مناقشة السند:
ورد في أسانيد روايات سيف في هذه القصّة اسم سهل بن يوسف عن عُبيد
بن صخر في روايتين.
والمستنير بن يزيد عن عروة بن غزيّة في روايتين.
وفي رواية واحدة أخرى ورد اسم عروة بن غزية دون المستنير.
وما أوردناه سابقا خلاصة ممّا رواهُ سيف عن هؤلاء الرواة وهم كلُّ
من:
أ ـ سهل وتخيّله سيف: ابن يوسف السّلمي، ورد اسمه في سند سبع
وثلاثين رواية لسيف في تاريخ الطبري. والسّلمي نسبة إلى عدة أحياء في العرب ونرى
سيفا تخيله من بني سلمة بن سعد من الخزرج وله ترجمة في كتابنا (رواة مختلقون).
ب ـ عُبيد بن صَخْر بن لوْذان السلمي من مختلقات سيف من الصحابة،
وله ترجمة خاصة بكتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق).
ج ـ عروة بن غَزِيَّة الدثيني، هكذا تخيّله سيف. وجدنا اسمه في ستّ
روايات لسيف بتاريخ الطبري؛ في أربعة منها يروي عروة عن الضحّاك بن فيروز، ولم نجد
له ذكرا عدا ما ذكره السمعاني والحموي، قال السمعاني: ((الدَّثيني هذه النسبة إلى
الدثينة. وظنّي أنّها من قرى اليمن، منها عروة بن غزية الدثيني يروي عن الضحاك ابن
فيروز، ذكره سيف بن عمر في الفتوح)).
وأورد ابن الاثير في اللباب مختصر قول السمعاني. وقال الحموي بترجمة
دثينة: (وقد نسبوا إليها عروة بن غزية الدثيني يروي عن الضحّاك بن فيروز).
وهذان الخبران مصدرهما روايات سيف كما صرَّح السمعاني بذلك وأهمل
الحموي تعيين مصدره.
2 ـ المستنير بن يزيد. تخيّله سيف نخعيا. ورد اسمه في سند ثماني
عشرة رواية لسيف في تاريخ الطبري ولم نجد له ذكرا في غيرها، ولذلك اعتبرناه مع من
سبق ذكرهم من مختلقات سيف من الرواة.
هذا ما كان في أسانيد خبر سيف عن الاسود العَنسي. ولمعرفة متن خبر
سيف نرجع إلى غيره لنرى كيف ورد الخبر عنده ثمَّ نقارن بين الروايتين.
خبر الاسود في روايات غير سيف.
قال البلاذري في فتوح البلدان ما ملخّصه:
((كان الاسود بن كعب بن عَوف قد تكهَّن وأدَّعى النبوَّة
فاتَّبَعَهُ عَنس وأتَّبعه ـ أيضا ـ قوم غير عَنس، وسمّى نفسه رحمان اليمن وكان له
حمار معلَّم يقول له:
أُسجد لرِبّك! فيسجد، ويقول له: أُبرك! فيبرك، وقال بعضهم: هو ذو
الخمار لانّه كان متخِمّرا
(16) مُعتمّا أبدا، وقيل: كان أسود الوجه فسَمّي الاسود
لسواد لونه، وإنَّ اسمه: عَبْهَلَة. قال: وأتى صنعاء فغلب عليها وأخرج عامل رسول
اللّه منها، وأستذلَّ الابناء ـ وهم أولاد الفرس الَّذين كانوا بها ـ وتزوَّج
المرزُبانة امرأة باذام ملكهم. فوجّه رسول اللّه (ص) قيس بن هُبيرة بن المكشوح
المرادي لقتاله، وأمره بأستمالة الابناء. فلمّا صار إلى اليمن أظهر للاسود أنّه على
رأيه حتّى خلَّى بينه وبين دخول صنعاء، فدخلها في جماعة من مَذْحج وهَمْدان وغيرهم،
ثمَّ استمال فيروز أحد الابناء وداذويه رأس الابناء، وأسلم الابناء، فتطابق هؤلاء
جميعا على قتل الاسود واغتياله، ودسُّوا إلى المرزبانة امرأته من أعلمها بأمرهم ـ
وكانت شانئة له ـ فدلَّتهم على جدول يُدخَلُ إليه منه، وقيل: بل نقبوا جدار بيته
ثمَّ دخلوا عليه في السحر وهو سكران نائم فقتله فيروز، وأجهز عليه قيس واحتزَّ رأسه
وعلا سور المدينة حين أصبح وقال: اللّه أكبر اللّه أكبر، أشهد ألا إله إلاّ اللّه،
وأشهد أنَّ محمّدا رسول اللّه، وأنَّ الاسود كذَّاب عدوّ اللّه. فاجتمع أصحاب
الاسود فألقى إليهم قيس رأس الاسود فتفرقوا إلاّ قليلا منهم، فقتلوهم إلاّ من أسلم
منهم)).
وذكر قريبا منه في البدء والتاريخ (5 / 154 ـ 155) وأورد موجزه
اليعقوبي في تاريخه (2 / 108).
16 متخمر: لابس الخمار، والخمار ما
تغطي به المرأة رأسها. ومعتمُّ، لابس العمامة.