ردة أهل عمان ومهرة:

في ما رواه الطبري عن سيف أنّ المسلمين ألتقوا بالمشركين في دبا فاقتتلوا بها قتالا شديدا حتّى انتصر المسلمون وقتلوا من المشركين في المعركة عشرة آلاف، وركبوهم حتّى أثخنوا فيهم، وسبوا الذراري، وقسموا الاموال على المسلمين وبعثوا بالخُمس إلى أبي بكر وكان الخُمس ثماني مائة رأس.

وقال: ثمّ ساروا إلى مهرة وكان المشركون بها على فرقتين يتنازعان الرّئاسة، إحداهما مع شخريت رجل من بني شخراة، وهم في جيروت، وقد امتلا ذلك الحيز بهم إلى نضدون.

وقال: جيروت ونضدون قاعان من قيعان مهرة.

قال سيف: فاتفق شخريت مع المسلمين وساروا جميعا إلى المشركين، واقتتلوا أشدّ من قتال دبا، فقتل رئيس المشركين، وركبهم المسلمون، فقتلوا منهم ما شاءوا وأصابوا ما شاءوا وفي ما أصابوا ألفي نجيبة، وبعثوا بالخُمس إلى أبي بكر وأجاب أهل تلك النواحي إلى الاسلام، وفي من أجاب: أهل رياضة الروضة، وأهل المرّ، واللَّبان، وأهل جيروت، وظهور الشّجر، والصبرات، وينعب، وذات الخيم، وبعثوا بذلك إلى أبي بكر مع البشير.

كان هذا ما رواه سيف في فتوحه، ونقل عنه الطبري في تاريخه، وياقوت في معجم البلدان بترجمة الاماكن التي ذكرت في حديث سيف، وابن حجر في ترجمة شخراة من الاصابة.

ومن الطبري أخذ ابن الاثير، وابن كثير، وابن خلدون في تواريخهم.

ومن الحموي أخذ عبد المؤمن في مراصد الاطلاع تراجم الاماكن المذكورة في الحديث.

 

مناقشة السند:

وضع سيف توثيقا لاسطورته في ردّة عمان ومهرة سندين لها، ورد في أحدهما اسم سهل بن يوسف، وفي الاخر اسم الغصن بن قاسم، وقد سبق قولنا فيهما إنهمّا من مختلقات سيف من الرواة!!!.

*          *          *

كان ما ذكرنا؛ حديث سيف وسنده في ردّة عمان، ومهرة، أمّا غير سيف فقد قال ابن أعثم في فتوحه:

سار عكرمة (2) في جيشه إلى دبا، ودنا بعضهم من بعض، فاقتتلوا حتّى انتصر عليهم المسلمون، فهزموهم حتّى بلغوا أدنى بلادهم، وقتل منهم زهاء مائة رجل، فتحصّنوا هناك، فنزل عليهم المسلمون وحاصروهم، فلمّا اشتدَّ عليهم الحصار نزلوا على حكم المسلمين، فقتلوا رؤساءهم، وأرسلوا الباقين منهم إلى أبي بكر، وهم ثلاثمائة من المقاتلة، وأربعمائة من النساء والذريّة،  فهمّ أبو بكر بقتل المقاتلة، وقسمة النساء والذرية، فقال له عمر: إنّهم على دين الاسلام، وإنّهم يحلفون باللّه مجتهدين ما كنّا رجعنا عن دين الاسلام، ولكنهم شحُّوا على أموالهم، فحبسهم في المدينة، ولمَّا صار الامر إلى عمر أطلق سراحهم.

وفي شأن مهرة، قال البلاذري: جمع قوم من مهرة بن حيدان جمعا فأتاهم عكرمة، فلم يقاتلوه، وأدّوا الصدقة. 

نتيجة البحث والمقارنة:

روى سيف أنّ المسلمين قتلوا من أهل عمان في المعركة عشرة آلاف، وأسروا منهم ما بلغ خُمسه ثماني مائة رأس، بينهما أحصى غيره عدد القتلى والاسرى منهم ثماني مائة رأس مضافا إليهم من قتل من رؤسائهم.

وعن مهرة قال سيف: إنّهم كانوا على رئيسين، انضمّ أحدهما إلى المسلمين فقاتلوا جميعا المشركين، واقتتلوا أشد من قتال دبا، وقتل رئيس المشركين، وقتل المسلمون منهم ما شاءوا، وأصابوا ما شاءوا، وفي ما أصابوا ألفي نجيبة وبعثوا بالخمس إلى أبي بكر ثمَّ أجاب أهل تلك النواحي إلى الاسلام.

بينما ذكر غيره أنّ مهرة جمعوا جمعا فلمّا أتاهم عكرمة لم يقاتلوه، وأدّوا إليه الصدقة. 


 

2  عكرمة بن أبي جهل القرشي المخزومي، أمه أم مجالد من بني هلال بن عامر. أمر النبيّ بقتله يوم فتح مكة، ففر إلى اليمن، فاستأمنت له من النَّبيِّ زوجته أم حكيم ابنة عمه الحارث بن هشام، فسارت إليه بأمان رسول اللّه، وردته إلى مكة، فأسلم، وقال: يا رسول اللّه لا أدع مالا انفقت عليك إلاّ أنفقت في سبيل اللّه مثله.

ولاه أبو بكر في حروب الردة. استشهد بأجنادين، أو اليرموك، أو يوم الصفر عام 13ه‍ ـ أُسد الغابة.  (64) وتاريخ الاسلام للذهبي (1 / 380).