قصّة الاسود العنسي:

روى الطبري في قصة الاسود العنسيّ (13) عدَّة روايات عن سيف تتلّخص في ما يلي: إنَّ الاسود لمَّا ادّعى النبوَّة وتغلّب على اليمن وقتل ملكها شهر بن باذان وتزوَّج امرأته وأسند أمر الجيش إلى قيس بن عبد يغوث وأسند أمر الابناء ـ وهم أبناء الفرس باليمن ـ إلى فيروز وداذويه؛ كتب النبيّ إلى هؤلاء بقتال الاسود إما مصادمة أو غيلة، فاتّفقوا على اغتياله فأخبره شيطانه، فأرسل إلى قيس وقال: يا قيس! ما يقول الملك؟ قال قيس: ((وما يقول)) قال: يقول: ((عمدت إلى قيس فأكرمته حتّى اذا دخل منك كل مدخل، وصار في العزّ مثلك؛ مال ميل عدّوك؛ وحاول ملكك؛ وأضمر على الغدر! إنّه يقول: يا أسود، يا أسود يا سوءة! يا سوءة! إقطف قُنَّته (14)، وخذ من قيس أعلاه وإلاّ سلبك أو أخذ قُنَّتك!)) فقال قيس وحلف به وكذب: ((وذي الخمار(15) لانت أعظم في نفسي وأجلُّ عندي في أن أحدِّث بك نفسي)). قال الاسود: ((ما أجفاك! أتكذِّب المَلَك؟! وعرفت الان أنّك تائب ممّا أطلّع عليه منك)) يعني ما اطلع عليه شيطانه الذي يسمّيه المَلَك.

وقال سيف: ثمَّ خرج قيس وأخبر جماعته بما جرى له مع الاسود وتواطؤوا على إنفاذ ما اتّفقوا عليه من قتله، فدعا الاسود قيسا ثانية، وقال له: ((ألم أخبرك الحقّ وتخبرني الكذابة؟ إنّه يقول ـ يعني شيطانه الذي يسميه الملك ـ يا سوءة! يا سوءة! إلاّ تقطع من قيس يده يقطع قُنَّتك العليا)) فقال له قيس: ((ليس من الحقّ أنّ أقتلك وأنت رسول اللّه، فمر بي بما أحببت فأما الخوف والفزع فأنا فيهما مخافة! أُقتلني! فموتة أهون عليّ من موتات أموتها كلَّ يوم)) قال

سيف: فرقَّ له فأخرجه! وقال: دعا الاسود بمائة جزور بين بقرة وبعير، وخطّ خطّا فاقُيمت من وراء الخطّ، وقام من دونها، فنحرها غير مُحبَسة ولا مُعقَّلة، ما يقتحم الخطَّ منها شي‌ء، ثمَّ خلاّها فجالت إلى أنّ زهقت، ونقل سيف عن الراوي أنّه قال: ((ما رأيت أمرا كان أفظع منه، ولا يوما أوحش منه)).

قال سيف: وتواطؤوا مع زوجته على اغتياله ليلا. فلمّا دخلوا عليه ليقتلوه بادره فيروز، فأنذره شيطانه بمكان فيروز وأيقظه، فلمّا أبطأ تكلّم الشيطان على لسانه وهو يغطُّ في نومه وينظر إلى فيروز، قال له: ((مالي ولك يا فيروز)) فدقّ فيروز رقبته وقتله.

قال: ثمَّ دخل الباقون ليحتزُّوا رأسه فحرَّكه شيطانه فاضطرب فلم يضبطوا أمره حتّى جلس اثنان على ظهره وأخذت المرأة شعره، فجعل يبربر بلسانه فاحتزَّ الاخر رقبته فخار كأشِدّ خوار ثور سمع قط، فابتدر الحرس الباب، وقالوا: ما هذا؟ فقالت المرأة: النبيّ يوحى إليه فخمد... الحديث.

روى الطبري هذه القصّة عن سيف في إحدى عشرة رواية من رواياته، وأورد الذهبي روايتين منهما في كتابه تاريخ الاسلام الكبير.


 

13  نسبة إلى عنس بن مذحج وهم حي من زيد بن كهلان بن سبأ ترجمتهم في أنساب ابن حزم (381).

14  اقطف قنته أي اقطع رأسه، وقنّة كل شي‌ء أعلاه مثل القلّة.

15  كان الاسود يلقب ذا الخمار أو ذا الحمار ويأتي بيان سببه.