أبرق الربذة:

في رواية الطبري عن سيف، عن سهل بن يوسف أنَّ قبائل ثعلبة بن سعد، ومن يليهم من مرَّة، وعبس (7) تجمّعت بالابرق من الرّبذة، واجتمع إليهم ناس من بني كنانة فلم تحملهم البلاد، فافترقوا فرقتين، أقامت فرقة بالابرق، وسارت الاخرى إلى ذي القصّة، وأمدَّهم طليحة الاسدي بأخيه حبال، فكان عليهم وعلى من معهم من القبائل: الدئل، وليث، ومدلج؛ وكان على قبيلة مرَّة بالابرق عوف بن فلان بن سنان، وعلى ثعلبة وعبس؛ الحارث بن فلان أحد بني سبيع، فبعثوا وفودا إلى المدينة، فنزلوا على وجوه النّاس ما عدا عبّاسا، فتحملوا بهم على أبي بكر يبذلون الصّلاة، ويمنعون الزَّكاة، فقال أبو بكر: واللّه لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه(8) وكان عُقُلُ الصدقة على أهل الصَّدَقَةِ مع الصَّدَقَةِ فردّهم، فرجع وفد من يلي المدينة من المرتدَّة إلى عشائرهم، وأخبروهم بقلّة من في المدينة، وأطمعوهم فيها، وجعل أبو بكر ـ بعد مسير الوفد ـ على أنقاب المدينة عليّا، وطلحة، والزبير، وابن مسعود، وألزم أهل المدينة بحضور المسجد، وقال لهم: إنَّ الارض كافرة، وقد رأى وفدهم منكم قلّة، وأدناهم منكم على بريد (9)، وأبينا عليهم ما طلبوا، ولا ندري أيأتونا ليلا أم نهارا، فاستعدّوا؛ فما لبثوا إلاثلاثا حتّى أغاروا على المدينة ليلا، وخلّفوا بعضهم بذي حسى ليكونوا لهم ردءا، فوافوا الانقاب وعليها المقاتلة، فمنعوهم وارسلوا إلى أبي بكر بالخبر، فأرسل إليهم ابو بكر أنِ الزموا مكانكم، وخرج في أهل المسجد على النواضخ، فردّوا العدوّ حتّى بلغوا حسى، فخرج عليهم الرّدْء بأنحأ قد نفخوها، وجعلوا فيها الحبال، فدهدهوها في وجوه الا بل، فنفرت إبل المسلمين، وهم عليها لا يملكونها، ورجعت بهم حتّى أدخلتهم المدينة، ولم يصب أحد فقال الخطّيل بن أوس:

فدىً لبني ذبيان رحلي وناقتي‌  

                            عشيّة يحدي بالِرّماح أبو بكر    

                                                    الابيات(10)

 قال: وظنّوا بالمسلمين الوهن، وبعثوا إلى ذي القصّة بالخبر، وكان بها من العشائر المرتدّة بنو ذبيان، وأسد فقدموا عليهم، وبات أبو بكر ليلته يعّبِئ الناس، وخرج على تعبية آخر اللّيل، على ميمنته النعمان بن مقرن، وعلى ميسرته عبداللّه بن مقرن، وعلى أهل الساقة سويد بن مقرن، معه الركائب، فما طلع الفجر إلاّوهم والعدّو على صعيد واحد، فما شعروا بالمسلمين حتّى وضعوا فيهم السيوف، فاقتتلوا أعجاز ليلتهم، فما ذرّ قرن الشمس حتّى ولّوهم الادبار، وغلبوهم على عامّة ظهرهم، وقتل حبال (11) واتّبعهم أبو بكر حتّى نزل بذي القصّة، وكان أوَّل الفتح، ووضع بها النعمان بن مقرن في عدد، ورجع إلى المدينة، فذلّ لها المشركون.

ووثب بنو عبس، وذبيان على من فيهم من المسلمين، فقتلوهم كل قتلة، وفعل من وراءهم من العشائر مثل فعلهم، فحلف أبو بكر ليقتلنَّ في المشركين كلَّ قتلة، وليقتلنَّ في كلّ قبيلة بمن قتلوا من المسلمين وزيادة، وقال في ذلك زياد بن حنظلة:

غادة سعى أبو بكر إليهم‌

                      كما يسعى لموتته جلال (12)

أراح على نواهقها عليّا

                      ومهج لهنَّ مهجته حبال

وقال أيضا:

أقمنا لهم عرض الشمال فكبكبُوا... الابيات.

ولم يصنع ـ أبو بكر ـ إلا ما قال، فازداد لها المسلمون ثباتا، والمشركون في كلّ قبيلة انعكاسا من أمرهم ـ إلى قوله ـ: ثمَّ خرج من خرج إلى ذي القصّة مع الَّذين كانوا على الانقاب فقال له المسلمون: ننشدك اللّه يا خليفة رسول اللّه أنّ تعرض نفسك فإنّك إن تُصب لم يكن للمسلمين نظام، ومقامك أشدّ على العدو، فابعث رجلا فإنّ أُصيب أمَّرت آخر، فقال: لا واللّه لا أفعل، ولاُواسينَّكم

بنفسي، فخرج في تعبيته إلى ذي حسى وذي القصّة، والنعمان، وعبداللّه، وسويد على ما كانوا عليه حتّى نزل على أهل الربذة بالابرق، فاقتتلوا، فهزم اللّه الحارث وعوفا، وأخذ الحطيئة أسيرا، فطارت بنو عبس وبنو بكر، وأقام أبو بكر أياما، وغلب على بني ذبيان وبلادهم، وقال: حرام على بني ذبيان أنّ يتملَّكوا هذه البلاد إذ غنّمَناها اللّه، وحمى الابرق لخيول المسلمين، وأرعى النّاس سائر بلاد الربذة.

وقال في يوم الابارق زياد بن حنظلة:

              ويوم بالابارق قد شهدنا ـ الابيات

إلى آخر الحديث.

*          *          *

أوردنا في ما سبق موجزا ممّا رواه الطبري عن سيف في خبر أبرق الربذة وما يتّصل بها من وقائع، ولم يصحّ منها شي‌ء إطلاقا، ولكنّها انتشرت في كتب التاريخ الاسلامي زهاء اثني عشر قرنا، فقد اختلق أخبارها سيف في أوائل القرن الثاني الهجري ونقل عنه الطبري ـ في تاريخه، ونقل عن تاريخ الطبري المؤرخون بعده كابن الاثير، وابن كثير ، وابن خلدون في تواريخهم.

كما أخذ الحموي عن سيف ترجمة أبرق الربذة في معجم البلدان، وأخذ عنه صاحب مراصد الاطلاع، وهكذا انتشر خبر أبرق الربذة في مصادر التاريخ الاسلامي حتّى اليوم!!!

*          *          *

ويتّصل بالخبر السابق خبر آخر في حروب الردّة، رواه ـ أيضا ـ الطبري عن سيف، عن سهل بن يوسف: أن أُسامة لمّا قدم، واستراح جنده، وجاءت صدقات كثيرة تفضل عنهم، خرج أبو بكر إلى ذي القصّة، وقطع البعوث، وعقد الالوية، فعقد أحد عشر لواء:

1 ـ لخالد بن الوليد، وأمره بطليحة بن خويلد، فإذا فرغ سار إلى مالك بن نويرة بالبطاح إنّ أقام له.

2 ـ ولعكرمة بن أبي جهل، وأمره بمسيلمة.

3 ـ وللمهاجر بن أبي أُميّة، وأمره بجنود العنسي، ومعونة الابناء على قيس بن المكشوح ومن أعانه من أهل اليمن، ثمَّ يمضي إلى كندة بحضر موت.

4 ـ ولخالد بن سعيد بن العاص ـ وكان قد ترك عمله في اليمن تقيّة منهم ـ‍ وبعثه إلى الحمقتين من مشارف الشام.

5 ـ ولعمرو بن العاص إلى جُمّاع قضاعة، ووديعة، والحارث.

6 ـ ولحذيفة بن محصن الغلفاني، وأمره بأهل دبا.

7 ـ ولعرفجة بن هرثمة، وأمره بمهرة، وأمر حذيفة وعرفجة أنّ يجتمعا وكلُّ واحد منهما في عمله على صاحبه.

8 ـ وبعث شرحبيل بن حسنة في أثر عكرمة بن أبي جهل، وقال: اذا فرغ من اليمامة، فالحق بقضاعة وأنت على خيلك تقاتل أهل الردّة.

9 ـ وعقد لمعن بن حاجز ـ ويقال لطريفة بن حاجز ـ وأمر ببني سليم ومن معهم من هوازن.

10 ـ ولسويد بن مقرن، وأمره بتهامة اليمن.

11 ـ وللعلاء بن الحضرمي ، وأمره بالبحرين.

ففصلت الامراء من ذي القصّة، وقد عهد إليهم عهده. وكتب ـ أيضا ـ‍ إلى جميع القبائل المرتدّة الّتي وجّه إليها الجيوش.

وأتمّ سيف هذا الخبر في رواية أُخرى جاءت بعدها، رواها عن عبداللّه بن سعيد، قال: فكانت الكتب إلى قبائل العرب المرتدّة كتابا واحدا كما يلي:

 

بسم اللّه الرحمن الرحيم

من أبي بكر خليفة رسول اللّه (ص) إلى من بلغه كتابي هذا من عامّة وخاصّة، أقام على إسلامه أو رجع عنه، سلام على من أتبع الهدى... إلى تمام صفحتين ثمَّ قال:

وإنّي بعثت إليكم فلانا في جيش من المهاجرين والانصار، والتابعين

بإحسان(13)، وأمرته أنّ لا يقاتل أحدا ولا يقتله حتّى يدعوه إلى داعية اللّه، فمن استجاب له وأقّر وكفّ وعمل صالحا؛ قبل منه وأعانه عليه، ومن أبى أمرته أنّ يقاتله على ذلك، ثمَّ لا يبقي على أحد منهم قدر عليه، وأنّ يحرقهم بالنّار ويقتلهم كلَّ قتلة، وأنّ يسبي النساء والذراري، ولا يقبل من أحد إلا الاسلام... إلى آخر الكتاب.

ثمَّ قال سيف ((فنفذت الرسل بالكتب أمام الجنود، وخرجت الامراء

ومعهم العهود:

بسم اللّه الرحمن الرحيم: هذا عهد من أبي بكر خليفة رسول اللّه لفلان حين بعثه في من بعثه لقتال من رجع عن الاسلام، وعهد إليه أنّ يتقي اللّه ما استطاع، وأمره بالجدّ في أمر اللّه، ومجاهدة من تولّى عنه ورجع عن الاسلام، فيدعوهم بداعية الاسلام، ومن لم يجب داعية اللّه؛ قتل وقوتل حيث كان وحيث بلغ، مراغمة لا يقبل من أحد شيئا أعطاه إلاّ الاسلام، فمن أجابه وأقرّ؛ قبل منه، وعلّمه، ومن أبى قاتله، فإنّ أظهره اللّه عليه قتل منهم كلَّ قتلة بالسلاح والنيران...)) إلى آخر الكتاب.

كان ما أوردناه خلاصة ممّا روى الطبري عن سيف في خبر خروج أبي بكر إلى ذي القصّة وتأميره الامراء لحروب الردَّة.

وأخذ من الطبري كلُّ من ابن الاثير، وابن كثير، وابن خلدون وغيرهم؛ ما ذكروا من هذه الاخبار في تواريخهم.

وأخذ من سيف ـ أيضا ـ ياقوت الحموي؛ ما ذكره بترجمة الحمقتين من معجم البلدان قال: ((الحمقتان، قال سيف: عقد أبو بكر (رض) لخالد بن سعيد بن العاص ـ وكان قدم من اليمن، وترك عمله ـ وبعثه إلى الحمقتين من مشارف الشام)).

وأخذ منه صاحب مراصد الاطلاع ما ذكر بترجمة الحمقتين.

ونقل مؤلفو الاستيعاب، وأُسد الغابة، والاصابة بترجمة حذيفة بن محصن، وعرفجة بن هرثمة ما يخصّهما من هذه الرواية.

وهكذا تنتشر روايات سيف وتمتدّ أغصانها إلى مصادر الدراسات الاسلامية!!!


 

قصد بهم قبائل قيس عيلان العدنانيين ذكر نسبهم في جمهرة ابن حزم (ص: 233 - 240).

ذكر سيف في رواية اخرى له قبلها في الطبري خبر ارتداد عيينة، وغطفان، ومن ارتد من طي، قال: ((قدمت عليه وفود أسد، وغطفان، وهوازن، وطي، وقضاعة، واجتمعوا بالمدينة، فنزلوا على المسلمين لعاشرة من متوفّى رسول اللّه (ص)، يعرضون الصلاة على أن يعفوا من الزكاة، واجتمع ملا مَنْ أنْزَلَهُمْ على قبول ذلك حتى يبلغوا ما يريدون، فلم يبق من وجوه المسلمين أحد إلاّ أنزل منهم نازلا إلاّ العباس، ثمّ أتوا أبا بكر، فأخبروه خبرهم، وما أجمع عليه ملاهم، فأبى أبو بكر إلاّ أن يأخذ ما كان رسول اللّه يأخذ، وأبوا فردّهم، وأجّلهم يوما وليلة، فتطايروا إلى عشائرهم)).

البريد: إنثنا عشر ميلا من المسافة.

10  الِرّدْء، العون. وأنحأ جمع نحي: الزق. والنواضح جمع الناضحة: ناقة يستقى عليها، والاَنقاب، الطرق في الجبل، وأراد بها هنا الطرق المؤدية إلى المدينة و(ذا حسى) لم أجد ترجمتها. وذو القصة منزل كان على طريق الربذة، ويبعد عن المدينة اثنى عشر ميلا.

11  لم يقتل حبال هنا، وإنّما قتله عكاشة وثابت يوم بعثهما خالد طليعة في حرب بزاخة راجع في ما يأتي:

موقف طي في غير روايات سيف.

12  الجلال: البعير العظيم.

13  التابعون: يقال لمن أدرك الصحابة وأصله ما ورد في القرآن الكريم (والتابعون بإحسان) واشتهر هذا الوصف بعد عصر الصحابة.