أُلَّيْس:
قال سيف: لمّا أصاب خالد يوم الولجة طائفة من بكر بن وائل (من نصارى
العرب، مَّمن أعان الفرس) غضبت عشائرهم، فكاتبوا الفرس، واجتمعوا إلى أُلَّيسَ،
وعليهم عبد الاسود العجلي، فكتب أردشير إلى بهمن جاذويه وكان قد أقام بعد الهزيمة
بقُسياثا، فقدّم بهمن جاذويه جابان إليهم، وأمره بالتوقف عن المحاربة حتّى يقدم
عليه، ثمّ سار بهمن إلى أردشير ليشاوره في ما يفعل وكان لاهل فارس في كلّ يوم من
أيّام الشهر رافد يرفدهم عند الملك وكان بهمن أحدهم.
أما جابان فقد سار حتّى أتى أُلَّيس في صفر، واجتمعت إليه المسالح
الّتي كانت بأزاء العرب، وعبد الاسود في نصارى العرب من بني عجل وتيم اللاّت،
وضبيعة، وعرب الضاحية من أهل الحيرة، وسار إليهم خالد حين بلغه خبرهم ـ وهو لا
يعلم بدنّو جابان ـ فلمّا طلع جابان بأُلَّيس قالت له العجم، أنعاجلهم، أم نغدَّي
الناس ولا نريهم أنّا نحفل بهم ثمَّ نقاتلهم؟ فقال جابان: إن تركوكم فتهاونوا بهم.
فعصوه، وبسطوا البسط، ووضعوا الاطعمة، وتداعوا إليها، وتوافوا إليها، وإذا بخالد
ينتهي إليهم، فحطَّ الاثقال، وتوجَّه إليهم، وأعجلهم عن طعامهم، فقال لهم جابان:
ألم أقل لكم، وحيث لم تقدروا على الاكل، فسمُّوا الطعام فإن ظفرتم فأيسرها لك، وإن
كانت لهم هلكوا بأكله، فلم يفعلوا، واقتتلوا قتالا شديدا، والمشركون يزيدهم كلَبا
وشدّة ما يتوقّعون من قدوم بهمن جاذويه، فصابروا المسلمين، وقال خالد: اللَّهمَّ!
إنَّ لك عليَّ إن منحتنا أكتافهم إلا أستبقي منهم أحدا قدرنا عليه حتّى أجري نهرهم
بدمائهم.
ثمَّ إنَّ اللّه نصرهم، فنادى منادي خالد: الاسر الاسر، لا تقتلوا
إلاّ من امتنع.
فأقبلت الخيول بهم أفواجا مستأسرين، يساقون سوقا، وقد وَكَّلَ بهم
رجالا يضربون أعناقهم في النهر، ففعل ذلك بهم يوما وليلة وطلبوهم الغد، وبعد الغد،
حتّى انتهوا إلى النهرين، ومقدار ذلك من كُلّ جوانب أُلَّيْسَ، فضرب أعناقهم.
فقال له القعقاع وأشباه له: لو أنّك قتلت أهل الارض لم تجر دماؤهم،
فإنّ الدم ـ بعد قتل ابن آدم ـ قد نهي عن السيلان إلا مقدار بردة، فأرسِل عليها
الماء تبر بيمينك، وكان قد صدّ الماء عن النهر، فأعاده، فجرى دما عبيطا، فسمي (نهر
الدم) لذلك الشأن إلى اليوم، وكانت على النهر أرحاء فطحنت بالماء ـ وهو أحمر ـ قوت
العسكر (ثمانية عشر ألفا أو يزيدون) ثلاثة أيّام، وبلغ قتلاهم من أُلَّيْسَ سبعين
ألفا جلّهم من أمغيشيا.