مناقشة السند:

في أسانيد الاخبار السابقة من روايات سيف؛ محمّد والمهلَّب وزياد والغصن بن قاسم الكناني من مختلقات سيف من الرواة.

وظفر بن دهي منن مختلقاته من الصحابة الرواة.

ورجل من بني سعد، ورجل من بني كنانة، ولا ندري ماذا تخيَّل اسميهما لنتجشّم البحث عنهما؟

 

نتيجة البحث:

تفرَّد سيف بذكر حرب الحصيد وقتل العجم بها مقتلة عظيمة، وقتل قائدي الفرس روزبه ورزمهر، وتفرَّد بذكر الصحابي عصمة ابن عبداللّه الضَّبيّ وما ذكر من أنّه كان من البررة وأنّ البررة كلُّ فخذ هاجرت بأسرها، والخِيَرة كلُّ قوم هاجروا من بطن.

وتفرَّد بذكر مُصيَّخ بني البرشاء وقتل أهلها حتّى امتلا الفضاء بهم كالغنم المصرّعة.

وتفرَّد بذكر الصحابي أعبد بن فدكي.

وتفرَّد بذكر الثني وقتل أهلها قتل إبادة، وذكر الزُمّيل وقتل أهلها مقتلة عظيمة لم يقتلوا قبلها مثلها.

وتفرَّد بذكر قتال الفراض، وقتل مائة ألف منهم في المعركة، وفي الاسر صبرا.

تفرَّد بذكر الاماكن المذكورة، وأخذ منه ياقوت في معجمه، وأخذ من ياقوت صاحب مراصد الاطلاع.

كما نقل عنه الطبري، ومن الطبري أخذ ابن الاثير وابن كثير في تاريخيهما.

وأخذ منه صاحب الاصابة تراجم الصحابة المذكورين.

 

مقارنة بين روايات سيف وغيرها:

أوردنا في ما سبق موجزا من روايات سيف عن غزوات خالد بعد الحيرة.

ولمعرفة مدى تطابقها مع الواقع نبحث أوَّلا في سواد العراق يومذاك؛ فنجد فيه قرى صغيرة منتشرة على شواطئ الانهر يسكنها المزارعون من العرب والفرس،  وكبراها الحيرة وكان يسكنها ملوكهم المناذرة. وكان عدد رجالها ستة آلاف عندما أحصاهم خالد وألزم كلَّ واحد منهم بدفع أربعة عشر درهما سنويا حسب رواية البلاذري. فإذا كان عدد رجال حاضرتهم ستّة آلاف فكم يكون عدد رجال سائر قراها؟ ثانيا: لمعرفة طبيعة المعارك التي دارت رحاها في السواد يومذاك نرجع إلى الدينوري فنجده يقول في الاخبار الطِّوال ما موجزه: لمّا أفضى الملك إلى بوران بنت كسرى شاع أنّه لا ملك لارض فارس وإنّما يلوذون بباب امرأة. فأقبل رجلان من بكر بن وائل يغيران على الدهاقين فيأخذان ما قدرا عليه فإذا طلبا أمعنا في البرِّ فلا يتبعهما أحد، يقال لاحدهما المثنّى وكان يغير من ناحية الحيرة، وللاخر سويد وكان يغير من ناحية الاُبلّة.

وكان ذلك في خلافة أبي بكر، فكتب المثنّى إلى أبي بكر يعلمه ضراوته بفارس ويعرفِّه وهنهم ويسأله أنّ يمدّه بجيش، فكتب أبو بكر إلى خالد ـ وكان فرغ من أهل الردّة ـ أنّ يسير إلى الحيرة ويضم إليه المثنّى ففعل، وكره المثنّى ورود خالد عليه.

ونرجع إلى البلاذري فنجد عنده وصفا رائعا لغزوات خالد في الحيرة تُعرّفنا طبيعة تلك المعارك، وقد سبق ذكر بعضها، ونذكر في ما يلي موجزا لبعض ما وقع منها بعد الحيرة، قال:

وبعث خالد بشير بن سعد الانصاري إلى بانقيا فلقيته خيل للاعاجم عليها فرُّخبُنداذ فرشقوا من معه بالسّهام، وحمل عليهم فهزمهم وقتل فرُّخبُنداذ، ثمَّ انصرف وبه جراحة انتفضت بعين التمر فمات منها.

وقيل إنّ خالدا هو الّذي قتل فرُّخبُنداذ، وبعث جرير بن عبداللّه البجلي إليهم فخرج إليه بُصبُهري بن صلُوبا فاعتذر إليه من القتال وعرض عليه الصلح، فصالحه جرير على ألف درهم وطيلسان.

وقيل إنّ صلُوبا أتى خالدا فاعتذر إليه وصالحه هذا الصلح.

وقالوا: إنّ خالدا أتى بعدها الفلاليج وبها جمع للعجم فتفرَّقوا ولم يلقوا كيدا فرجع إلى الحيرة، فبلغه أنّ جابان في جمع بتستر فوجّه إليه المثنّى وحنظلة بن الربيع فلمّا انتهيا إليه هرب وسار إلى الانبار فتحصَّنَّ أهلها، وبعث المثنّى إلى السوق العتيق ببغداد فأغار عليهم فملاوا أيديهم من الذهب والفضَّة وما خفَّ حمله، ثمَّ أتوا الانبار ـ وخالد بها ـ فحصروا أهلها وحرَّقوا نواحيها فصالحوه بشي‌ء رضي به، وقيل بل صالحه جرير في عصر عمر.

*          *          *

هكذا كانت طبيعة غزوات خالد في العراق، يبعث جريدة خيل إلى تلك القرية أو هذه فيستقبلونهم بالصلح ودفع الجزية أو بالمراماة ساعة من نهار ثمَّ ينهزمون، أو يباغت تجمُّعا في سوق فيستولي على ما فيها بعد فرار أهلها، وأحيانا يهاجم قرية فيقاتل خفراءها أو حصنا أو مسلحة فيقتل منهم أفرادا ثمَّ يستولي على بعض السبي والغنائم.

ويتناسب هذا النوع من الغزو وعدد جيش خالد كما رواه البلاذري عندما ذكر خبر انصرافهم من العراق إلى الشام لامداد المسلمين هناك قال: ((وسار في شهر ربيع الاخر سنة ثلاث عشرة في ثماني مائة، ويقال: في ستمائة، ويقال: في خمسمائة)).

وليس بمقدور هذا العدد أنّ يبيد مئات الالوف كما ذكرته روايات سيف.