2 ـ جوابنا إليه من الكاظمية ـ
العراق، جاء فيه:
تلقيت كتابك المؤرخ 24 / 1 / 1957
وسرني ما فيه من نقد ومناقشة لكتابي (عبداللّه بن سبأ) وذلك لما في النقد النزيه من
تنبيه للكاتب إلى ما غفل عنه وتوجيه له إلى ما فيه إكمال البحث وإتمام الفائدة،
وأنت في نقدك الكتاب تشاركني فيما أبذله من جهد وتشركني في مطالعاتك وأتعابك فشكراً
لك من عالم يؤدي واجبه تجاه أخيه.
وأما ما تفضلت به من إبداء
الملاحظات فقد سألت أولاً:
هل تكفي إدانة أهل الحديث لسيف
بأنّه ضعيف متروك لتحملنا على رفض روايته التاريخية وأهل الحديث يجرحون الشخص
بتهمة القول بالقدر مثلاً؟
فأقول: لا، فإنّا لا نأخذ جل أقوال
أهل الحديث في الجرح ولا نرفضها جملة، وإنما ننظر في تجريحهم فإن وجدناهم يجرحون
شخصاً ما مثلاً دون أن يذكروا سبباً لذلك توقفنا عن الاخذ برأيهم، وإذا رأيناهم
يصرّحون بعلّة التجريح نظرنا إلى ما ذكروا من علة، فإن وجدناهم يقولون فيه:
((مُرجِئٌ، يُترَكُ حديثُهُ)) ((شيعيُّ، متَّهمٌ
بالرفض))، ((ضعيف؛ لقوله بخلق
القرآن))، ((متروك لترويجه أقوال الفلاسفة)) فهناك لا نأبه بما ذكروا من أمثال هذا
التجريح.
وأما إذا ما وجدناهم يقولون في
التجريح أمثال قولهم: ((وضاع)) ((مَدلّس)) ((كان يضع الحديث وينسبه إلى مجهولين))
وما أشبه ذلك، ولم يكن الجارح والمجروح متعاصرين متنافسين، ولا مختلفين في المذهب
كالاشعري والمعتزلي مثلاً فليس لنا أن نترك قولهم هذا بحجة اختلافنا وإياهم في
غيرها من علل التجريح. وعلى هذا ذكرت أقوال أهل الحديث في سيف فإنّهم قالوا فيه:
((كان يضع الحديث)) ((يروي الموضوعات عن الاثبات))... الخ، وكان القائلون فيه بذلك
من شتى طبقات أهل الحديث في القرون التي جاءت بعده. على أني لم أكتف بقول أهل
الحديث فيه فحسب وإنّما قمت بمقارنات تفصيلية لاحاديثه انتهيت فيها إلى تصديق أقوال
أهل الحديث فيه.
ثم تفضلت في ملاحظتك الثانية فقلت:
هل من الممكن أن يكون سيف قد اختلق كل هذا؟
فأقول: وما المانع منه وأنت نفسك
تقول ذلك في جُرجِي زَيدان وقِصصه، والحَرِيري ومقاماته، وواضعي قصص عنترة وألف
ليلة وليلة، وكليلة ودمنة، إلى غيرها من آلاف القصص الادبية والحكمية مما أبدع فيها
القصّاصون والاُدباء في كل لسان، وخلقوا من خيالهم الخصب شخصيات وأبطالاً لا وجود
لها. وما المانع من أن يكون سيف كأحد هؤلاء؟ ولا غرابة في ذلك، وإنما الغرابة في
اعتماد بعض المؤرخين على قصص سيف
وترك غيرها من الروايات الصحيحة. على أنه لا غرابة في ذلك أيضاً بعد أن عرفنا دافعه
إلى ذلك.
وذكرت ثالثاً ما ملخصه أنّ سيفاً
يؤرخ أحداثاً على وجه التفصيل
والبلاذري على وجه الاجمال، وشأنه
في ذلك شأن فتوح مصر لابن عبد الحكم بالمقارنة إلى فتوح البلدان للبلاذري، والاول
مخصص والثاني عام، والمخصص الذي يفصّل يتعرض لذكر أسماء مغمورة فكيف يحمل عمل هذا
على عمل ذاك؟
فأقول: وكيف يجوز قياس فتوح سيف
بفتوح ابن عبد الحكم مع وجود الفارق البعيد بينهما؟ فبينما نرى أولاً أن علماء
الحديث وصفوا ابن عبد الحكم بقولهم لا بأس به، صدوق، ثقة، عالم بالتواريخ، إلى
أمثال ذلك ولم يطعن فيه أحد، نجدهم يطعنون في سيف ورواياته وممن طعن فيه: ابن معين،
وأبو حاتم، وأبو داود
والدارقطني، وابن عَدي، وابن حبان،
والبرقاني، وابن عبد البرّ، والذهبي، وابن حجر، والسيوطي، والفيروزآبادي، والزبيدي.
وثانياً: نرى البون في كتابيهما
شاسعاً، أما فتوح مصر فقد أرخ ابن عبد الحكم فيه ما يخص مصر قبل الاسلام وبعده. ولا
يحاسب مؤرخو المسلمين عما دونوه من تواريخ قبل الاسلام لانهم قد مُنوا بها من غيرهم
وأغلب مصادرهم في ذلك إسرائيلي، وإنما يحاسبون عما كتبوا فيما يخصهم من تاريخ
الاسلام، وهناك ينقسمون شيعاً، فمنهم من يتحرى الحقائق فيما يكتب، ومنهم من ينجرف
مع عاطفته فيزيد وينقص ويبدل، ومنهم من لا يفعل ذلك ولكنه يتحرى الاخبار التي تلائم
هواه فإذا وجدها عند من زيّد ونقّص وغيّر وبدّل رواها عنه تعمداً، ومنهم من يروي عن
هؤلاء غفلة. وابن عبد الحكم إذا ما حاسبناه على ما دوّنه من التاريخ الاسلامي وجدنا
علماء الحديث صادقين في حقه، فإنّه ممّن تحرّى
الحقائق فيما سجله عن تاريخ مصر
الاسلامي، وإذا ما قارنّاه بفتوح البلاذري وجدنا الفارق بينهما التفصيل والاجمال
كما ذكرت وليس كذلك شأن سيف، وما أخذناه عليه في ـ عبداللّه بن سبأ ـ نوعان:
منها ما حرفه وقلّبه كذكره عن عليّ
بأنه كان في بيته إذ أُتي فاُخبر بأن أبا ببكر جلس للبيعة فخرج في قميص ما عليه
إزار ولا رداء عجلاً كراهية أن يُبْطئ عنها حتى بايعه، ثم جلس وبعث إلى ثوبه فأُتي
به فتجلّله ولزم مجلسه.
بينا نرى الطبري نفسه يروي بعد ذلك
أن علياً بقي ستة أشهر هو وبنو هاشم لم يبايعوا حتى توفيت فاطمة(24) ونرى الرواية
بذلك في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما من الكتب عدا من أورد رواية سيف. وكذلك شأن ما
ذكره في بيعة سعد بن عبادة(25)، وكذلك شأن ما قاله في تخلّف خالد بن سعيد الاموي عن
البيعة(26)، وكذلك ذكره اُمّ زمل بدلاً من اُمّ المؤمنين في قصة نباح كلاب
الحوأب(27)
وكذلك ما ذكره عن قصة زنا المغيرة
بن شعبة(28)، في كل هذا يورد الطبري رواية غير سيف، كما يورد فيها رواية سيف الّذي
ذكر الواقعة محرفة.
والنوع الثاني مما أخذناه عليه هي
القصص التي دسّها سيف في التاريخ الاسلامي ولم يكن لها وجود قبل أن يضعها سيف، أو
أنه زاد فيها إلى حد بعيد.
ومن ذلك ما ذكره في قصة العلاء بن
الحضرمي من فيض الدهناء له ماء وعبور جيشه على الصاهل والحامل والشاحج والناهق،
الراكب والراجل بحراً مسافة يوم وليلة في سفن البحر يجتازون على مثل رملة ميثاء
فوقها ماء يغمر أخفاف الابل، وما ذكر فيها تبعاً لذلك من إسلام الراهب الهَجَري إلى
بشارة أبي بكر للصحابة بذلك(29).
ومنها تكليم الابقار يوم الاباقر
عاصم بن عمرو من جيش سعد(30). ومنها يوم الجراثيم قال فيه: أنهم عبروا دجلة ما يزال
فرس يستوي قائماً إذا أعيى ينشز له تلعة فيستريح عليها كأنه على الارض(31).
ومنها ما ذكره عن الاخوين القعقاع
وعاصم(32)، ومنها قصة الصحابي الجني عثيم(33) ومنها تكلّم أطلال فرس بكير عندما قال
لها: ثبي أطلال فقالت: وثباً وسورة البقرة(34) إلى غير ذلك.
ومن الّتي زاد فيها إلى حد بعيد ما
ذكره عن قتل جيوش المسلمين مئات الاُلوف من الاعداء. وقد ذكر أن خالداً قتل منهم
صبراً ثلاثة أيام بلياليها لانه كان آلى أن يجري نهرهم بدمائهم(35) إلى غير هذه
التهويلات الّتي اخترعها سيف لغرض في نفسه. فأي هذين النوعين نصدّق سيفاً فيما
ذكره؟ أفي الذي حرّف فيه الواقعة دفاعاً عن الشخصيات الكبرى؟ مع أن الطبري نفسه حكى
عن رواة آخرين ما يخالف سيفاً. أم النوع الثاني من قصصه والمشابهة لخرافات العجائز؟
وهل يعدّ هذا من باب التفصيل
والاجمال، أم من باب التهويل والتحريف؟ وأين فتوح سيف من فتوح ابن الحكم المبرّأة
عن المغالاة والتهويل!!!
وأما ما ذكرت من أن المخصّص يتعرض
لذكر أسماء مغمورة مما لم يتعرض لذكرها العام.
فأقول: وهل تحسب من سمّاه سيف
بالقعقاع وعاصم ابني عمرو من المغمورين؟ وسيف يذكر أن قعقاعاً هذا كان من صحابة
الرسول وقد حدّث عنه أنه كان ممن حضر يوم السقيفة، وأمد به أبو بكر خالداً وقال
فيه: لا يهزم جيش فيه مثل هذا، فساهم في حروب خالد بالعراق، واستأثر به خالد حينما
ذهب لنجدة الغزاة بسورية. وكان سبب فتح دمشق تسلق القعقاع وصاحبه سورها، ثم رده عمر
إلى العراق لامداد سعد في حرب القادسية ففقأ عين الفيل الابيض، وانتصر المسلمون بما
فعل في الايام التي ذكرها سيف: الاغواث، وعماس، وأرماث، ووصفه سعد لعمر بأنه أفرس
المحاربين، ثم أرجعه عمر إلى الشام لامداد المسلمين في اليرموك. وبعد انتصار
المسلمين رجع إلى العراق ثالثاً واشترك في حرب نهاوند، واستطاع أن يجلب الفرس من
مدينتهم المحصنة إلى العراء. وبعد هذه الفتوحات عيّنه الخليفة عمر على الحامية في
الحدود، فكان الخليفتان أبو بكر وعمر يدفعان قعقاعاً لكل كريهة.
وأما عثمان فقد عيّنه على الحرب في
الكوفة وبقي على إمارته عليها حتى ثارت السبئية على عثمان فاجتهد في تهدئة الثورة.
فلمّا أخفق وحوصر عثمان خفّ على رأس جيش لنجدته، غير أن عثمان قتل قبل وصول
النجدات، فعاد القعقاع إلى الكوفة.
وفي عصر علي كان هو الذي استطاع أن
يوجّه أهل الكوفة إلى اللحاق بعلي في حرب الجمل، ثم نجح في سفارته للصلح بين علي
وعائشة ومن معها ـ طلحة والزبير ـ لولا إشعال السبئيين الحرب غلساً دون علم غيرهم.
ولما قامت الحرب هو الذي أنهاها بقعر جمل اُم المؤمنين وهو الذي أعلن لجيش عائشة
أنهم آمنون.
وفي عصر معاوية كان ممن نفاه
معاوية من الكوفة إلى إيليا بفلسطين لانه كان من المختصين بعلي.
وأما أخوه عاصم فقد ذكر سيف أنه
سار مع خالد في سنة 12 من اليمامة إلى العراق، وذكر له بطولات كفقء عين الفيل وندب
الخليفة عمر إياه لنجدة العلاء بفارس، وأنه الذي كلمته الابقار. ودفع إليه عمر لواء
سجستان ثم استعمله والياً على كرمان فبقي والياً عليها حتى توفي سنة 29.
وقد ذكر لكل من البطلين أشعاراً
وأقوالاً مضافاً إلى ما نسب إليهم من مكارم الافعال، أفتحسب هذين البطلين الاخوين
من صحابة الرسول ـ على حد تعبير سيف ـ من المغمورين. مع ما ذكر لهما سيف من
البطولات وتأمير الخلفاء إياهما في الحرب والسلم وما روى عنهما من الاشعار؟ وهل ذكر
لخالد بن الوليد من البطولات أكثر مما نسبه سيف إلى القعقاع؟ وكيف لا يجري ذكرهما
إلاّ في روايات سيف؟
وقد قارنت ما رواه الطبري في حوادث
سنة 11 ـ 29 ه عن سيف مع ما رواه من الرواة الاخرين في تلك المدة، وكذلك قارنت ما
رواه ابن عساكر في ج 1 و ج 2 عن سيف وغير سيف فلم أجد لهذين البطلين ذكراً عند ابن
شهاب المتوفى (124ه) وموسى بن عقبة (ت 141 ه ) وابن إسحاق (ت 152 ه ) وأبي
مخنف (ت 157 ه ) ومحمد بن السائب (ت 146 ه ) وابن هشام (ت 206 ه ) والواقدي
(ت207 ه ) والزبير بن بكار (ت 247 ه ) وغير هؤلاء الرواة ممن روى عنهم الطبري
وابن عساكر عشرات الروايات في نفس الحوادث التي ذكر سيف اسمهما فيها.
وقد اقتصرت فيما ذكرت إلى هنا على
المقارنة بين ما رواه الطبري عن سيف وغير سيف وراجعت تاريخ ابن عساكر للاستئناس،
لما فهمت من ملاحظتك الثالثة برغبتك في الاقتصار على تاريخ الطبري في المقارنة، غير
أني لا اُقرّك على ما ذهبت
إليه ـ إن كان هذا رأيك ـ .
فلماذا لا نرجع إلى طبقات ابن سعد
في خصوص القعقاع وعاصم
إلاّللاستئناس على حدّ قولك؟ أليس
ابن سعد يترجم للصحابة والتابعين والعلماء الذين سكنوا الكوفة؟ وهذان البطلان حسب
ما ذكره سيف كانا من أبطال الكوفة.
ولماذا لا نرجع (إلى الا صابة)
إلاّ للاستئناس أيضاً، وابن حجر يأخذ من فتوح سيف مباشرة؟
ولماذا لا نرجع إلى الاستيعاب
واُسد الغابة والتجريد لنقرأ تراجم الصحابة الذين استخرجوا أسماءهم من أحاديث سيف،
أليست هذه الكتب مخصصة لتراجم الصحابة؟
ولم لا نرجع إلى تاريخ ابن عساكر
وهو الموسوعة الكبرى التي يروي فيها كل ما استطاع أن يجمع من روايات سيف وغير سيف
في كل موضوع يكتب عنه؟
ولم لا نرجع إلى الرومي في (معجم
البلدان) للبحث عما يرويه عن فتوح سيف، وكانت لديه نسخة من الفتوح مصححة بخط ابن
الخاضبة، ثم نراجع غير الرومي من البلدانيّين لنقارن بينهما؟
ولماذا لا نرجع إلى غير هذه من
الكتب التي تتعلق بموضوع البحث؟ ولماذا أحصر مقارناتي برواة الطبري فقط؟ وأنا أتهم
الطبري بأنه تعمد في تركه الروايات الصحيحة، أليس هو الذي يقول بترجمته لابي ذر في
ذكر حوادث سنة 30 ه: ((وفي هذه السنة أعني سنة 30 كان ما ذكر من أمر أبي ذر
ومعاوية وإشخاص معاوية إياه من الشام إلى المدينة، وقد ذكر في سبب اشخاصه إياه منها
اُموراً كثيرة كرهت ذكر أكثرها. فأما العاذرون معاوية في ذلك فإنّهم ذكروا في ذلك
قصة كتب بها إليَّ السرّي يذكر أن شعيباً حدثه عن سيف(36)... الخ)).
وهذا هو سبب رجحان تاريخ الطبري
لدى من جاء بعد الطبري
ووثوقهم به. راجع مقدمة تاريخ ابن
الاثير عند ذكره خبر أبي ذر سنة 30 ه .
وكذلك ابن كثير في 7 / 246 من
تاريخه، وابن خلدون في آخر ذكره أمر الجمل ومن بعده في صلح الحسن لمعاوية.
هذا هو شأن الطبري ومن أخذ عنه،
فكيف أحصر مقارناتي في روايات الطبري فقط؟
وقلت رابعاً: ماذا تقول في سيف حين
تتفق روايته مع روايات اُخرى، ألا يزال في نظرك وضاعاً قصاصاً؟ إلى قولك لقد كنت
أرجو وأنت تحاكم الروايات أن تبيّن إن كان سيف يُرفض كله أو يقبل جزء من روايته.
فأقول: لا شأن لقصص سيف التاريخية
عندي أكثر من كتاب ألف ليلة وليلة عندما يورد قصصاً عن عهد الرشيد. فأنا لا أدرسها
كنص تاريخي يروي لي وقائع عصر الرشيد، وإنّما أدرسها كأدب قصصي ممتع أقتل السأم
والفراغ بقراءته، نعم قد أدرس في تلك القصص شخصية القصّاص، ومستوى أفكار معاصريه،
ومدى تطور المدنية في عصره إلى غير ذلك مما لا يمت إلى مدلول القصة وما وضع لاجله
بسبب.
وهكذا شأني في دراسة قصص سيف،
فإنّي اُدرك من اُسلوب القصة أنّ القصّاص الوضاع كان يحتاج آنذاك إلى وضع أسانيد
لقصصه ينتهي بسلسلتها إلى عصر الحادثة التى يقص عنها، ولم يكن عصره كعصر جرجي زيدان
الذي لم يكن يحتاج القصاص فيه إلى وضع سند لقصصه التاريخية.
هذا هو شأن روايات سيف عندي، وأما
إذا ما وجدت الرواية بطريق اُخرى فإنّي أنظر إلى الثانية وأبحث فيها فإما أن أقبلها
على حساب الرواة الاخرين، أو أرفضها لعلة فيها.
وذكرت خامساً: ((إني نسبت إلى سيف:
التحريف في سنيّ الحوادث التاريخية، وكلمة التحريف توحي بالتعمد، والاختلاق في سنيّ
الحوادث مما لا ينفرد به سيف)).
فأقول: إن صح أن غير سيف من الرواة
أيضاً قد يختلفون في تعيين سنيّ الحوادث التاريخية، لكن ذلك غير مطّرد لديهم
كاطراده عند سيف وحده، هذا بالاضافة إلى أنّا لم نجد عند أحدهم ما وجدناه عند سيف
من الدس والوضع والتحريف فيما يرويه من القصص التاريخية تعمداً، فعطفنا الموارد
التي قد خالف فيها سيف جميع الرواة في تعيين سنيّ الحوادث التاريخية أيضاً على
تعمده في قلب الحقائق التاريخية التي رواها.
وأما ما ذكرت من أن بعض الاختلافات
الزمنية قد يكون لها أسباب مما لا تتصل بسوء النية، فأقول: قد يستطيع حَسن الظن
بسيف أن يحمل بعض ما خالف به سيف جميع الرواة على غير سوء النية، إلاّ أنَّ هناك
موارد لا يمكن حملها على غير سوء النية مهما حاول حسن الظن به أن يفعل ذلك.
خذ مثلاً ما أورده الطبري في ذكره
حوادث سنة 12 ه ، عن فتح الاُبلّة في (4 / 5 ـ 6)(37) من تاريخه. فقد روى عن سيف
أن أبا بكر بعث خالداً إلى العراق وأمره أن يبدأ بفرج أهل السند والهند وهي يومئذ
الاُبلّة إلى قوله ما ملخّصه: ((ولقي المشركين وكانوا قد اقترنوا في السلاسل كي لا
ينهزموا وكان الماء في أيديهم وقدم خالد عليهم فنزل على غير ماء فاقتتلوا، وأرسل
اللّه سحابة فأغدرت ما وراء صف المسلمين فقوّاهم بها. وما ارتفع النهار وفي الغائط
مقترن فسمّيت ذات السلاسل. وبعث خالد بالفتح وما بقي من الاخماس وبالفيل إلى أبي
بكر فطيف به في المدينة ليراه الناس . وجعل ضعيفات النساء يقلن أمن خلق اللّه ما
نرى؟
ورأينه مصنوعاً فردّه أبو بكر مع
زرّ)).
ثم قال الطبري بعد ذلك، وهذه القصة
في أمر الاُبلّة وفتحها خلاف ما يعرفه أهل السير، وخلاف ما جاءت به الاثار الصحاح.
وإنما كان فتح الاُبلّة أيام عمر وعلى يد عتبة بن غزوان في سنة أربع عشرة من
الهجرة.
ثم أورد في ذكره حوادث سنة 14 ه
، في 4 / 148 ـ 152 من غير روايات سيف ما ملخّصه: إن عمر قال لعتبة إني استعملتك
على أرض الهند، فسار عتبة فنزل دون الاجّانة فأقام نحواً من شهر، ثم خرج إليه أهل
الاُبلّة فقاتلهم وولّوا منهزمين وخرجوا عن المدينة فدخلها المسلمون فبعث عتبة إلى
عمر بالفتح وبالاخماس.
فانظر ـ رعاك اللّه ـ إلى سيف كيف
يحرف حادثة وقعت في عصر عمر وعلى يد قائده عتبة فيجعلها في عصر أبي بكر وعلى يد
خالد بن الوليد، وإن الاختلاف ليس في ضبط سنة الحادثة فقط كي نستطيع لتحريفه
توجيهاً.
هذا مضافاً إلى أن سيفاً قد زاد في
ذكر هذه الواقعة نزول خالد وجيشه على غير ماء وإرسال اللّه إليهم سحابة تغدر ما
وراء صفهم فيقوى بها المسلمون وكأني بسيف قد أراد أن يأتي لهذا الجيش ما ذكر اللّه
لنبيّه في غزوة بدر في قوله تعالى من سورة الانفال: (وينزل عليكم من السّماء ماء
ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبّت به الاقدام)(38).
وزاد فيها أن خالداً أرسل فيلاً مع
الاخماس ليراه أهل المدينة فطيف به فجعل ضعيفات النساء يقلن: أمن خلق اللّه ما نرى؟
ورأينه مصنوعاً، ولعمر الحق إنّه مصنوع! صنعه سيف بن عمر غير أنّه لم يبرع في صنعه
هذا، ولا أدري كيف ذهب عنه أن عرب الحجاز كانوا قد شاهدوا الفيل في جيش إبرهة وسار
بوصفه الركبان في كل واد ووصفه السمّار في كل ناد، وإنّ النساء المسلمات كن يتلون
في قرآنهن: (ألم تر كيف فعل ربّك بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم في تضليل)(39).
ولا أدري لماذا وضع سيف ما وضع في
هذه القصّة!؟ هل أراد أن يضع ما ذكره اللّه لنبيّه، أم أراد أن يرفع من شأن خالد
ويذكر له من الفتوح والبطولات والكرامات مما يرأب به صدعه لما وجده ناقماً على صرفه
من العراق إلى الشام وحرمانه من فتوح فارس، أم أراد أمراً آخر غير هذا وذاك؟!!
وأما ما ذكرت سادساً من رغبتك في
تعرّضي للاسانيد التي يستعملها في روايته.
فأقول: إذا ما انتهينا في بحثنا عن
رواية سيف إلى أنه قد تفرّد في رواية ما يرويه ووجدناه ينسبها إلى أحد الرواة،
أفيجوز لنا عند ذاك أن نحمل وزر تلك الرواية على من ينسبها إليه؟
أرجو أن أسمع رأيك في هذا، فعليّ
أن آخذ به فيما يأتي من أبحاث الكتاب(40).
وأختم كتابي إليك بتقديم الشكر لك
والثناء عليك والسلام.
مرتضى العسكري
24 راجع ص 94 من عبداللّه بن سبأ روايته أنه بايع في يومه، وص 141 ـ 142 منه أنه
بقي ستة أشهر (الطبعة القديمة).
25 في ص 95 من عبداللّه بن سبأ رواية سيف، وفي ص 159 ـ 162 رواية غير سيف (الطبعة
القديمة).
26 في ص 165 من عبداللّه بن سبأ رواية سيف، وفي ص 157 رواية غير سيف (الطبعة
القديمة).
27 . في ص 213 من عبداللّه بن سبأ رواية سيف ، وفي ص 214 رواية غير سيف (الطبعة
القديمة) .
28 في ص 231 ـ 232 من عبداللّه بن سبأ رواية سيف (الطبعة القديمة).
29 عبداللّه بن سبأ ص 203 ـ 207 (الطبعة القديمة).
30 عبداللّه بن سبأ ص 255 (الطبعة القديمة).
31 عبداللّه بن سبأ ص 258 ـ 259 (الطبعة القديمة).
32 ترجمتهما في كتاب خمسون ومائة صحابي مختلق ط: 1 ، ج 1 / 67 ـ 128 و 131 ـ 158.
33 راجع المصدر السابق.
34 راجع المصدر السابق ترجمة القعقاع.
35 عبداللّه بن سبأ ص 317، وراجع فصل ((إنتشار الاسلام بالسيف)) في ج 2 منه.
36 الطبري 4 / 66.
37 ط. أوربا (1 / 2024).
38 الاية 11 من سورة الانفال.
39 الاية 1 ـ 2 من سورة الفيل.
40 لقد أخذنا برأيه في دراساتنا لحديث سيف أخيراً.