12
ـ قُمّاذبان بن الهُرْمُزان
* حديث سيف.
* حديث غير سيف.
* مناقشة سند الحديث.
* مقارنة.
حديث سيف:
روى سيف عن أبي منصور قال:
القُمّاذبان يُحَدّث عن قتل أبيه قال: سمعت كانت العجم بالمدينة يستروح بعضها إلى
بعض، فمرَّ فَيْرُوز بأبي ومعه خنجر له رأسان فتناوله منه وقال: ما تَصنع بهذا في
هذه البلاد؟ فقال: ابُسُّ به(1). فرآه رجل، فلمّا اُصيب عمر قال: رأيت هذا مع
الهرمزان دفعه إلى فيروز، فأقبل عبيداللّه فقتله.
فلمّا ولي عثمان دعاني فأمكنني منه
ثمّ قال: يا بني هذا قاتل أبيك وأنت أولى به منّا، فاذهب فاقتله فخرجت به وما في
الارض أحد إلاّ ومعي غير أنّهم يطلبون إليَّ فيه فقلت لهم: ألي قتله؟ قالوا: نعم،
وسَبُّوا عبيداللّه، فقلت: ألكم أن تمنعوه؟ قالوا: لا! وسَبُّوه، فتركته لِلّه
ولهم، فاحتملوني فواللّه ما بلغت المنزل إلاّ على رؤوس الرجال وأكفّهم(2).
وفي الثانية روى سيف عن عبدالرحمن
بن أبي بكر، قال: غداة طُعِن عمر:
مررت على أبي لُؤلؤَة عَشِيَّ أمس
ومعه جُفَيْنَة والهُرْمُزان وهم نَجِيُّ فلمّا رَهِقْتُهُم ثاروا وسقط منهم خنجر
له رأسان نصابه في وسطه فانظروا بأيّ شيء قتل، وقد تَخَلَّل أهل المسجد وخرج في
طلبه رجل من بني تميم فرجع إليهم الَّتميمي وقد كان ألظَّ بأبي لؤلؤة منصرفه عن عمر
حتى أخذه فقتله وجاء بالخنجر الذي وصف عبدالرحمن بن أبي بكر فسمع بذلك عبيداللّه بن
عمر فأمسك حتى مات عمر. ثمّ اشتمل على السيف فأتى الهرمزان فقتله، فلمّا عضَّه
السيف قال: لا إله إلاّ اللّه. ثمَّ مضى حتى أتى جُفينـة وكان نصرانياً من أهل
الحيرة ضِئْراً لسعد بن مالك أقدمـه إلى المدينة للصلح الذي بينه وبينهم
ولِيُعَلِّمَ بالمدينة الكتابة، فلمّا علاه بالسيف صلَّب بين عينيه وبلغ ذلك
صُهيباً فبعث إليه عمرو بن العاص، فلم يزل به وعنه ويقول: السيف بأبي واُمّي حتى
ناوله إياه وثاوره سعد فأخذ بشعره وجاؤوا إلى صُهيب(3).
حديث غير سيف:
هذا ما رواه سيف. أمّا غير سيف فقد
روى الطبري(4) عن المسور بن مَخْرَمة:
وقال: ((ثمّ جلس عثمان في جانب
المسجد ودعا عبيداللّه بن عمر وكان محبوساً في دار سعد بن أبي وقّاص وهو الذي نزع
السيف من يده بعد قتله جُفَيْنة والهرمزان وابنة أبي لؤلؤة وكان يقول: واللّه
لاقتلنَّ رجالاً ممّن شرك في دم أبي يُعَرِّض بالمهاجرين والانصار، فقام إليه سعد
فنزع السيف من يده وجذب شعره حتى
اضجعه إلى الارض، وحبسه في داره
حتى أخرجه عثمان إليه. قال عثمان لجماعة من المهاجرين والانصار: أشيروا عليّ في هذا
الذي فتق في الاسلام ما فتق، فقال علي:
أرى أن تقتله، فقال بعض المهاجرين:
قتل عمر أمس ويقتل ابنه اليوم، فقال عمرو ابن العاص: يا أمير المؤمنين إنّ اللّه قد
أعفاك أن يكون هذا الحدث كان ولك على المسلمين سلطان إنّما كان هذا الحدث ولا سلطان
لك)). وفي رواية البلاذري(5) إنَّ عثمان قال: ((وقد كان من قضاء اللّه انّ
عبيداللّه بن عمر أصاب الهرمزان، وكان الهرمزان من المسلمين ولا وارث له إلاّ
المسلمون عامّة وأنا إمامكم وقد عفوت أفتعفون؟! قالوا: نعم، فقال علي: أقِدِ الفاسق
فإنّه أتى عظيماً، قتل مسلماً بلا ذنب.
وقال لعبيداللّه: يا فاسق لئن ظفرت
بك يوماً لاقتلنَّك بالهرمزان)).
وفي رواية الطبري السابقة: (قال
عثمان أنا وَليُّهم ـ أي وليُّ المسلمين) وقد جعلتها دية واحتملتها في مالي. قال:
وكان رجل من الانصار يقال له زياد بن لَبيد البَياضي إذا رأى عبيداللّه بن عمر
قال:
ألا يا عبيداللّه يا
ما لَكَ مَهْرَب
ولا مَلْجأ
من ابن أرْوى ولا خَفَر
أصَبت دَماً واللّه في
غير حِلّه
حراماً
وقتل الهرمزان له خطَر
على غير شيء غير أن
قال قائل
أتتهمون
الهرمزان على عمر
فقال سفيه والحوادث
جمّة
نعم أتَّهمه
قد أشار وقد أمر
وكان سلاح العبد في جوف
بيته
يقلّبها
والامر بالامر يعتبر
قال: فشكا عبيداللّه بن عمر إلى
عثمان زياد بن لَبيد وشعره فدعا عثمان زياد ابن لبيد فنهاه قال: فأنشأ زياد يقول في
عثمان:
أبا عمرو عبيداللّه
رَهن
فلا تَشْكك
بقتل الهرمزان
فإنّك إن غفرت
الجُرمَ عنه
وأسباب الخطا فَرَسا رهان
أتعفو إذ عفوت بغير
حقّ
فما لك
بالذي تحكي يدان
فدعا عثمان زياد بن لبيد فنهاه!
* * *
مناقشة السند:
روى سيف حديث وجود ولد للهرمزان
اسمه القُمّاذبان عن القُمّاذبان نفسه وهو كما يظهر من مختلقات سيف من الرواة إذ لم
يرد ذكره في غير رواية سيف هذه.
* * *
نتيجة المقارنة:
في رواية سيف أنَّ ابن العاص ضرع
إلى عبيداللّه حتى سلَّمه السيف وأنّهم جميعاً ذهبوا إلى صهيب. وفي رواية غيره أنَّ
سعد بن أبي وقاص هو الذي نزع السيف من يد عبيداللّه وجذب شعره حتى أضجعه إلى الارض
وسجنه في داره.
وفي رواية غير سيف ـ أيضاً ـ أن
عثمان قال: (الهرمزان من المسلمين ولا وارث له إلاّ المسلمون عامّة وأنا إمامكم وقد
عفوت) بينما اختلق سيف للهرمزان ولداً سمّاه القمّاذبان وقال: إنَّ عثمان سلَّمه
عبيداللّه ليقتله قَوداً بأبيه والقمّاذبان عفا عنه بعد أن تَسَلَّمه، فحمله الرجال
على الرؤوس وقال: إنَّ القمّاذبان هذا روى أن أباه
وأبا لؤلؤة تداولا الخِنجر الذي
قُتل به عمر ليلة طُعن، وأنّ رجلاً آخر رآهم على تلك الحالة. وعَزَّز سيف روايته
هذه بأُخرى قال فيها: إنّ ابن أبي بكر رآهم نجوى في ليلة طعن عمر فَرَهَقَهم فثاروا
فسقط منهم خنجرٌ وصفه يوم طُعِنَ عمر. فلمّا جيء بالخنجر ـ آلة الجُرم ـ كان كما
وصفه، فبلغ ذلك عبيداللّه فأمسك حتى إذا مات عمر ذهب فقتلهم؛ وإذا كان الامر هكذا
فلا لوم على الخليفة ولا تثريب على عبيداللّه وكلاهما من سادة مضر القبيلة التي
يتهالك سيف في الدفاع عن أمجادها(6) ولم يَفُت سيفاً ـ أيضاً ـ أن يكتسب فخراً
لقبيلته تَمِيم حين جعل قاتل أبي لؤلؤة رجلاً من تميم.
وهكذا يختلق سيف الاساطير ويختلق
أشخاصاً اُسطوريين كالقمّاذبان ابناً للهرمزان، وغَرقَدة للغريق، وابن مخراق وابن
الرّفيل رواة للحديث.
ولعلّ أسوأ أثر تركته قصص (سيف)
على التاريخ الاسلامي ما كان من أمر الاسماء التي نسب إليها القيام بأعمال كبيرة في
قصصه، فإنّها قد أصبحت بمرور الزمن أعلاماً تاريخية بعدما أصبحت قصصه حقائق تاريخية
يعتمد عليها المؤرّخون والبحّاثون والمترجمون، فترجم قسماً كبيراً من تلكم الاسماء
في عداد تراجم الصحابة كل من ابن عبد البر في كتابه (الاستيعاب في أسماء الاصحاب)،
وابن الاثير في كتابه (أُسد الغابة في معرفة الصَّحابة)، والذَّهبي في كتابه (تجريد
أسماء الصحابة)، وابن حَجَر في كتابه (الاصابة في تمييز الصحابة)، وابن عساكر في
(تاريخه الكبير) ضمن تراجم من دخل الشام، وكذلك فعل غير هؤلاء ايضاً، في حين أنّ
تلكم الاسماء لم يكن لها وجود خارج قصص سيف، بل كان شأنها شأن سائر أبطال القصص
الموضوعة يمتدُّ وجودها بامتداد القصَّة فحسب، وإنّ أقدم من أدخل تلكم الاسماء في
عداد أصحاب النبي ممّن بقي مؤلفه بمتناول أيدينا هو أبو عمر يوسف بن عبداللّه بن
محمد بن عبر البرّ بن عاصم الّنمري القُرطبي المالكي (ت 363 ـ 463 ه ) في كتابه
الاستيعاب، وقد صرّح هذا المؤلّف في آخر كتابه 4 / 43 عند انتهائه من تأليفه وقال:
((فهذا ما انتهى إلينا من الاسماء والكُنى في الرجال والنساء من أصحاب رسول
اللّه(ص) ممّن روى أو جاءت عنه رواية أو انتظم ذكره في حكاية تدلُّ على أنّه رأى
رسول اللّه(ص) مولوداً بين أبوين مسلمين أو قدم عليه أو أدّى الصدقة إليه، وقد جاءت
أحاديث عن رجال منهم لا يُذكرون بنسب ولا كُنية ولا يُسمّون، وعن نساء لا يُعرفن
إلاّ بجدّة فلان أو عمة فلان ونحو ذلك، وما انتهت إلينا معرفته من ذلك كله فقد
ذكرناه... الخ)).
وما أكثر الاسماء التي لا تعرف
بنسب ولا كنية في قصص (سيف)، على أنّه في بعض الموارد يُلحق الاسم الذي يضع له
قصَّة بنسب صريح، فيقول: (فلان الفلاني) أو يقول: (ابن فلان) أو (أخو فلان) فيخفى
أمره على المترجمين والنّسّابين، وقد يُحرّف اسم شخص محقّق الوجود فيلبس أمره على
الباحثين ويُشوّش عليهم بحثهم. والامر في كل ذلك هيّن على (سيف)، فإنّه إذا أراد أن
يختلق أحداً اختلقه من كلام، ثم قال له كن فيكون. وللتحقيق عن أسماء الصحابة التي
استخرجوها من أحاديث سيف دوّنّا كتابنا (خمسون ومائة صحابي مختلق) وهو تال لهذا
الكتاب.
ندرس فيه أثر أحاديث سيف على
الموسوعات الاسلامية في التراجم والتاريخ.
ولاحاديث سيف نوع آخر من الاثر على
مصادر الدراسات الاسلامية عن طريق كتب تراجم البلاد كمُعْجَم البلدان للحموي (ت 626
ه ) فإنّ الحموي أيضاً اعتمد على سيف في ترجمته بعض البلاد الاسلامية وعدّ أماكن
وبقاعاً لا وجود لها خارج قصص سيف في عداد البقاع والاماكن التي لها وجود حقيقي كما
نرى ذلك في الفصل الاتي إن شاء اللّه تعالى.
1 بسَّ الشَّيْء: فَتَّتَهُ وحَطَّمَهُ.
2
الطبري 1 / 280 حوادث سنة 24 ه .
3 حوادث سنة 23 الطبري 1 / 2797.
4 الطبري (ط) أوربا 1 / 2795 ـ 2796.
5 راجع فصل الشورى وبيعة عثمان فيما سبق عن أنساب الاشراف للبلاذري 5 / 24 .
6 ندرس ذلك بتفصيل واف إن شأ اللّه في كتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق) .