16 ـ مُلحق
* أسئلة الدكتور إحسان عبّاس
اُستاذ التاريخ
بجامعة الخُرطُوم سابقاً، وجوابنا
إليه.
1 ـ كتاب الدكتور إحسان عباس من
جامعة الخرطوم في 24 / 1 / 1957.
جاء فيه: تلقيت كتابك عبداللّه بن
سبأ ـ المدخل فسرني ما فيه من جهد صادق لمناقشة ما أسميته (أحاديث سيف بن عمر)
وخاصة في المقارنات التي أجريتها بين رواية سيف وروايات غيره من المؤرخين.
وقد أثار كتابك بعض التساؤل في
نفسي فأحببت أن أعرضه عليك.
1 ـ هل تكفي إدانة أهل الحديث لسيف
بأنّه ضعيف متروك، لتحملنا على رفض روايته التاريخية. لقد كان لاهل الحديث مقاييسهم
الخاصة في التعديل والتوثيق. أما في الاخبار فالامر لا يستدعي كلّ هذا التحرّج:
فتهمة ((القول بالقدر)) قد تجعلهم يحرّجون شخصاً ما، ويردّون حديثه. إلى غير ذلك من
تهم لا تضيرنا كثيراً حسب مقاييسنا الحديثية.
2 ـ هل من الممكن أن يكون سيف قد
اختلق كل هذا؟ أي كتب تاريخاً من خياله، إن الانسان ليتملكه العجب لتلك المخيلة
الواسعة، إن صح فرضك إذاً.
3 ـ إن سيفاً يؤرخ أحداثاً على وجه
التفصيل، والتفصيل معناه الالمام بالدقائق الكثيرة التي قد لا تجد اهتماماً عند
غيره، وفي أثناء هذه التفصيلات يعرض لاسماء مغمورة. ولاضرب لك مثلاً خذ كتاب فتوح
البلدان للبلاذري وقارنه بكتاب فتوح مصر لابن عبد الحكم، والثاني مخصص والاول عام.
هل كل ما يورده ابن عبد الحكم ـ وهو ثقة عندي وعندك ـ يرد عند البلاذري؟ كيف إذاً
نعرض عمل ابن الحكم على كتاب
البلاذري؟ وأعتقد أنَّ شأن سيف قريب من هذا. فقد كان يحاول كتابة موسوعة تفصيلية
للاحداث ولا يقتصر على ملخص عام، فهو يهتم بما يفوت غيره عمداً أو سهواً. ولست في
حل من عرض كتاب سيف على الكتب التي تهتم بالطبقات كطبقات ابن سعد، ولا على كتب
متأخرة كاُسد
الغابة والاصابة إلاّ للاستئناس
بها ولارى كيف تدور فيها رواية سيف.
ولكني أعرض على رواية أبي مخنف
مثلاً أو على رواية الاخرين من رواة الطبري، قبل كل شيء، واستكشف سبب تفرده، حين
ينفرد برواية ما، قد لا يكون الخيال هو العامل الوحيد في هذا التفرد، ولا الدفاع عن
الناس الكبار الذين لحقهم لوم من بعض الاحداث التاريخية.
4 ـ ماذا تقول في سيف حين تتفق
روايته مع روايات أُخر لرواة آخرين ألا يزال في نظرك وضاعاً قصاصاً؟ خذ مثلاً هذه
الرواية التي أظنها لم ترد عند الطبري:
((وروى سيف عن عمر(رض) عن عبد
الملك بن جريج عن نافع عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: قلت لعمر استخلف. ما تقول
لربك إذا قدمت عليه وقد تركت اُمة محمد(ص) لا راعي لها؟ فقال: إن أستخلف فقد استخلف
من هو خير منّي، وإن أترك فقد ترك من هو خير منّي... الخ)) هذا نص ما نقله ابن أبي
بكر عن سيف، وإذا رجعت إلى ابن سعد ج 3 / 1: 248 وجدت الرواية نفسها بطريق اُخرى.
لقد كنت أرجو ـ وأنت تحاكم الروايات ـ أن تبيّن إن كان سيف يُرفض كلّه أو يقبل جزء
من روايته.
5 ـ نسبت إلى سيف التحريف في سنيّ
الحوادث التاريخية ـ وكلمة تحريف توحي (بالتعمد)ـ والاختلاف في سنيّ الحوادث مما لا
ينفرد به سيف عن غيره من الرواة، ولعلك لو رجعت قليلاً إلى رواة المغازي كموسى بن
عقبة وابن شهاب الزهري والواقدي وابن إسحاق، لوجدت بينهم اختلافاً كثيراً في تعيين
سنوات المواقع الحربية والسرايا، وإذا تقدمت قليلاً في الزمن فأرجو أن تقرأ في
الطبري عن فتح دمشق ـ حسب الروايات المختلفة ـ وعن الفتوحات في ديار الشام عامة،
ولا أخالك تعتقد بعد ذلك أن سيفاً كان يعمد إلى تحريف التاريخ الزمني. خذ مثلاً
حادث طاعون عمواس. فقد قال ابن إسحاق وأبو معشر إنّه كان في سنة 18 وقال سيف إنّه
كان في سنة سبع عشرة ـ إن بعضاً من الاختلاف نشأ أوّلاً من البدء بالسنة الهجرية
فقد جعل عمر البدء بها في المحرم في حين أن هجرة الرسول تمت في عشر ربيع الاوّل،
فإذا قال المؤرخ إن الحادثة الفلانية حدثت سنة 17 وقال الاخر حدثت سنة 18 فالفرق
بينهما هو هذه الاشهر، لان بعض الرواة تمسك بتاريخ الحوادث ابتداء من هجرة الرسول.
أي لو أن حادثة ما وقعت في المحرم أو صفر لاستطاع واحد أن يقول إنها حدثت سنة 18
مثلاً واستطاع الاخر أن يقول إنها حدثت في الشهر الاخير من سنة 17 أو قبله. كما أن
بعض الاختلافات الاُخرى في التواريخ الزمنية له أسبابه التي لا تتصل بسوء النية. ثم
إذا خالف سيف غيره من الرواة في هذا فلم يكن هو مخطئاً وغيره مصيب؟ لا بدّ من
المناقشة التحليلية لكل حادثة، والاخذ بالاشدّ الاقوى.
6 ـ كنت اُحب أيضاً أن تتعرض
للاسانيد التي يستعملها سيف في نقل روايته فهل ترى فيها مغمزاً ولم؟ لعل البحث يهدي
إلى شيء جديد يقوّي رأيك.
هذا ما عنّ لي في هذه اللحظة بعد
أن انتهيت من قراءة كتابك. وأنا أرجو أن تعتبرني مستفهماً حائراً لا ناقداً
متعنّتاً، وكلنا يحب بلوغ الحقيقة فعندها يوجد الاطمئنان النفسي.
وعليك السّلام ولك منّي كل تقدير.
المخلص: إحسان عباس