نتيجة البحوث:

وجدنا خالدا في وقعة ذات السلاسل يبيد جيش الفرس المقترنين بالسلاسل حسب رواية سيف!

وفي الثني يقتل منهم مقتلة عظيمة يبلغ قتلاهم ثلاثين ألفا سوى من قد غرق! وفي الولجة يقتل منهم مقتلة لا يرى أحد منهم مقتل صاحبه ويقتل فارسا يُعدُّ بألف فيتّكئُ عليه في ساحة المعركة ويتغدّى! وفي أُلَّيْسَ يحلف أنّ يجري نهرهم بدمائهم فيجلب الناس من جوانبها مدَّة ثلاثة أيّام ويضرب أعناقهم على النهر حتّى يبلغ قتلاهم سبعين ألفا ويهدم مدينة أمغيشيا بعدها! وفي معركة الحيرة يبيد جيش بن الازاذبه! وفي الحصيد يقتل القعقاع منهم مقتلة عظيمة! وفي المُصيَّخ يغيرون عليهم من ثلاثة أوجه وهم نائمون فيقتلونهم حتّى يمتلئ الفضاء بهم ويشبِّهونهم بالغنم المصرّعة.

وفي المثنى ـ أيضا ـ بيَّتوهم من ثلاثة أوجه وأعملوا فيهم السيف فلم يفلت منهم مخبر.

وفي الزُمّيل بيَّتوهم غارةً شعواء من ثلاثة أوجه فقتلوا منهم مقتلةً

عظيمةً لم يقتلوا قبلها مثلها فقد كانت على خالد يمين أن يبغتهم.

وفي الفراض أمر خالد أنّ يُلحّوا عليهم بعد هزيمتهم، فجعل صاحب الخيل يحشر منهم الزمرة برماح أصحابه فإذا جمعوهم قتلوهم، فقتلوا منهم في المعركة والطلب مائة ألف.

*          *          *

أيُّ إنسان لا يقشعرُّ جلده من قراءة تاريخ الفتوح الاسلامية هذا!؟ وهل فعلت جيوش التتر أكثر من هذا؟!!!

ألا يحقُّ لخصوم الاسلام مع هذا التاريخ المزيَّيف أنّ يقولوا: ((إنَّ الاسلام انتشر بحدّ السيف))؟!!

وهل يشكّ أحد بعد هذا من هدف سيف في وضع هذا التاريخ وما نواه من سوء للاسلام؟! وما الدافع لسيف إلى كلّ هذا الدَّسِّ والوضع إن لم تكن الزندقة الّتي وصفه العلماء بها؟!

وأخيرا هل خفي كلُّ هذا الكذب والافتراء على إمام المؤرّخين الطبري؟ وعلامتهم ابن الاثير؟ ومكثرهم ابن كثير؟ وفيلسوفهم ابن خلدون؟ وعلى عشرات من أمثالهم؟ كابن عبد البرّ وابن عساكر والذهبي وابن حجر؟ كلاّ فإنّهم هم الّذين وصفوه بالكذب ورموه بالزندقة! وقد مرَّ علينا في وقعة ذات السلاسل قول الطبري وابن الاثير وابن خلدون في تواريخهم: أنَّ ما ذكره سيف فيها خلاف ما يعرفه أهل السير! إذا فما الّذي دعاهم إلى اعتماد روايات سيف دون غيرها مع علمهم بكذبه وزندقته، إن هو إلاّ أنَّ سيفا حلّى مفترياته بإطار من نشر مناقب الصحابة فبذل العلماء وسعهم في نشرها وترويجها مع علمهم بكذبها. ففي فتوح العراق ـ مثلا ـ أورد مفترياته تحت شعار مناقب خالد بن الوليد، فقد وضع على لسان أبي بكر أنّه قال ـ بعد معركة أُلَّيس وهدم مدينة أمغيشيا ـ: ((يا معشر قريش! عدا أسدكم على الاسد فغلبه على خراذيله، أعجزت النساء أنّ يُنشئن مثل خالد)).

كما زيّن ما اختلق في معارك الردَّة بإطار من مناقب الخليفة أبي بكر، وكذلك فعل في ما روى واختلق عن فتوح الشام وإيران على عهد عمر، والفتن في عصر عثمان، ووقعة الجمل في عصر عليّ، فإنّه زيّنها جميعا بإطار من مناقب الصحابة، فراجت وشاعت ونُسيت الروايات الصحيحة ـ عدا روايات سيف ـ وأُهملت على أنّه ليس في ما وضعه سيف واختلق ـ على الاغلب ـ فضيلة للصحابة، بل فيه مذمّة لهم، ولست أدري كيف خفي على هؤلاء أنّ جلب خالد عشرات الالوف من البشر وذبحهم على النهر ليجري نهرهم بدمائهم ليست  فضيلة له، ولا هدمه مدينة أمغيشيا ولا نظائرها إلاّ على رأي الزنادقة في الحياة من أنّها سجن للنور وأنّه ينبغي السعي في إنهاء الحياة لانقاذ النور من سجنه (8).

ومهما يكن من أمر فإنَّ بضاعة سيف المزجاة إنّما راجت لانه طلاها بطلاء من مناقب الصحابة وإنّ حرص هؤلاء على نشر فضائل الصحابة أدَّى بهم إلى نشر ما في ظاهره فضيلة للصحابة وإنّ لم تكن لهم في واقعه فضيلة! والانكى من ذلك أنَّ سيفا لم يكتف باختلاق روايات في ظاهرها مناقب للحصابة الحقيقيين ويدُسَّ فيها ما شاء لهدم الاسلام؛ بل اختلق صحابة للرسول لم يخلقهم اللّه! ووضع لهم ما شاء من كرامات وفتوح وشعر ومناقب كما شاء! معرفةً منه بأنّ هؤلاء يتمسّكون بكلّ ما فيه مناقب للصحابة كيف ما كان، فوضع واختلق ما شاء لهدم الاسلام! اعتمادا منه على هذا الخلق عند هؤلاء! وضحكا منه على ذقون المسلمين! ولم يخيّب هؤلاء ظنّ سيف، وإنّما روّجوا مفترياته زهاء ثلاثة عشر قرنا! وقدمنا ـ بإذن اللّه تعالى ـ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا.

*          *          *

نكتفي بما قدَّمناه من روايات سيف الموضوعة في الفتوح والردَّة  الّتي دلّت على انتشار الاسلام بحدِّ السيف، ولو أردنا أنّ نتابعه في كلّ ما  ختلقه ورواه عن فتوح المسلمين في عصر الصحابة لطال بنا البحث واحتجنا إلى تفصيل مملّ. وفي ما أوردنا الكفاية لمعرفة قيمة روايات سيف في الفتوح. ولندرس في الفصل الاتي رواياته التي قصد بوضعها نشر الخرافات في عقائد المسلمين.


 

8  راجع بحث الزندقة والزنادقة من البحوث التمهيدية بكتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق) للمؤلف.