مناقشة السند:

في سند رواية سيف عن خبر أبرق الربذة، وخبر تأمير الامراء بذي القصّة سهل بن يوسف، وسبق قولنا فيه إنّه من مخترعات سيف من الرواة! وفي سند رواية سيف نصّ كتب أبي بكر للمرتدّين وعهده لامرائه؛ عبداللّه بن سعيد وهو في سند روايات سيف: عبداللّه بن سعيد بن ثابت بن الجذع الانصاري، روى عنه سيف في تاريخ الطبري ستَّ عشرة رواية، واعتبرناه ـ‍ أيضا ـ من مخترعات سيف من الرواة لمّا لم نجد له ذكرا عند غير سيف!

*          *          *

ذكرنا بإيجاز ما رواه سيف في الخبرين السابقين، أمّا غير سيف، فقد روى الطبري عن هشام بن الكلبي قال: لمّا رجع أسامة ومن معه من الجيش جدّ أبو بكر في حرب أهل الردّة، وخرج بالناس حتّى نزل بذي القصّة (منزل به من المدينة على بريد من نحو نجد) فعبّأ هنالك جنوده، ثمَّ بعث خالد بن الوليد على الناس، وجعل ثابت بن قيس بن شمّاس(14) على الانصار، وأمره إلى خالد، وأمره أن يصمد لطليحة وعيينة بن حصن، وهما على بزاخة (ماء من مياه بني أسد) وأظْهِرْ أنّي ألاقيك بمن معي نحو خيبر. قال ذلك مكيدة فقد كان أوعب مع خالد الَناس، ولكنّه أراد أنّ يبلغ ذلك عدوّه فيرعبهم، ثمَّ رجع إلى المدينة.

وذكر ـ أيضا ـ ذهاب أبي بكر إلى ذي القصّة، وتأميره خالدا على الجيش هناك؛ كلُّ من:

اليعقوبي في تاريخه، غير أنّه ذكر أنّ تعيين ثابت على الانصار كان بعد عتبهم عليه عدم تأميره أحدا من الانصار.

والبلاذري والمقدسي ذكرا إغارة بني فزارة عليهم هناك، قال المقدسي ـ بعد ذكر ما سبق ـ: فسار خالد، ورأى خارجة بن حصن الفزاري (15) قلَّتهم مع أبي بكر بذي القصّة ، فحمل عليهم في الفوارس، فانهزموا، ولاذ أبو بكر بشجرة (16) فأرقى طلحة بن عبيد اللّه على شرف، فنادى: أيّها الناس! هذا الخيل! فتراجع الناس، وانكشف خارجة، ورجع أبو بكر إلى المدينة.

وقال البلاذري: فخرج أبو بكر إلى ذي القصّة من أرض محارب لتوجيه الزحوف إلى أهل الردّة، ومعه المسلمون، فصار إليه خارجة ومنصور بن زبان الفزاريان، فقاتلوهم قتالا شديدا، فانهزم المشركون، وأتبعهم طلحة، فقتل منهم رجلا، وفاته الباقون ـ إلى قوله ـ: ثمَّ عقد لخالد وهو بالقصّة، وجعل على الانصار ثابت بن قيس، وأمره أنّ يصمد لطلحة، وهو يومئذ ببزاخة.

وقال البلنسي (ت: 734ه‍‍) في الاكتفاء ما ملخّصه:

لمّا توفّي رسول اللّه (ص) واستخلف أبو بكر وكفر من العرب من كفروا ومنعوا الصدقة وقال قائلهم:

أطعنا رسول اللّه ما عاش بيننا

                                  فيالعباد اللّه ما لابي بكر

أيورثها بكرا إذا مات بعده

                                  ‌فتلك وبيت اللّه قاصمة الظهر

وقال بعضهم:

نؤمن باللّه ونشهد أنّ محمدا رسول اللّه (ص) ونصلّي ولكن لا نعطيكم أموالنا. فأبى أبو بكر إلاّ قتلهم.

فقال له عمر:

إنّما شحّت العرب على أموالها وأنت لا تصنع بتفريق العرب عنك شيئا، فلو تركت للناس صدقة هذه السنة.

وقال:

وكيف تقاتل الناس وقد قال رسول اللّه (ص) أُمرت أنّ أقاتل الناس حتّى يقولوا: لا إله إلا اللّه؟

فقال أبو بكر:

واللّه لو منعوني عقالا كانوا يؤدَّونه إلى رسول اللّه لقاتلتهم على منعه. وقدم المدينة عيينة بن حصن الفزاري (17) والاقرع بن حابس(18) في رجال معهم وقالوا للمهاجرين: ارتدّ من وراءنا وليس في أنفسهم أنّ يؤدوا إليكم من أموالهم ما كانوا يؤدّونه إلى رسول اللّه (ص)، فإن تجعلوا لنا جعلا نرجع فنكفيكم مَن وراءنا.

فقال أبو بكر:

واللّه لو منعوني عقالا رأيت أنّ أجاهدهم عليه حتّى آخذه.

وقال في شأن عيينة وأصحابه:

لو رأوا ذباب السيف لعادوا إلى ما خرجوا منه، أو أفناهم السيف فإلى النار قتلاهم، على حقّ منعوه، وكفر.

فقالوا له: رأينا لرأيك تبع، فأمر أبو بكر بالتجهّز.

وقال البلنسي في تعداد من تمسّك بالاسلام بين المسجدين: أسلم غفار وجهينة ومزينة وكعب وثقيف. قال: وأقامت طيّ كلّها على الاسلام وهذيل وأهل السراة(19) وبجيلة وخثعم ومن قارب تهامة من هوازن ونصر وجشم وسعد بن بكر وعبد القيس ، وقال: لم يرجع رجل واحد من أوس ولا من أهل السراة كلّها ولا من تجيب ولا من الابناء بصنعاء، ولمّا جاءهم نبأ وفاة الرسول شقّ نساء الابناء الجيوب وضربن الخدود وشقّت المرزبانة درعها من بين يديها وخلفها.

وشرح البلنسي كيفية أرتداد من ارتدّ ومن بقي على إسلامه في ما روى وقال:

وقد كان رسول اللّه (ص) لمّا حدر من الحجّ سنة 10 ه‍‍  وأقام بالمدينة حتّى رأى هلال محرّم سنة 11ه‍‍ بعث المصدقين في العرب فبعث على عجز هوازن؛ عكرمة، وحامية بن سبيع الاسدي؛ على صدقات قومه، وعلى بني كلاب؛ الضحّاك بن سفيان، وعلى أسد وطيّ؛ عدّي بن حاتم، وعلى بني يربوع مالك بن نويرة، وعلى بني دارم وحنظلة؛ الاقرع بن حابس، وبعث كلاّ ً من الزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم المنقري على صدقات قومهما (20).

فلمَّا بلغتهم وفاة النبيّ (ص) اختلفوا فمنهم من رجع ومنهم من أدى الصدقة إلى أبي بكر، وكان الّذين فرّقوا الصدقة بين قومهم مالك بن نويرة وقيس بن عاصم والاقرع بن حابس من تميم، ودفعها الزّبرقان إلى أبي بكر. أمّا بنو كلاب فتربصوا ولم يمنعوا منعا بيّنا ولم يعطفوا وكانوا بين ذلك.

وبعث على فزارة نوفل بن معاوية الديلي فلقيه خارجة بن حصن  بالشربّةومعه الفرائض وقال له: أما ترضى أنّ تغنم نفسك فهرب منه نوفل ورجع إلى أبي بكر بسوطه فردّها خارجة على أربابها (21).

وبعث على بني سليم عرباض بن سارية فلمَّا بلغتهم وفاة النبيّ أبوا أنّ يعطوه شيئا واسترجعوا منه ما كان جمع. فانصرف من عندهم بسوطه (22).

وبعث كعب بن مالك الانصاري إلى أسلم وغفار ومزينة وجهينة ومنازلهم غربي المدينة فسلّموا إليه صدقاتهم بعد وفاة النبيّ فاستعان بها أبو بكر على قتال أهل الردة (23).

وكذلك فعل بنو كعب مع مصدّقهم بسر بن سفيان الكعبي (24).

واجتمع عند عدي ثلاثمائة بعير من صدقات قومه فطلبت طي أنّ يمنع الصدقة فأبى ودفعها إلى أبي بكر فأعطاه ثلاثين بعيرا فاستعان أبو بكر بهذه الصدقات وتجهز لقتال من أمتنع من أداء الزكاة كما وصفه البلنسي وقال:

خرج أبو بكر من المدينة في مائة من المهاجرين والانصار يحمل لواءه خالد بن الوليد، ووكل بالناس محمد بن مسلمة يستحثّهم وسار حتّى نزل ببقعاء (وهو ذو القصّة) عند غروب الشمس فصلّى بها المغرب وأمر بنار عظيمة فأوقدت، وأقبل خارجة بن حصن بن حذيفة في خيل من بني قومه فزارة يريد أنّ يخذل الناس عن الخروج من المدينة أو يصيب غرّة فأغار على أبي بكر ومن معه وهم غافلون فاقتتلوا شيئا من قتال. وتحيّز المسلمون ولاذ أبو بكر بشجرة، فأوفى طلحة على شرف فصاح بأعلى صوته: لا بأس! هذه الخيل! فتراجع الناس وجاء الامداد وتلاحق المسلمون فانكشف خارجة وأصحابه وتبعه طلحة ومن خفّ معه فأدرك أخريات أصحابه فحمل على رجل منهم بالرمح وقتله وهرب من بقي. فأقام أبو بكر أيّاما وبعث إلى من كان حوله من أسلم وغفار ومزينة وأشجع وجهينة وكعب يأمرهم بالجهاد، فقدم إليه من جهينة أربعمائة معهم الظهر  والخيل، وساق عمرو بن مرّة الجهنّي مائة بعير فوزَّعها أبو بكر في الناس وتحبّب إليهم الناس فأراد أنّ يولّي على الناس زيد بن الخطّاب فأبى وأبى أبو حذيفة ومولاه سالم من ذلك فأمَّر خالد ابن الوليد على الناس وأخبرهم أنّه سيلقاهم بخير مكيدة. وعهد إليه وكتب معه هذا الكتاب:

هذا ما عهد به أبو بكر خليفة رسول اللّه (ص) إلى خالد بن الوليد حين بعثه في من بعثه من المهاجرين والانصار ومن معهم لقتال من رجع عن الاسلام بعد رسول اللّه (ص) عهد إليه.

((قال: ويروي أنّ أبا بكر (رض) كتب مع هذا الكتاب كتابا آخر إلى عامة الناس)).

وأمر خالدا أنّ يقرأه عليهم في كل مجمع وهو:

من أبي بكر خليفة رسول اللّه (ص) إلى من بلغه كتابي هذا عامّة أو خاصّة تاما على إسلامه أو راجعا عنه.

إلى قوله: وإني قد بعثت خالد بن الوليد في جيش من المهاجرين الاوّلين من قريش وغيرهم.

إنتهى بإيجاز من الاكتفاء للبلنسي (25).


 

14  ثابت بن قيس الخزرجي، وأمه امرأة من طي، وكان خطيب النبيّ والانصار، شهد اُحدا، وما بعدها، وقتل يوم اليمامة، وقتل أولاده محمد، ويحيى، وعبداللّه، يوم الحرة ـ أُسد الغابة (1 / 229).

15  خارجة أخو عيينة بن حصن، يقال: إنّه وفد على النبيّ، وشكا الجدب، فدعا لهم الرسول، وأسلم، ورجع إلى قومه.

روى الواقدي أنّه كان ممن منع صدقة قومه، وأنّه لقي نوفل بن معاوية الديلي واستعاد الصدقة منه وأعادها على قومه، وقدم على أبي بكر حين فرغ خالد من قتال بني أسد، فقال أبو بكر: اختاروا سلما مخزية، أو حربا مجلية. وفسر له أبو بكر السلم المخزية فقال: رضيت (الاصابة 1 / 399) رقم 2133.

16  رجحت هذه الرواية عندي على رواية الطبري (1 / 1870) عن ابن إسحاق وغيره . التي قالوا فيها : إن أبا بكر (استترا بأجمة) يومذاك ، لانّ طبيعة تلك الاراضي لا تتناسب وتكوُّن أجمة فيها .

17  أبو مالك عيينة الغطفاني الفزاري أسلم قبل الفتح أو بعده وكان من الاعراب الجفاة من المؤلفة قلوبهم. تزوّج عثمان بن عفّان ابنته أم البنين. توفي في أواخر خلافته ـ أُسد الغابة (4 / 166) الاصابة (3 / 54 ـ 55).

18 والاقرع بن حابس كان من فرسان تميم وأشرافهم ومن المؤلفة قلوبهم. أسلم قبل الفتح وشهد حنيناً مع النبيّ واليمامة مع خالد وأصيب بجوزجان عام 32 وهو أمير الغزاة ـ ترجمته بالاصابة وفتح جوزجان مع فتوح البلدان.

19  السراة: الارض الحاجزة بين تهامة واليمن ولها سعة، والجبال المطَّلة على تهامة ممّا يلي اليمن أوّلها لهذيل وهي تلي السهل من تهامة، ثمَّ بجيلة وهي السراة الوسطى وقد شركتهم ثقيف في ناحية منها ثمَّ سراة الازد، وأزد شنوءة، تهامة أرض منخفضة ساحلية بين اليمن ومكة ـ معجم البلدان.

20  شرح ألفاظ الحديث: عجز هوازن: جشم وسد بني بكر ونصر بن معاوية وثقيف ويقال هم أيضا عليا هوازن، أنساب الاشراف ـ مخطوطة الاستانة. والمزهر للسيوطي ط. مصر سنة 1325 ه‍ (1 / 127).

وعكرمة هرب بعد الفتح إلى اليمن ثمّ أسلم وبعثه أبو بكر إلى عمان واليمن واشترك في الحروب الموسومة بالرّدة ثمّ وجّهه إلى الشام فقتل في فتوحها سنة 13. ترجمته في الاستيعاب والاصابة (1 / 301).

وأبو سعيد: الضحّاك بن سفيان العامري الكلابي ولاّه الرسول على قومه. ترجمته بأسد الغابة. وعدي كان نصرانيا وأسلم عام 9 ه‍ وشهد اليمامة والعراق وحضر مع الامام عليّ الجمل وصفين. مات بالكوفة أيّام المختار سنة 67ه‍ وهو ابن مائة وعشرين. ترجمته بالاستيعاب وأُسد الغابة والاصابة.

والزبرقان: البدر سمّي به لجماله كان من سادات تميم. أسلم سنة 9 ه‍ وبقي على صدقات قومه حتّى نهاية خلافة عمر وتوفي في خلافة معاوية ـ ترجمته في الاصابة.

وقيس بن عاصم كان في وفد تميم وأسلم سنة 9 ه‍ وكان عاقلا حليما. ترجمته في الاصابة.

21  نوفل اسلم قبل الفتح وشهد الفتح ونزل المدينة وتوفي بها في خلافة يزيد. ترجمته بأسد الغابة.

وخارجة أخو عيينة من سادات فزارة وفد على النبيّ وأسلم ـ ترجمته بأسد الغابة والشربّة: مكان بوادي الرّمة بين السليلة والربذة.

22  أبو نجيح عرباض بن سارية السلمي توفي سنة خمس وسبعين أو في فتنة ابن الزبير ترجمته بأسد الغابة.

23  كعب بن مالك الخزرجي السلمي، شهد العقبة وتخلّف عن بدر وتبوك قيل كان عثمانيا، توفي على عهد الامام عليّ أو معاوية ـ ترجمته بأسد الغابة.

24  بسر بن سفيان كان شريفا في قومه كتب إليه الرسول يدعوه إلى الاسلام. ترجمته بأسد الغابة.

25  راجع تاريخ الردة (1 ـ 28).