15 ـ خاتمة
* سبب انتشار أحاديث سيف.
تتّبعنا أحاديث سيف في الفتوح
والرِّدَّة فوجدنا من انتشارها وإهمال غيرها من الاخبار الصّحاح أمراً عجباً، وما
ذلك إلاّ لانّ سيفاً قد وضع تلك الاحاديث كما رغب المعجبون بها أن يكون التاريخ لا
كما كان.
فقد وجد المعجبون بها من المسلمين
ما رغبوا في أن يسمعوا عن اُمراء المسلمين من طبائع ملائكيّة، وبطولات فذَّة،
وكرامات معجزة خارقة لنواميس الطبيعة كانقلاب رمل الدَّهناء لجيشهم ماء، ومأ البحار
رَمْلاً، وتكليم البقر إيّاهم وإخبارهم بمكانها،... الخ.
وقد وجدوا في تلك الاحاديث ـ لما
اُخذ على الاُمراء والوُلاة وذوي
المكانة من اُمور غير مستحسنة ـ
تعليلاً وبياناً يدفع عن اُولئك الكرام كلّ نقد.
وجدوا فيها أن علياً بادر إلى بيعة
أبي بكر عجلاً في أول يوم من البيعة ولم يتأخّر عنها حتى توفّيت فاطمة. وأن سعداً
بايع مُكرها ولم يبق ممتنعاً عنها حتى قتل في منفاه بحُوارِيْن، وأن موقف خالد بن
سعيد من البيعة لم يكن تأييداً لعليّ وإنّما كان لتمزيق عمر جُبَّته الحرير، وأن
جميع الذين قتلوا من القبائل العربية وجعلت رؤوسهم أثافي للقدور وسُبيت نساؤهم لم
يكن ذلك لامتناعهم عن البيعة، وإنّما كان ذلك من جميعهم ارتداداً عن الاسلام؛ وأنّ
صاحبة الجمل الادبب التي أخبر عنها الرسول(ص) لم تكن أُمّ المؤمنين عائشة وإنّما هي
اُم زَمْل، وأنّ المُغيرة بن شعبة لم يُرَ في بيت اُمّ جميل على اُمّ جميل وإنّما
رآه الشهود في بيته على امرأة لم يتبيّنوها وشهدوا عليه للمنافرة التي كانت بينه
وبين أحدهم، وأن أبا مِحْجَن الثَّقفي كان قد سجن لقوله في الخمر لا لشربه الخمر...
الخ.
ولعلّ بعض المستشرقين أيضاً قد
وجدوا في أحاديث سيف ما رغبوا في أن يسمعوه عن جيوش المسلمين الاولين، من إسراف في
القتل، وقَسْوَة في الحرب(22) فقد وجدوا في أحاديثه أنّ خالداً بقي ثلاثة أيام
بلياليها في بعض حروبه يضرب أعناق أسرى الحرب ومن عثر عليه من الرعايا المسالمين،
لانّه آلى أن يجري
نهرهم بدمائهم، وأنّ عدد القتلى
كان ينوف على المائة ألف في غالب حروبهم، إلى غير ذلك مما يدلُّ على أن جيوش
المسلمين كانت كجيوش هولاكو غلاظ الاكباد متوحّشة، وأن حروبهم كانت حروب إبادة
وإفناء للبشرية.
وجدوا فيها أن جميع المسلمين خارج
الحرمين ـ مكة والمدينة ـ قد ارتدّوا عن دينهم بعد النبي، وأنهم أُرجعوا إلى
الاسلام بحدّ السيف، إذاً فالاسلام قد انتشر بحد السيف وحده(23).
ووجدوا فيها أن يهودياً واحداً
اسمه (ابن سبأ) استطاع أن يندسَّ بين المسلمين ويُغوي أصحاب النبي ومن تبعهم، وأن
يدخل في عقائدهم ما ليس من دينهم، ويُثير بعضهم على بعض ويوجّههم إلى قتل الخليفة،
وهم في كل ذلك مُسَيّرون لمكر يهودي مجهول ... الخ.
لعلّ بعض المستشرقين وجدوا في
أحاديث سيف وصف المسلمين هكذا فرغبوا فيها وبنوا أبحاثهم واستنتاجاتهم عليها ولم
يبحثوا عن غيرها من الاخبار الصحاح.
* * *
تتبعنا أحاديث سيف في الفتوح
والرِّدَّة فوجدنا تأثيرها على الموسوعات العلمية التي تبحث عن صدر الاسلام عظيماً،
وقارنّا بينها وبين غيرها من الاخبار فوجدنا الرجاليين صادقين في وصفهم إياه
بالكذب، وأمّا اتهامه بالزندقة فذلك ما ندرسه في كتاب ((خمسون ومائة صحابي مختلق))
التالي لهذا الكتاب إن شاء اللّه
تعالى، مع مناقشة أحاديثه في كتابه
الاخر (الجمل ومسير عليّ وعائشة) الذي أورد فيه قصة عبداللّه بن سبأ تعليلاً لما
وقع من الفتن في عصر عثمان، ودفاعاً عن الولاة من آل اُمية أمثال معاوية وعبداللّه
بن أبي سرح، وبياناً لسبب نقمة المسلمين على بني اُمية في البلاد الاسلامية. وما
توفيقي إلاّ باللّه عليه توكلت وإليه أُنيب.
مرتضى العسكري
22 لقد فصلنا القول عن هذا في فصل (إنتشار الا سلام بالسيف في حديث سيف) في
الجز الثاني من هذا الكتاب .
23 لقد فصلنا القول عن هذا في فصل (إنتشار الاسلام بالسيف في حديث سيف) من الجزء
الثاني من هذا الكتاب.