نتيجة البحث:

ذكر المؤرخون خرجة واحدة لابي بكر، خرج فيها إلى ذي القصّة بعد رجوع أُسامة من مؤتة وما خرج غيرها قطّ، عقد فيها لواء القيادة لخالد وأمّر ثابت بن قيس على الانصار، وجعل أمره إلى خالد، وأمرهما بالمسير إلى بزاخة لحرب طلحية ومن معه من بني أسد وفزارة، وأضاف بعضهم إلى هذا: غارة بني فزارة عليهم هناك بغتةً، وقتل واحد منهم.

كان هذا كلّ ما ذكره غير سيف من حرب وزحف وتوجيه جيوش في هذه الفترة، بعيد وفاة الرسول.

أمّا سيف فقد ذكر تجمّع قبائل كثيرة من أهل الردّة في أبرق الربذة؛ منهم: ثعلبة ابن سعد، وعبس وعليهم الحارث، ومرّة وعليهم عوف، وناس من بني كنانة اجتمعوا إليهم، فلم تحملهم البلاد، فذهب نصفهم إلى ذي القصّة، فأمدّهم طليحة بأخيه حبال وأمّره على من بذي القصّة منهم، وعلى من معهم من قبائل الدئل، وليث، ومدلج، وأنّهم بعثوا وفودا إلى المدينة يقرّون الصلاة، ويأبون الزكاة، فردّهم أبو بكر فأخبروا المرتدّين في الابرق بقلة أهل المدينة، وأطمعوهم فيهم، فاستعدّ لهم أبو بكر، وعيّن على أنقاب أهل المدينة أربعة من كبار الصّحابة ومعهم المقاتلة، وألزم سائر الناس حضور المسجد، وباغتت مرتدّة الابرق أهل المدينة بغارة بعد ثلاث، وخلّفوا ردءا لهم بذي حسى فمنعتهم المقاتلة على الانقاب، وأخبروا أبا بكر فخرج على النواضح، وردّوا العدوّ حتّى بلغ ذا حسى، فباغتهم ردء المرتدّة هناك بأنحاء دهدهوها في وجوه إبل المسلمين، فنفرت بهم حتّى أرجعتهم إلى المدينة لا يملكون زمامها. فأرسل هؤلاء إلى

من بذي القصّة يخبرونهم ضعف أهل المدينة، فقدموا عليهم وفيهم بنو ذبيان وبنو أسد، وأنضمُّوا إلى من في الابرق، فعبَّأ أبو بكر جيشه، وعيّن أُمراء على الميمنة والميسرة، والساقة جميعا، وبيّتهم ليلا، فوضع المسلمون فيهم السيوف، وولّوهم الادبار، وغلبوا على عامّة ظهرهم (26)، وقتل في هذه المعركة حبال أخو طليحة، وتبعهم أبو بكر حتّى بلغ ذا القصة، ووضع فيها مسلحة وأمَّر النعمان بن مقرن، ثمَّ رجع إلى المدينة.

وخرج أبو بكر من المدينة الخرجة الثالثة لمّا وثب بنو عبس، وبنو ذبيان على من في قبائلهم من المسلمين، وقتلوهم كلَّ قتلة، فخرج أبو بكر على تعبئته حتّى نزل الابرق، وقاتلهم حتّى هزمهم، وأسر منهم، وغلب على بلادهم الربذة، فحرّمها عليهم ، وحمى أبرق الربذة لخيول المسلمين، وأرعى الناس سائر الربذة، وأنشد الصحابي زياد بن حنظلة، وغيره أراجيز متعددة في تلك المعارك.

تفرّد سيف بذكر كل ما سبق، ولم يصحَّ منه شي‌ء إطلاقا! لم يصحّ أرتداد أكثر تلك القبائل الّتي ذكرها، ولم يصحَّ تجمُّعها بالابرق وذي القصّة، ولا إرسالها الوفود إلى المدينة، ولا تأمير أبي بكر الامراء على أنقاب المدينة، ولا خرجاته الثلاث من المدينة، وما تبعها من تعبئته الجيش، وخروجه على النواضح، ونفور إبلهم من أنحاء دهدهوها، ولا غيرها ممّا ذكر من قتال،وأراجيز، واستيلاء على أراضيهم عنوة، بل لم يكن وجود لابرق الربذة، ولا لاشخاص ذكرهم في تلك الحوادث كالصحابي الشاعر زياد بن حنظلة، وخطّيل بن أوس، والراوي سهل بن يوسف(27). لم يكن لهؤلاء وجود خارج خيال سيف القّصاص العبقريّ، والمتهم بالزندقة!

وذكر سيف خرجة رابعة لابي بكر إلى ذي القصّة، وعقده هناك أحد عشر لواء لاحد عشر أميرا لحرب المرتدين، وأنّه زوّد كلاّ ً منهم بكتاب عهد، وكتاب آخر إلى القبائل المرتدّة، ولم يصحّ هذا ـ أيضا ـ والّذي كان أنّه عقد لواء لخالد، وجعل ثابت بن قيس على الانصار، وجعل أمره إلى خالد، ووجّههما لحرب من في البزاخة، ولم يعقد لغيرهما هناك لواء، ولم يكتب كتاب عهد أو غيره هناك، ولم يرسل خالد بن سعيد لحرب المرتدّين في الحمقتين بمشارف الشام أميرا. وأنّما ذهب هذا مع الجيش الغازي سورية، بعد حروب

الردّة، وهكذا لم يصحّ سائر ما ذكره عن هذه الواقعة.

ولم يصحّ ـ أيضا ـ سند الرواية لورود اسم سهل بن يوسف، وعبداللّه بن سعيد فيها، وذكرنا أنّهما من مختلقات سيف من الرواة!!!


 

26  أي عامة دوابهم.

27  ذكرنا في ما سبق أنّ سهل بن يوسف من مختلقات سيف من الرواة، وبسطنا القول في ترجمة زياد ابن حنظلة بكتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق) أمر (أبرق الربذة) و(زياد بن حنظلة). أمّا خطيل بن أوس فقد بحث في القسم المخطوط من (خمسون ومائة صحابي مختلق).