

قلب سيف  في الروايات الثلاث الحقائق، واختلق الاكاذيب! فإنّ الخليفة عمر لم يخرج من المدينة إلى صرار لاستعراض جيشه، ولا كره ابن ملجم لصدق فراسته فيه، بل وصّى والي مصر بتكريمه وتقريب داره من المسجد ليقرئ الناس القرآن، وإنّما كان ذاك الامام عليّ الذي جاء إليه ابن ملجم للبيعة فردّه ثمَّ جاءه فردّه، وأنشد فيه (( أُريد حياته ويريد قتلي))، كما أنَّ الخليفة عثمان لم يرسل أحدا للتحقيق في شكاوى الناس! ولم تكن شكاوى الناس مفتعلة من قبل السبئيين!، ولم يذهب عمّار إلى مصر، ولم ينخدع بالسبئيين في مصر! كما أنَّ أمر الصلح لم يتمَّ بين رؤساء الجيشين قبل واقعة الجمل، ولم ينشب السبئيون القتال دون علم الرؤساء! ولم توجد الفرقة السبئية بتاتا! ولم يوجد الصحابي القعقاع سفير الصلح! ولم يكن اسم قاتل الامام خالد بن ملجم، وإنّما اختلق كلّ ذلك! وحرّف ما حرَّف سيف بن عمر المتّهم بالزندقة للتشويش على معالم التاريخ الاسلامي، وتشويه حقائقه! وغطّى جميع ذلك بغطاء مهلهل من نشر مناقب الصحابة والدفاع عنهم!!!


 

26  صرار ماء بالقرب من المدينة على طريق العراق، السكون: بطن من كندة من القحطانية ينتهي نسبهم إلى سبأ بن يشجب، وسيف ينسب جميع الاثام والشرور إليهم، ودلم: جمع الادلم: الشديد السواد من الناس، والسباط: جمع السبط، الشعر المسترسل.

27 الطبري (1 / 2220 ـ 2221).

28 الطبري (1 / 2944)، وابن الاثير (3 / 192).

29 الطبري (1 / 3136) وابن الاثير (3 / 192).

30  القعقاع بن عمرو من مختلقات سيف من الصحابة أفردنا له ترجمة في كتابنا (خمسون ومائة صحابي مختلق) وقد فصلنا القول عن واقعة الجمل بكتابنا (أحاديث أم المؤمنين عائشة).

31 الانساب للسمعاني؛ ورقة 104، ولسان الميزان (3 / 439).

32 الاغاني (14 / 33) وابن الاثير (3 / 326) وممن ذكر أن اسم قاتل الامام كان عبد الرحمن كل من: أ ـ اليعقوبي في تاريخه (2 / 212 و 214).

ب ـ ابن سعد في طبقاته (616).

ج ـ ابن حزم في جمهرة أنساب العرب ص 200.

33  في الاغاني ((أريد حباءه)) أي عطاءه بدل حياته في تاريخ ابن الاثير.