القسم الثاني
 أساطير شارك سيفٌ غيره في روايتها:

ذكرنا في ما سبق أساطير تفرَّد بروايتها سيف، وفي المدوَّنات التاريخية أساطير اشترك في روايتها سيف وغيره كالاُسطورة التالية: روى سيف: أنَّ الخليفة عمر بعث سارية بن زُنَيم الدُّئلي (18) إلى فسا ودَارابْجِرْد فحاصرهم سارية، ثمَّ أنّ الفرس تداعوا وكثروا وأصحروا له وأتوه من كل جانب، فنادى عمر وهو يخطب يوم جمعة ((يا سارية بن زُنيم! الجبل! الجبل!)) فسمع جيش المسلمين نداء عمر (19) وكان إلى جنبهم جبل إن لجؤوا إليه لم يؤتوا إلاّ من وجه واحد، فلجأوا إليه وقاتلوا الفرس فهزموهم فأصاب سارية مغانمهم، وفي المغانم سفط فيه جوهر فاستوهبه المسلمين لعمر فوهبوه له، فبعث به وبالفتح مع رجل، فقدم على عمر وهو يطعم الناس فأمره عمر فجلس وأكل، فلمّا أنصرف عمر إلى بيته تبعه الرسول، فلمّا جلس عمر أُتي بغدائه خبز وزيت وملح جَريش فوضع، فقال عمر ـ لزوجته أمِّ كلثوم ـ: ((ألا تخرجين يا هذه! فتأكلين؟)).
قالت: ((إنّي لاسمع حسَّ رجل)).
فقال: ((أجل)).
فقالت: ((ولو أردت أن أبرز للرجال اشتريت لي غير هذه الكُسوة)). فقال:
((أوَما ترضين أن يقال: أم كلثوم بنت عليّ وامرأة عمر!)).
فقالت: ((ما أقل غناء ذلك عنّي)).
فقال عمر للرجل: ((أُدن فكل فلو كانت راضية لكان أطيب ممّا ترى!)) قال سيف: فأكلا، فلمّا فرغا قال الرجل: أنا رسول سارية، فقال عمر: ((مرحبا وأهلا)) ثمَّ أدناه حتّى مسَّ ركبته وسأله عن المسلمين، فبشره بالفتح وأخبره بقصّة السفط، فصاح به ونهره وأمره أن يردَّه إلى الجند ويقسمه بينهم... الحديث.
روى سيف هذا الخبر بسندين في فتح فسا ودارابْجِرد من أرض فارس، ونسب فيهما بعث السفط إلى سارية، وروى خبر السفط وحده بسند آخر في ذكر حرب سلمة بن قيس الاشجعي (20) مع الاكراد ونسب هنالك إرسال السفطين من الجواهر إلى سلمة وأنّه كان قد غنمهما من الاكراد.
روى سيف هذا الخبر وأخذ منه الطبري ومن الطبري أخذ ابن كثير في (7 / 130 ـ 131).
هذا ما وجدنا من روايات سيف في هذا الخبر، وروى الخبر غير سيف بأسانيد أُخرى.
ولا ندري هل وضع سيف هذا الخبر واقتبسه غيره منه وركب عليه أسانيد غير أسانيد سيف، أو وضعه غير سيف واقتبسه سيف منه ووضع له عدَّة أسانيد!؟ ومهما يكن الامر فإنّا لا نريد أنّ نناقش أسانيد هذا الخبر ونبحث عن منشئه، ولا نريد أنّ نبحث عن مدى انتشاره في كتب الحديث والتاريخ، فإنّه يطول ويُملّ، بل نريد أنّ نناقش قليلا ما متن الخبر الذي رواه سيف وغير سيف، ونقول:
إنّ كان اللّه قد أهلم الخليفة في هذه المعركة كيف وجّه قائد جيشه ليتحرَّز من العدو، وسخّر الهواء ليُبلّغ نداءه إلى مسامع الجيش كي يسلموا من التهلكة! فِلم لَم يلهمه في واقعة جسر أبي عبيد ليوجّه جيشه ألاّ يعبروا الجسر فيُمنوا بتلك الهزيمة المنكرة!؟ ولِمَ لم يسدّد نبيّه في غزوة أُحد لينادي الرماة ألا يتركوا أماكنهم في أصل الجبل رغبةً في الغنائم، كي لا يباغث خيل المشركين المسلمين من خلفهم فتقع الهزيمة في جيشه، ويستشهد منهم من استشهد؟!
ونقول: كيف أجّل الرسول بشارة الخليفة بالفتح حتّى أكمل أمر الاطعام؟ وكذلك لم يخبره بشي‌ء وهما يسيران إلى بيت الخليفة؟! ولم يخبره في البيت حتّى فرغا من الاكل!؟ كيف أجّل الرسول البشارة بالفتح كلَّ هذه المدّة؟ وأين كان جمله وعليه سفط الجواهر، أو سفطا الجواهر كلَّ تلك المدّة؟. ونقول: من هو القائد المرسل للجواهر عند سيف؟ أهو سارية الدُّئلي، أم سلمة الاشجعي؟ ضدَّ مَنْ كانت الحرب؟: أضدّ الفرس في فسا؟ أم ضدّ الاكراد؟ وأين وقعت الحرب ضدّ الاكراد؟! ونقول: كيف طلب الخليفة من زوجه أُمّ كُلثوم أنّ تخرج وتجلس مع الرجل الاجنبي وتؤاكله؟! وهل صحّ أنّها هي التّي أبت ذلك لانَّ كِسوتها كانت غير لائقة للبروز للرجال، وفي كتاب اللّه: (ولا يُبدين زينتهنَّ إلا لبُعُولَتِهنَّ أو آبائِهنَّ أو أبنائِهِنَّ...)؟ الاية من سورة النور.
وهل كانت مدينة الرسول في ذلك العصر كبلادنا في هذا العصر؟ وكان الخليفة كرجال عصرنا ممّن يصحبون نساءهم إلى نواديهم ويبُرِزونهنَّ للرجال ويخالطن الرجال؟ وهل كان يفعل ذلك أي رجل غير الخليفة في مدينة الرسول!؟ لست أدري: ماذا قصد واضع هذا الخبر إن لم يقصد التشويش على عقائد المسلمين من طريق التحدُّث عن سيرة الصحابة والخلفاء بما يروق العامّة سماعه، كالحديث عن زهد الخليفة وكرامته! والخليفة غنيُّ عن هذه المنقبة المزيَّفة!؟ ويبدو أنَّ بعض العلماء السابقين قد فطن إلى زيف هذا الخبر؛ كابن
الاثير في تاريخه فإنّه حذف محاورة الخليفة مع زوجته في أمر مؤاكلة الرجل الاجنبي من خبر سارية بن زُنيم وخبر سلمة الاشجعي مع أنّ هذه (الفضيلة) هي بيت القصيد لواضع الخبر!
ومثل ابن حزم في جمهرته؛ فقد قال في ذكر نسب بني الدُّئل: ((وسارية بن زنيم... الذي يذكر قوم أنّ عمر ناداه، وهو بعيد وهذا لا يصح)).
هذا ما ورد في خبر السفط عند هؤلاء ومن أخذ منهم. أمّا غيرهم؛ فقد قال البلاذري في فتوحه ما خلاصته: ((إن الخليفة عمر ولَّى السائب بن الاقرع (21) الغنائم في حرب نهاوند فجمعها وقسّمها ثمَّ أصاب ـ بعد تقسيم الغنائم ـ كنزا فيه سفطان فأخذهما إلى عمر مع خمس الغنائم وذكر له شأن السفطين. فقال: اذهب بهما فبعهما ثمَّ أقسم ثمنهما بين المسلمين ـ يقصد جند المسلمين ـ فذهب بهما إلى الكوفة وباعهما من عمرو بن حريث)) الحديث.
وقال مثل هذا ـ أيضا ـ الدينوري في الاخبار الطِّوال، وأبو عبيد في الاموال وابن أعثم في فتوحه (22). ويظهر من فحوى هذا الخبر أنَّ السائب اعتبر السفطين ممّا لم يوجف عليهما بخيل ولا ركاب، فحملهما مع الخمس إلى الخليفة، واعتبرهما الخليفة من غنائم الحرب فردَّهما إلى الجيش.

* * *

هذا ما كان من خبر السفط. أما فتح دارابجرد فقد ذكر البلاذري ـ أيضا ـ في فتوحه: أنَّ عثمان بن أبي العاص الثقفي هو الّذي فتحها صلحا وكان القائد العام في الحرب أبا موسى الاشعري.
 



18  الدُئِلي: نسبة إلى الدُئِل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، ذكر ابن حزم نسبهم في جمهرته (ص 174) ومنهم سارية بن زنيم وترجمته في الاصابة (2 / 2) و(فسا) من مدن دارابْجِرْدَ بفارس قريبا من مدينة شيراز.

19  وردت هذه الجملة في آخر رواية سيف واقتضى سياق الخبر أنّ نذكرها هنا، وفي ألفاظ سيف وجمله في هذا الخبر ركة تعبير وعدم أنسجام.

20  الاشجعي: نسبه إلى أشجع بن ريث بن غطفان بن قيس عيلان من عدنان: نسبهم في جمهرة (ابن حزم) (ص 238). وترجمة سلمة في أُسد الغابة (2 / 339) والاضافة (2 / 65).

21  من ثقيف ، دخل مع أمه مليكة على النبيّ (ص) وهو غلام فمسح برأسه ودعا له ، ولي أصبهان ومات بها ، أُسد الغابة (2 / 249) والا صابة (2 / 8) .

22  إنّ راوي الخبر عند ابن أعثم قد زين الخبر ـ أيضا ـ بإطار أسطوري.